المقدس والصنم في ثورة تونس / الأستاذ محمد صالح الضاوي


إذا كنا سمحنا لأنفسنا، أن نقرأ "ثورة تونس" في هذه اللحظة المبكرة، فلأننا على يقين بسرعة التحولات الرهيبة التي تحدث في المجتمع، طيلة لحظات الثورة، وهي تحولات فرضت علينا أنساقا من الرصد لم نعتدها في أية ظاهرة اجتماعية في العالم. إن فرادة "ثورة تونس" وما حملته من معان، وما تحمله في كل حين، تعطينا الحق في مساءلتها مبكرا، واعتبارها بلغت من التجريبية والنضج السوسيولوجي ما يؤهلها للمقاربات التنظيرية.

وهناك سبب آخر، لا يمكن تصنيفه، ولكن يمكن توصيفه، وهو جملة التناقضات التي تجلت في هذه الثورة، والتي عصفت بكثير من الرؤى السياسية والفكرية والتاريخية، بل وحتى النظريات السوسيولوجية.

إن "ثورة تونس" فرضت، منذ ثمارها الأولى، على كل المتتبعين للشأن التونسي والعربي، أن يعيدوا مراجعة أفكارهم وإعادة إنتاجها وفق الإحداثيات التونسية. وكل الأطياف السياسية والفكرية معنية بالمراجعات العميقة لذواتها، دون استثناء. وإذا كان التنافس على أشدّه بين "الفرقاء" على فهم الظاهرة/ الثورة، فإن التندر والظرافة والفكاهة الشعبية حجزت المرتبة الأولى للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، الذي يعدّ في تونس، أوّل من فهم الثورة ففرّ هاربا. ولا يمكننا إنكار حجم المجازفة الفكرية لطرح نظريات حول الثورة بعد أسبوعين أو ثلاثة من قيامها، وهي ما تزال تلملم جراحها، وتحدّد ملامحها وهويتها، بل لا تزال تعلن عن إرهاصاتها المتتالية، وهي في أواخر مراحلها، وبداية مراحل حقبة جديدة... ولكن يبدو أن أولى نتائجها المبكرة كانت داخل النظام الفكري النخبوي التونسي، الذي وجد نفسه في قطيعة شبه تامّة مع كل الإنتاجات الفكرية ما قبل الثورة، سواء من حيث المنهج أو المضمون، ومن حيث المواضيع والمصطلحات. وهذا الضغط القوي الجديد على تعديل الأنساق الفكرية، وحتى تعديل الاتجاه الفكري نفسه، هو الذي منحنا التأشيرة الموضوعية للمساءلة والمصارحة.

لقد أظهرت الثورة التونسية، منذ لحظات ظهورها الجلي، أن المشهد السياسي والفكري السائد قبل الثورة، لا يعدو أن يكون إلا ممسوخا ورديئا ومشوها، لا يعبّر في حقيقة تشكله إلا عن أوجه الاستبداد والطغيان والظلم الذي كان صفة النظام السابق. وأن الثورة، بما هي محصلة اجتماعية وذهنية، دفعت بكلّ فكر إلى التصحيح والتعديل، منهجا وموضوعا ونتاجا. ولقد قام النظام السابق بتفريغ البلاد من كل القوى السياسية والفكرية الفاعلة فيه، بالسجن والتضييق والنفي والتعذيب والتشويه والاحتواء وغيرها من أشكال التعامل الاستبدادي مع الحياة السياسية والمدنية في البلاد، مما دفع بالنخبة المثقفة والمسيسة إلى ردّات فعل، فرضت عليها عدّة سلبيات، أولاها، انحسار الحراك السياسي لهذه النخب في خندق واحد، هو الحريات فقط، وإهمال البنود الأخرى المتصلة بالحياة الإقتصادية والاجتماعية والقانونية والثقافية وغيرها. حتى أن كثيرا من الملاحظين "المستقلين" رأوا في موضوع الحريات، الشرعية الوحيدة لقيام أغلب الأحزاب والحركات السياسية بالبلاد.

