الحرية وبداية المشوار الحضاري/ د.خالد الطراولي


غابت حرية الكلمة والقلم في السياسة، فكان الضمور والفقر في الفكر السياسي الإسلامي لقرون حتى أن أبا الحسن الماوردي صاحب الأحكام السلطانية يوصي أتباعه بعدم نشر كتابه إلا بعد وفاته!.

لن نمل الحديث عن الحرية حتى وإن تكرر الكلام، ولقد اصطبغت الحضارة الإنسانية أيا كانت مشاربها بهذا البعد في أيام ازدهارها، وطفقت منتكسة منكسرة هائمة لمّا شابها انعدام أو ذبول للحرية في ديارها.
قيل لأجدادنا يوما متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، وسبق مُقدّسنا وحفل بإشارات حملت روح الحرية والكرامة ، "ولقد كرمنا بني آدم"... فكانت حضارتنا أيام عزها مليئة بمشاهد الحرية رغم بعض الهنات والانتكاسات التي مثلت بذرة السوء النائمة وبداية النهاية... كان الخليفة العباسي المأمون يجمع مناظرات علمية بين أصحاب الديانات المختلفة ويقول لهم: ابحثوا ما شئتم في ميادين العلم غير أن يستدل أحدكم بكتابه الديني!.
ولما انهارت حضارتنا كان لاستبعاد الحرية دور في سقوطها وتهميشها..، غابت الحرية السياسية، والاقتصادية، وغابت قبل ذلك حرية الكلمة والرأي والفكر، وليس غلق باب الاجتهاد يوما إلا تعبيرا لهذا المنزلق، فالحرية التزام، والحرية إبداع، والحرية إحسان وإتقان...
غابت حرية الكلمة والقلم في السياسة، فكان الضمور والفقر في الفكر السياسي الإسلامي لقرون حتى أن أبا الحسن الماوردي صاحب الأحكام السلطانية يوصي أتباعه بعدم نشر كتابه إلا بعد وفاته!.. وغابت الحرية في الفكر الاقتصادي إلا من بعض العناوين النادرة والمعروفة فكان الترهل الاقتصادي فكرا وممارسة وفاتتنا الثورات الفلاحية والتجارية والصناعية... في المقابل تحررت الكلمة وسال القلم في الطقوس والشعيرة فكان الإبداع والإتقان وكان التعدد حتى الاختلاف وكانت الوفرة حد التضخم في فقه العبادات، وامتلكنا تراثا فقهيا يندر وجوده في الزمان والمكان... وحاول التنظير في مهب هذا الظلام وفي بعض لحظات الوعي أن يرجّ التنزيل، فكانت ومضات بعض الفقهاء والعلماء، غير أنها بقيت مهمّشة منسية لطول الليل الحضاري ولعمق السبات، فقد أفتى الفقيه الحنفي الشهير ابن عابدين في حاشيته، بأنه إذا اختلف مسلم وغير مسلم في ادعائهما لطفل، حيث طلب المسلم ملكيته والآخر أبوته، فإنه يُحكم لصالح غير المسلم لأن تنشئة الولد على الحرية وإن كان غير مسلم أفضل من تربيته على العبودية وهو مسلم! وهو لعمري موقف مدني وحضاري عجيب حدّ الغرابة، حيث غلّب الفقيه إنسانية المرء من كرامة وحرية على المعتقد والدين.
هذه المشاهد وغيرها ترشد على عمق قيمة الحرية في مقدّسنا وفي حضارتنا، وليست حرية الفكر والقلم إلا جزء هاما ومعبرا عنه، ومالتقت الفكرة الحرة والخطوط المستقلة إلا وكان الإبداع وكان النهوض وكانت الحضارة، وما قُبرت الكلمة وسجنت وغُيبت، إلا وغاب الوعي وكان السقوط وكان الفناء...وسواء كان المُقبر صاحب عمامة أو مرتدي قبعة! وإذا غابت الحرية اليوم في الكثير من معاقلنا ومواقعنا فهي نتيجة وسبب! سبب يحمله الشعوب والرعية لقابليتهم العجيبة للتأقلم مع الجور والظلم والاستعباد، وهي نتيجة لعقلية الأنا والاستفراد والاستكبار ورفض الآخر التي أصابت أكابرنا وقوادنا حتى اختلقنا الجمهوريات الملكية والوزارات بدون وزارة! ولن ينسى التاريخ إبداعاتنا في هذا المجال راع ورعية. ولم يكن غياب الحرية في بعدها السياسي الكابوس الوحيد الذي قض مضاجعنا ولا يزال، ولكنه جزء من كل ، ظلمات ازداد بعضها فوق بعض حتى إذا مددت يدك لم تعد تراها. غابت الحرية في البيت وغُلقت الأبواب وقيل للرجل هيتَ لك، يفعل ما يشاء، كيف يشاء، متى يشاء حتى قيل ظلما وعدوانا "رحم الله عهدا كانت المرأة تخرج فيه مرتين، مرة عند التحاقها ببيت زوجها، ومرة عند لقاء ربها"!!!!
