في التأصيل الشرعي للفعل السياسي للحركة الإسلامية/ د.خالد الطراولي


لم تكن الحركة الإسلامية الإصلاحية منذ انطلاقتها رقما مهمشا أو مسقطا أو طفوليا في المشهد السياسي لبلدانها، بل مثلت طيلة مسيرتها جزء هاما من الحراك الداخلي للمشهد العام. فالإطار السياسي لم يسقط في الروتين الممل بين قابلية عجيبة وجامعة من المحكوم وانسحاب أو مساندة عمياء، وبين إمساك بقوة من الحاكم وهيمنته الفضة أحيانا. فدخول الحركة الإسلامية على خط الفعل السياسي أعطى زخما ونفسا جديدا بين الفرقاء فزادت معارضة الحاكم وطرح البديل، وأصبح الوجود السياسي للحركة الإسلامية من المسلمات داخل أوطانها رغم المواجهات والرفض الرسمي وسنوات الجمر. وبما أن الحركة الإسلامية تحمل خطابا وطرحا يستند إلى مرجعية دينية، بعضها مقدس وبعضها من اجتهادات الأمة في مسارها الطويل، فإن تساؤلات تطرح على مدى هذه القدسية وماهو عنوانها وكيف تنزيلها. فهل الفعل السياسي للحركة الإسلامية مقدس وأحادي الرؤية ومن عاداه أونافسه أو تحزب لغيره، غير دينه وكفر، أم أنه فعل مدني يستند إلى قراءة مدنية لهذه المرجعية المقدسة و بالتالي لا يعطيه أي عصمة لدى رواده أو قدسية في ممارسته.
التأصيل بين القدسية والمدنية
لا يعني البحث عن التأصيل بحثا عن قدسية في الفكر ولا عصمة في الخطاب وحامليه، فالمشروع السياسي للحركة الإسلامية مدني، وأصحابه مدنيون، في مجتمع مدني، لكنه بحث في المرجعية التي ينتمي إليها الخطاب ويستقي منها توجهاته وتصوراته، فهو تأكيد على الانسجام بين النتاج وبين أصوله وسعي إلى الوفاق بين هذه المرجعية المقدسة و بين تنزيلاتها في واقع متجدد ومتحرك يستدعي القراءة والاجتهاد...
كما لا يعني البحث عن التأصيل بحثا عن شرعية مقدسة تجعل من أصحاب المشروع السياسي الإسلامي ملائكة يستمدون تواجدهم الأزلي من نصوص مقدسة، ولكنه اجتهاد ضمن ضوابطه وأصوله في البحث عن توافق بين الماضي والحاضر في مستوى الهوية والثقافة والعقلية، وتبقى شرعية الخطاب وصلوحيته وصلاحيته مرتبط بالجماهير، فهي صاحبة الشأن في قبول هذا الاجتهاد والتأويل أو تجنبه.
كما أن رفض هذه الجماهير لهذا الخطاب السياسي والتصور الذي يلحق به لا يعني بالضرورة رفضا للمرجعية أو للمقدس التي تحمله. فهذا المقدس يبقى فوق الجميع وملكا للجميع، وقداسة النص لا يطالها طائل، وبإمكان كل طرف تبنيه واعتماده كمرجعية فكرية وفلسفة حياة تأويلا وترجيحا. لذا فالتأصيل الشرعي للحراك السياسي هو عنوان للتعدد والقراءات والتي تؤدي إلى تنوع التمثيل السياسي ذي المرجعية الإسلامية.
فالتأصيل الشرعي للعمل السياسي ليس فتوى شيخ أو مؤسسة تجعل من العاملين بها داخل منظومة الإيمان، وغيرهم خارجها، ولكنه اجتهاد لأصحابه حسب قراءتهم المدنية يحيطون به تصوراتهم ومقاربتهم للفعل والنظر ويستمدون من هذه المرجعية المقدسة لديهم وسائل وأدوات وحلول وبرامج وتوجهات يقرؤون بها الحاضر ويستشرفون بها المستقبل ويستجيبون عبر آلياتها وقراءاتها لمستجدات الواقع وتحدياته ومتطلباته.