وثاني السلبيات التي كانت متسمة بها عناصر المشهد السياسي والفكري التونسي، هي انخراط معظم الحساسيات في مشروع مشترك مع النظام السابق، لإزاحة التيار الإسلامي من الخارطة السياسية والإجتماعية والفكرية لتونس، بل وامتد المشروع المشبوه إلى مقاومة كل أشكال الإسلام الجماعي الإجتماعي الشعبي، ممّا هدّد الدين الإسلامي نفسه، وأصبحت تهمة الإرهاب سيفا مسلطا على كل رمز إسلامي. ولعل تفقير الساحة التونسية من التيار الإسلامي الإخواني الذي صعد في الثمانينات، فتح المجال لمجموعات سلفية وسلفية جهادية، لم تكن معروفة في مجتمعنا، وقدّمت، بانغلاقها وسطحيتها، المبررات الشرعية لإطلاق حملات الإسلاموفوبيا، التي جمعت القوى السياسية التقدّمية والسلطة السابقة في خندق واحد. وثالث السلبيات، تتعلق بالمفهوم السطحي للأنساق السياسية والفكرية التي كانت عليها النخبة التونسية، في رؤيتها للسلطة الحاكمة سابقا، وفي تقييمها لقوّة السلطة آنذاك، ولقوى الحراك الاجتماعي عموما.

فكل الفاعلين في الساحة التونسية أخطؤوا في تقييم اللحظة السياسية التي تمرّ بها البلاد، فضخموا ما كان بسيطا، وبسّطوا ما كان ضخما. بل رأينا، في اللحظات الأخيرة لتجليات "ثورة تونس"، من كان لا يزال يراهن على نظام بن علي آنذاك، لا لإيمانه بقيمه، ولكن لحسابات خاطئة في التحليل السياسي، ولعدم إدراكه للحظة التاريخية التي تمرّ بها البلاد وقتئذ. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن الخطأ أصاب كل القوى السياسية والفكرية الكبرى والفاعلة منذ سنين، وأن صوت الثورة كان لا يزال خافتا في لحظاتها الأخيرة، وأن الأصوات التي رافقت الثورة، كانت، إضافة إلى بعض المكونات الشعبية، بعض القوى السياسية الصغيرة و"الطفيلية" في المشهد السياسي التونسي. ولا يعني أن هذه القوى كانت على وعي سياسي وفكري باللحظة الراهنة، ولكنها كانت تحلم، حلم يقظة، حتى فوجئت بأن الحلم قد تحقق، بهروب بن علي، رمز النظام السابق.

لقد قامت "ثورة تونس" بالتزامن مع هذه السلبيات الثلاثة التي تعلقت بالمشهد السياسي التونسي، ودون وعي مسبق أو تخطيط قبلي، وجد المجتمع السياسي والفكري التونسي نفسه يوم 14 جانفي 2011 في لحظة تاريخية لا سابقة لها على الإطلاق، أربكته وخلخلت قناعاته التكتيكية الضيقة، التي ارتبطت مع النظام السابق قبل الثورة، بل وأتت على بنيانه الفكري من القواعد، لتعيد إنتاج نظريات الثورة والحرية والكرامة، تماشيا مع قانون "ثورة تونس"، التي لم تكن لا شرقية ولا غربية، بل كانت تونسية لحما ودما. وكانت المراجعات التي فرضتها اللحظة التاريخية الثورية على الساحة السياسية والشعبية التونسية، أن مسّت أوّل الأمر، ذلك الشعور بالانتماء لتونس، البلد والشعب، والحضارة، والتاريخ. وكان نتيجة مراجعة هذا الموقف العقلي والنفسي من الانتماء لهذا البلد العظيم، أن تمّ إعادة صياغة مقدّسات الأمّة، وأولوياتها الوطنية، ومكوّناتها الأساسية في اللاشعور الجمعي التونسي. فأصبح الانتماء لتونس المقدّس الأول للمجتمع، مما سمح بمراجعة المساجلات البورقيبية واليوسفية حول المكوّن التونسي ووجوده، ولم تعد تونس "طحين من الأفراد poussière d’individus " كما كان الرئيس الأول لتونس يعلنه على الملأ. بل إن الثورة التونسية الحديثة أثبتت في نفوس التونسيين جميعا وعيا بالانتماء لهذا البلد لم يشهده التاريخ حتى في يوم الاستقلال سنة 1956، وكأن تونس ولدت من رحم الثورة يوم 14 جانفي 2011.

ويحق للشعب التونسي أن يفتخر بثورته، التي أعلنت عن ميلاده كشعب، وأعلنت عن دخوله للتاريخ والحضارة من أشرف الأبواب، وانبثق منها هذا الشعور الذي رافقه سؤال طريف: من هي تونس؟. سؤال طرحه كل تونسي وغير تونسي، وكل المكونات السياسية والفكرية التونسية خاصة وغيرها أيضا، وسؤال تردّد في عيون الإعلاميين الذين أغراهم المشهد التونسي، وأعادوا إنتاج صورهم الذهنية عن هذا البلد العظيم.

