في الفصل بين الهوية والدين/ الأستاذ منجي بن أم هنة


بقلم : منجي بن أم هنة

تعالت بعض الأصوات في المدة الأخيرة تنادي بطمس الهوية و القطع مع الحضارة العربية الإسلامية بجميع مكوناتها، من لغة و دين و حضارة و تاريخ، بدعوى أن لا شيء في هذه الهوية يستحق الرجوع إليه في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة. و في هذا السياق ينظر البعض من مفكرينا أن الدين ليس من مقومات الهوية باعتباره حرية شخصية لا يجوز حصره في ثقافة معينة أو رقعة جغرافية محددة. و إن كان هذا القول يصح نسبيا في البلدان التي يتعايش فيها مواطنون لا يعتنقون نفس الديانة، فيصبح الدين نقطة اختلاف يجب تفاديها، بإدراج حرية المعتقد بدستور البلاد، مع إقرار مبدأ تساوي الجميع أمام القانون. أما بالنسبة للحالة التونسية، فالأمر مختلف تماما، إذ الأغلبية الساحقة من السكان تدين بالإسلام، بل تكاد تكون على مذهب فقهي واحد. فالدين الإسلامي أصبح على مر العصور مقوما أساسيا من مقومات الهوية التونسية، التي يضرب بشعبها المثل في وحدة المعتقد و المذهب. فأغلبية التونسيين يعبرون عن إيمانهم بالله بصفته خالق و مدبر الكون و بمحمد (صلعم) رسولا نبيا. فالإيمان بالله و محمد (صلعم) هي أهم ميزة من مكونات الهوية التونسية، و لا يهم في هذا المقام وجود بعض المسائل الخلافية الجزئية في المدارس الفقهية، كموضوع الحجاب و ما شابهه من المواضيع التي يجوز فيه الاجتهاد، دون المساس بجوهر الدين و مقاصد الشريعة. فالإسلام قد طبع الحياة الاجتماعية و الثقافية و السياسية و الاقتصادية للبلاد منذ عصور طويلة، حتى نكاد لا نقف على شبيه لهذه الظاهرة بالمجتمعات العربية الإسلامية الأخرى، و ذلك لوحدة المعتقد و صفاء العرق، عبر تلاقح الحضارات و الأجناس على مر التاريخ. فلا نجد في تونس اليوم من يدعي بأنه من أصل قرطاجني أو روماني، ما عدى بعض الأصوات الخافتة التي تظهر من حين إلى آخر مطالبة بالاعتراف بأصولها الأمازيغية ـ تحت تأثير ما يجري على أرض جيراننا الجزائريين و المغاربة ـ دون التصريح بالقطع مع الثقافة العربية الإسلامية. لقد تطورت الهوية التونسية عبر التاريخ من صورتها الأولى ـ قبل الفتح ـ المتمثلة في العرق و الجغرافيا، لتشمل عنصرين أساسيين دخلا متلاحمين و لبثا متلاحمين، هما اللغة العربية و الدين الإسلامي. و أصبحت الهوية التونسية تضم أربعة أضلاع، العرق و الجغرافيا و اللغة و الدين. فاللغة العربية، هي لغة التواصل بين الناس و لغة التمثل لتمييز الأشياء من خلال مدلولاتها و معانيها. فلا معنى أن نقرأ شعر النابغة و امرئ القيس و المتنبي، أو نطالع فكر الجاحظ و الغزالي و ابن خلدون، أو أن ندرس علوم الأحياء و الفيزياء و الرياضيات مترجمة إلى لغات أخرى. فكل شعوب العالم تتمسك بلغاتها و تعض عليها بالنواجذ، فاللغة هي وعاء الذاكرة و الحضارة والتاريخ و العلوم. و بالمقابل، فالذاكرة التونسية و خاصة عبر لهجتنا الدارجة المحببة إلى التونسيين جميعا، لا زالت تحتفظ بكلمات مشتقة من لغات متعددة، لم يخبو وهجها عبر العصور، فمن من عامة التونسيين و خاصتهم بحث يوما عن أصول هذه الكلمات الأمازيغية ؟ ( هنشير، ملاخ، دشرة، زوالي،بوهالي، شوشة، تقازة، غنجاية، تبروري، فكرون، جرانة، حلوف، علوش، فرططو، تبيب، فرززو، ببوش، شلاغم، قرجومة، فرطاس، كرموس، هجالة، بركوكش، للا، نانا، غشير ...إلخ). و هناك العديد من الكلمات الأخرى ذات الأصول الفارسية واليونانية واللاتينية والفينيقية والأندلسية والتركية و الفرنسية و الايطالية، استوعبتها اللهجة التونسية و دفعت بالبعض منها إلى أمهات معاجم اللغة العربية الحديثة. أما الدين الإسلامي كمقوم من مقومات الهوية التونسية، فننظر إليه بوصفه سمة ثابتة و جوهرية يشترك فيها أغلب التونسيين، و لا يمكن لأي طرف احتكاره أو التحدث باسمه دون غيره، كما لا يسمح لأي طرف، و تحت أية ذريعة أن يتطاول عليه أو يستهزئ بمتبعيه. وهو لا يتضارب مع الدولة المدنية، الديمقراطية و حقوق المواطنة، التي نطمح جميعا إلى إرسائها. فالشعب التونسي قد تجاوز منذ عهود طويلة معيار التصنيف وفق الكفر و الإيمان، ليؤسس إلى مجتمع تنظمه قوانين و تشريعات، تمثل الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادرها، فهو لم يقم بثورته المباركة ليفقد جزءا من مكونات هويته. و اللافت للانتباه أن هؤلاء المفكرين المنادين اليوم بفصل الدين الإسلامي عن الهوية التونسية، باعتباره عنصرا مشتركا بين العديد من البشر، هم أنفسهم من أقروا بتعدد القراءات و المدارس في فهم النص القرآني. و قد ربطوا بعض أنواع الإسلام بقوميات ( إسلام الأكراد) و مذاهب ( الإسلام الشيعي أو السني) أو حتى بأماكن جغرافية محددة ( إسلام المدينة)، و خلصوا في الأخير إلى تجاوز القراءة الأحادية للإسلام و القبول بقراءات متعددة عبر الزمان و المكان. إن المتتبع لهذا المنطق ( و شهد شاهد من أهلها)، يستطيع أن يستنتج بكل يسر الاعتراف الضمني بأن قراءة معينة من جملة هذه القراءات للدين الإسلامي، قد تصبح مكونا بارزا من مكونات هوية مجتمع ما. ولقد دعا البعض منهم صراحة بالرجوع الدائم إلى القرآن "ليستمد منه قواعد السلوك المثلى في جميع مجالات الحياة." فإذا كان هذا هو شأنهم و هذه نظرتهم للدين الإسلامي، لماذا نراهم اليوم يتنصلون من كل ما نظروا له ؟ و يستكثرون على المجتمع التونسي المنفتح بطبعه على الآخر أن يكون الإسلام عنصرا من عناصر هويته و مصدرا من مصادر تشريعه، و الحال أن لا أحد يقول بقداسة ما ذهب إليه السلف من اجتهادات، تظل في أصلها محاولات مرتبطة بظروف المجتمعات التي نشأت فيها، يمكن أن يشملها التطور و التغيير، شأنها شأن أي مجهود بشري، مع الحفاظ على روح المقاصد الكونية، و أوامر و نواهي الرسالة المحمدية.