فالإطار السليم للتأصيل الشرعي في الحراك السياسي ليس إطار الحلال والحرام الذي يلغي الآخر أو يقصيه أو يكفره، ولكنه إطار الخطأ والصواب انطلاقا من مرجعية مقدسة تحمل عنصري الحرمة والحلية ولا شك والتي تميز وتحدد الفعل السياسي للحركة الإسلامية ولا يجعله يتعارض معها، ولكنها أيضا أحكام اجتهادية تعطي للفعل والنظر إطارا أو إجابة تدعمه أو تبنيه دون أن تجعل من إجابات الآخرين ورؤاهم موطنا للحرمة. فلا يمكن للحركة الإسلامية أن تجعل من المرجعية الإسلامية حكرا عليها، أو أن تكون الممثل الرسمي والوحيد للإسلام وتنزلق في متاهات التجهيل والتكفير ومحاكم التفتيش، فالبحث عن تأصيل شرعي للفعل لا يكسب العملية منزلة تنظر بها الحركة الإسلامية من عليائها وتقزم الأطراف الأخرى عبر صراع النوايا وحكومات الضمير أو صراع الإيمان والكفر.
إن التأصيل الشرعي لخطاب الحركة الإسلامية لا يجب أن يكون موردا لإضفاء الشعارات الفضفاضة المتقمصة أو المدعومة بآيات وأحاديث تطرح على الآخر فتحرجه وتجعله في مواجهة مع الدين، فإن المرجعية المقدسة لا تعطي لخطاب الحركة الإسلامية أي قدسية أو عصمة ولكنه اجتهاد ضمن ضوابطه وأصوله كما قلنا يحمل عنصري الخطأ والصواب. إن برنامج الحركة الإسلامية يستمد أصوله وينابيعه ولا شك من هذه المرجعية، والذي لولاها لما كان له وجود أصلا، يجب أن يبقى في مستوى الطرح مدنيا خالصا فلا تعني المرجعية صكا لصحته، ولا يستمد منها شرعية وجوده أو مصداقية فعله. فلا يمكن للحركة الإسلامية أن تدخل حوارا مدنيا أو صراعا سياسيا وهي تقارع الآخر على أساس خطاب ديني يلتحف الحديث والآية ليحصل على الشرعية أو يكسب المواجهة، كمن يبيع العسل ويجعل على يافطة دكانه الآية الكريمة "فيه شفاء للناس" فهذه اللافتة لا تعني ضرورة أن عسل البائع ممتاز أو أن عسل الآخرين مغشوش أو أقل امتيازا وإن غابت اليافطة. إن صحة النظر وسلامة الفعل والمبادرة وحسن التدبير وفن السياسة ونجاح الخطة والحل، كل ذلك يمثل عناصر الشرعية والمصداقية والجماهيرية لدى الحركة الإسلامية ولدى غيرها. ولكم كان يزعجني في حوارات بعض أفراد من الحركة الإسلامية وهم يرفعون في وجه من يجادلهم أو يحاورهم الآيات والأحاديث ضانين بذلك أنهم كسبوا المناظرة ونالوا المصداقية والغلبة. ولقد كان الخليفة المأمون يطلب من المناظرين أن يترك كل كتابه الديني قبل أن يدخل عليه ليكون الفصل للعلم والعقل والفكر.
جوهرية المنظومة القيمية في التأصيل
والتأصيل الشرعي هو تحصين قيمي حيث يحدد الفعل والنظر السياسي داخل منظومة من القيم تمثل الإطار السليم والملزم الذي يتنزل فيه الحراك السياسي. فالسياسة أخلاق أو لا تكون والسياسة قيم نبيلة أو لا تكون. وبين الحركة الإسلامية في مشروعها السياسي وبين الطرح المقابل خنادق وجسور فليس التمكين معبرا لمقولات وأطروحات مكيافيلية خالصة شعارها "أن يخافك الناس أفضل من أن يحبوك" كما يراها مكيافال وبين "عدلت فأمنت فنمت" كما صورها مشروع عمر بن الخطاب في الحكم والدولة.
والحركة الإسلامية ملزمة أن تعمل داخل هذه المنظومة وتتفاعل داخلها وتبني خططها ومواقفها وبرامجها عبر قيمها، ولا يسمح لها أن تتجاوزها أو تسقط في حبال إغراءات مشهد سياسي مغشوش أو منقوص، أو استدراجات سلطة وحكم ومكاسب سياسوية ضيقة.