غابت الحرية في العقول فالتمسنا العقل في الحرية، فما وجدنا الحرية، فغابت عقولنا وارتجت نقولنا فكان الفراغ أو ما يشبهه، بضاعة معرفية وعلمية زهيدة لا تسمن ولا تغن من جوع. فغابت ذواتنا عن الفعل وغابت الأمة عن الثورة الصناعية والثورة التكنولوجيا والثورة المعلوماتية وبقينا في غفوتنا نبحث عن بصيص الحرية، وأمل زائف في المشاركة في ركب التحضر والتمدن.
غابت الحرية في أسواقنا، والعالم تتقارب أسواقه وتهيمن منشآته ومجمّعاته، وحظرت الجماعة وهيمنت المجموعة، واحتكرت الدولة كل الميادين إنتاجا واستهلاكا وتوزيعا. فغيبت المبادرات الفردية، وتعلم الفرد التواكل والأكل على موائد الأيتام إذا وجُدت هذه الموائد رغم قلة المرق، وذاب الفرد في الجماعة إلى حين، وكانت التجارب الاشتراكية... ثم تراء لنا بعد لأي ونصب، أن نفتح الأبواب على مصراعيها ونتبع نصائح الصديق والعدو، ومرت من هنا نصائح وإلزامات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، فكانت سياسات الانفتاح والشراكات وحذف الجمارك وتنحية الحدود، وادعينا الليبرالية الاقتصادية على هناتها وكثرة مناطق الظل في مقاربتها، وتجاهلنا مرتكزاتها الأساسية والتي تمثلها الليبرالية السياسية ورأس حربتها: الحرية، رغم هشاشتها وضعف منظومتها القيمية. فكان تقليدنا أعرجا، وممارستنا منقوصة، وغاب المنطق في التنزيل واستهوتنا سهولة التأويل، وأردنا تعايش الأضداد، وتعدد الأضرار فكان اقتصادنا هجينا تابعا لا يُعرف سمته ولا يُفقه وصفه، وكان السقوط... وإن كانت مرجعيتنا حافلة بحلول وتوجيهات ومبادئ تدفعنا إلى التفاعل الخصب والتفعيل الأنجع سياسة واقتصادا بمفهوم جميل ومبدع للحرية وأخواتها في إطارها القيمي.
غابت الحرية في مجموعاتنا فكانت الأحزاب، إن وُجدت، والحركات والجمعيات تنابز أطرافها وتستحوذ على حق الكلمة والتفرد بتمثيل الجميع في كيانها وسُحبت البُسط عن بعضها بدعوى الكفر أو الإيمان من ناحية، أو لعدم ديمقراطيتها من ناحية أخرى، إذ لا ديمقراطية لأعداء الحرية!، وكأن الجميع أصبح وصيا يملك صكوك الغفران وحقوق الكرامة والحرية. يرفض الحرية لغيره وهو منبوذ في مجتمعه يطمح من باب خفي إلى الحرية من سلطانه وهو له من الكارهين.
إن تأكيد بعد الحرية وقيمتها في عقولنا وتصرفاتنا، في تنظيرنا وتنزيلنا، مهمة الفرد والمجموعة، والحاكم والمحكوم حتى تتعدد الرؤى والمنافذ، وتختلف الأطروحات والبدائل، وتجتمع التصورات والمقاربات أيا كانت مرجعياتها... همها الأوحد المساهمة في بناء الفكر الحضاري للأمة وتشكيل العقل الحر والمبدع لأفرادها تحت شعار: اختلافنا لا يفسد للود قضية! وإذا كان العدل أساس العمران كما يراه ابن خلدون، فإن الحرية أساس بقائه وعماد دوامه وعربون فلاحه وتطوره نحو الأسلم والأفضل. وإذا أردنا يوما أن نشيد عالمية إسلامية ثانية فلن يكون المدخل سليما إلا من بوابة الحرية وأخواتها ومن منظومة أخلاقية وقيمية حازمة، نادى بها مقدسنا الكريم وفعّلتها أياد فاضلة في أيام كانت من أيام الله المباركة.
ينشر بالتزامن مع موقع الاسلام اليوم للشيح سلمان العودة


2010-02-23