إن كل ما نخشاه أن يكون خلف هؤلاء المنادين بفصل الدين الإسلامي عن هوية البلاد و تهميش اللغة العربية - سواء كانوا يعلمون أو لا يعلمون - بعض الأيدي الخفية من دعاة الماسونية العالمية، التي تسعى إلى جعل البشر و القيم و المفاهيم على نمط واحد ييسر لهم السيطرة على العالم وفق منظومة، تفوح من ثناياها رائحة الفكر الصهيوني. فهي تسعى في مرحلة أولى إلى نزع مميزات الهوية للأمم الممانعة، و خاصة الأمة العربية الإسلامية، لتنصهر بها في إطار نظام عالمي جديد، بعد أن فشلت في فرضه بقوة الحديد و النار. توظف هذه الحركة من أجل تحقيق أهدافها، شعارات ينخدع بها الغافلون، كالحرية و الإخاء و المساواة، و ذلك بإفراغ هذه القيم الكونية الكبرى من مقاصدها و مفاهيمها الأصلية، و إعطائها مفاهيم مبطنة بوسائل و غايات خبيثة، فعبر الحرية و حقوق الإنسان تحارب الأديان ـ غير اليهودية ـ و تسعى إلى نشر الفساد في الأرض، و تحت شعار الإخاء تحاول فتح أبواب التطبيع و التخفيف من توجس الشعوب الأخرى من نوايا الصهاينة التوسعية، وتحت شعار الحرية الاقتصادية تحرض على اغتصاب حقوق الناس وأموالهم و تكريس تبعيتهم في الحصول على قوتهم اليومي. كما تدفع إلى إهدار جهد النساء في المطالبة بمساواة وهمية، القصد منها إشاعة الرذيلة و التعدي على الأعراض و الحرمات، و هدم المجتمع العربي المسلم المبني على تقاسم الأدوار بين المرأة و الرجل، داخل الأسرة و خارجها، في وفاق من التكامل و الاحترام المتبادلين. لكل هؤلاء نقول، إن الهوية العربية الإسلامية، هي صرح صلب شيده الآباء و الأجداد على مر العصور، مبني على مخزون من القيم و المبادئ، ولدت و شبت وسط بيئة بدائية صافية، نقية، جاء الإسلام ليتمها و يضيف إليها من روحه المتسامحة الخالدة ( إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق). فلقد ناضل المتقدمون من أبناء أمتنا وقدموا الغالي و النفيس دفاعا عن هذه الهوية، و صمدوا أمام محاولات متعددة للنيل منها، من قبل أعداء شرسين ( الاسبان ثم الأتراك ثم الفرنسيين)، جاؤوا إلينا يحملون مشاريع مشبوهة، سعوا من خلالها إلى طمس الهوية العربية الإسلامية، لكن محاولاتهم لم تنجح و تحطمت كلها على صخور شواطئ و جبال هذا البلد المتشبع حتى النخاع بحضارته و دينه، و المنفتح بطبعه على ما حوله من ثقافات وحضارات ليثري و يطور و يتجاوز، دون الذوبان في الآخر. لأجل ذلك كله، فأنا على يقين أن لا تؤثر فيه اليوم، معاول من ورق تلوح بها بعض الأيدي من الخارج و الداخل: كـناطـح صخـرة يـومـا ليـوهـنهـا فـلـم يـضرها و أوهى قرنـه الـوعـل. كما لا أعتقد أن الشعب التونسي الذي أشعل ثورة الكرامة و الحرية، التي نشأت و ترعرعت في أحضان بيئة تونسية، عربية، إسلامية، خالصة، و صارت في ظرف وجيز من الزمن، محطا للأنظار و مضربا للأمثال و قدوة لكل الشعوب المظلومة تحت سماء هذا الوطن الكبير، سيتسامح مع كل من يحاول المس من عروبته و إسلامه.، أو حتى محاولة التشكيك فيهما.



2011-06-17