فتأصيل الحراك السياسي لدى الحركة الإسلامية هو العودة إلى ينبوع المرجعية المقدسة واعتماد قراءته وتأويله حسب مقتضيات الواقع، فهو كسب مدني للفعل الذي يجد مرجعية أثبت الماضي ثرائها، فيستند عليها ويعود إليها، وهو مكسب وطني في إيجاد تواصل بين القديم والجديد وعدم إحداث قطيعة بين الماضي المجيد والحاضر الذي لا زال يبحث عن مجده، وهو عمل حضاري بما يسعى إليه من استقراء سليم لأيام الأنوار في هذه الحضارة المنتهية في نصوصها وأعمالها، لاستشراف مستقبل مترفه مادة وروحا والمساهمة في بناء حضارة إنسانية تلامس كل البشر.
في البحث عن مقصدية المصالحة والمصلحة وتجنب المواجهة:
والتأصيل الشرعي هو بحث مستديم بين فرعين، ثوابت ومبادئ من جهة ومصالح ومطالب من الجهة الأخرى. فالواقع المتجدد والضاغط يدفع غالبا نحو تغليب عنصر المصلحة والمنفعة الذاتية أو الجماعاتية على حساب المجموعة، أو يسعى إلى تضارب المصلحة مع المبدأ فيلغي الثانية لحساب الأولى، وتدخل على الخط مصطلحات فجة ومسقطة من قبيل الواقعية والبراغماتية التي تلغي المبدأ أو تساوم على تجاوز الثوابت.
إن التأصيل الشرعي ليس بحثا في تعويم الثوابت وإنزال الحيل الفقهية من أجل مداراتها، وهو أيضا ليس بحثا في التشدد والمغالاة والقفز على الواقع والتغاضي عن حقائقه وإفرازا ته، ورمي المصالح في الهوامش والمزايدة على التخوين والتجهيل والتكفير. فالبحث عن المصلحة ليس عيبا ولا شذوذا ولا مروقا عن القيم والفضائل، ولكنه فعل سليم إذا تحصن بمنظومة القيم والثوابت والمبادئ.
ليست المصلحية نقيض المبدئية، وهو ما يتسارع إلى الذهنية الإسلامية وكأن المبادئ لا تحمي المصالح، والمصالح لا تحترم المبادئ. فكل مصلحي غير مبدئي، والمبدئي غير مصلحي بداية. لقد خدم رسول الإسلام (ص) دينه وقومه وعشيرته، وسعى إلى ذلك في العديد من أطوار مشواره المدني، ولم يتخلى عن ثوابته ولا ساوم في مبادئه، ومن هنا مرّ دستور المدينة ومن هنا مرّ صلح الحديبية، حيث ظهرت ثنائية المصلحة والمبدأ في انسجام وتوافق تحتضنهما منظومة قيم حازمة. والتأصيل الشرعي طريق بين الأشواك ولا شك ولكنه طريق بناء سليم وواع إذا تقبل تحديات الواقع ومقتضياته ولم يسع إلى النط والقفز والتجاوز أو الإسقاط، وعمل على إنزال المقدس تأويلا وترجيحا في خير وأحسن منازله.
إن التأصيل الشرعي للحركة الإسلامية في مشوارها السياسي هو بحث عن مناطق اللقاء بين الضفاف وتغليب عناصر الرفق والتعارف والتيسير على أبعاد التشدد والمغالاة والتقوقع والمواجهة. فالضفة المقابلة من حاكم ومعارضة مهما تعددت اليافطات وثقل الحمل ليست سواد كلها وليست كهوف كلها ولكن مناطق البياض وإن قل وميضها لها منازل في غير حينا والبحث عنها واللقاء معها في إطار الثوابت والقيم، مورد للفعل السليم والنظر الثاقب الذي يبني ولا يهدم ويتقدم ولا يتأخر.
ويبقى التأصيل الشرعي في بعده الأساسي الضاغط والحازم، بحث في التركيز على أولويات الفعل والنظر من فقه المرحلة والواقع وقراءة متأنية وواعية للأجندات المحيطة، صديقة كانت أو منافسة أو عدوة، عبر تغليب البعد الاستراتيجي للمشروع على النظرة الآنية والمواقف اللحظية والبعد التكتيكي الذي ينظر في حدوه الأنف وينسى ما يتعداه من آفاق واستشراف، وموقف حضاري شامل وبعيد المدى.


2010-09-28