ومقابل صعود مقدّس جديد في المخيال الشعبي، رافقه أيضا صعود مدنّس جديد تربع على عرش كلّ المدنسات الاجتماعية التونسية، وهو: صورة الرئيس المخلوع وعائلته وحزبه. فبقدر ذلك التأليه الذي كان يحيط به نفسه ومركزه، تحوّل، بفعل الثورة، إلى رمز كل المدنسات التي يعرفها الشعب، بل أصبح مقبرة كل السيئات والذنوب والفساد والشرور، بلا منازع.

وقد تفنن الشعب التونسي في إظهار هذا التحول الصوري الذهني من خلال كل الأشكال التدنيسية التي مارسها على صفحات الشبكة العنكبوتية، ضدّ رموز النظام الفاسد البائد: الرئيس وعائلته وحزبه، وأصبح الصنم البائد محور التندرات والفكاهة الشعبية، ومورس عليه كل أنواع النقد الفني والأدبي، من شعر ورسم وكاريكاتور وأغاني شبابية، مارست الانتقام النفسي من الطاغية السابق، وأعلنت عن تحرّرها من قيد الآلهة التي كانت تكبل الفكر والنفس. بل إن منصب الرئاسة نفسه، ومن ورائه أشكال الإنتاج السياسية، بالمفهوم السياسوي، تدحرج من سلم المقدسات، ليستقرّ في أعلى مرتبة من لائحة التدنيس، وفقد بالتالي كل ذلك الحضور النفسي الشعبي، وتلك الهالة الإعلامية التي حيكت حوله لعدّة عقود.

لقد أعاد الشعب صياغة قيمه عبر هذه الثورة المباركة، وأعاد الأشكال والرموز والدلالات إلى نصابها ومراتبها، فرفع صورة تونس في مخيلته، وأسقط كل أصنام المرحلة السابقة، وداس عليها ودنّسها، ونزع منها كل شرعية، في انتظار إعادة إنتاج شرعية سياسية جديدة لا تعلو على شرعية الثورة التونسية. إلا أن الأنساق الثورية، من خلال قراءة تاريخية سريعة، تأبى الاكتفاء بإسقاط الأصنام، و"تحرير" الشعب منها، حيث سرعان ما يتم تعويض الصنم البائد بصنم جديد. ولم تكن ثورة تونس بمعزل عن هذه الأنساق والنواميس التاريخية، فقد لوحظ أن الثورة اختزلت "الشعب" في "الشهداء" واختزلتهم بدورهم في "الشهيد محمّد البوعزيزي"، حتى أن حالات إحراق النفس، وإضرام النار في الجسد، انتشرت في عدّة مدن عربية، وأصبحت أرقى أنواع النضال، ورمزا للثورة على الطغيان.

والأكيد أن صنم خيالي افتراضي أخف وطأة من الصنم الواقعي، المستبدّ، وذلك من جهتين: الجهة الأولى، أن الصنم الخيالي الافتراضي، يسهل تحوله وإعادة تشكيله بمرور الزمن، بل ويمكن حتى إلغاؤه أو نسيانه، في حين أن الصنم الواقعي لا ينفكّ عن تعزيز دوره التسلطي والاستبدادي يوما بعد يوم. والجهة الثانية: أن حقيقة الصنم الخيالي أصنام كثيرة على عدد المكونات الاجتماعية، الفردية والجماعية، وبتعدّده وانقسامه بين أجزاء المجتمع، يفقد قوّته المؤسساتية، وصبغته التسلطية العامّة، ويصبح مسألة تنتمي إلى علوم النفس.

لقد أثبتت ثورة تونس، من جديد، أنه لا بدّ من واسطة صنميّة بين الشعوب وبين قيمة الحرية، وأن هذه الواسطة تعبير شيئي عن ماهية الحرية التي من أجلها قامت الثورة. وإذا كانت بعض الثورات قامت باستبدال صنم بآخر، "يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق"، فإن ثورة تونس اختارت "الشهادة" رمزا للصنم الجديد، الذي يستلهم منه الشعب ثورته، ويعبر من خلال صوره الذهنية عن معاني الحرية الجماعية والفردية. وهي بهذا التمشي، تدخل ساحة الحداثة من بابها الكبير، لتؤسس لعهد القيم والمعاني والضمائر.

الجمعة‏، 23‏ صفر‏، 1432



2011-04-17