ماذا يعني أن تكون إسلاميا اليوم ؟ (الجزء الأول 1/2) مهدي الشهبي



إن أهم ما دفعني إلى المضي في هذا ما يطال الوجود الإسلامي في تونس من خيبات و ما يعتريه من تراجع و أقصد من كل ذا ما نجم منه عن رؤى الإسلاميين أنفسهم و تصوراتهم و ممارساتهم أساسا و هو ما بلغ معه الحال أن صرنا نحذر أن يخر صرح المشروع الإسلامي على المنتسبين اليه بما كسبت أيديهم لا أيدي الناس...

ماذا يعني أن تكون إسلاميا اليوم ؟ (الجزء الأول 1/2) مهدي الشهبي إلى سيدي الفاروق رضي الله عنه لن أعود الى ما حبر من مقاربات حول “الإسلام السياسي” عامة و “الإسلامي” خاصة بالتحديد له و التدقيق سواء في ذلك ما صدر من داخل المنظومة الإسلامية ذاتها و ما صدر عن خارجها إذ أن ما يعنيني أساسا هو الإسهام المتواضع في معالجة إنحراف أكاد أجزم أنه من الخطر بمكان لأنه قد يطال البناء كله فينهار و يصيب المسار كله فيفشل و يخيب حينها المسعى ولات حين مناص ..

إن أهم ما دفعني إلى المضي في هذا ما يطال الوجود الإسلامي في تونس من خيبات و ما يعتريه من تراجع و أقصد من كل ذا ما نجم منه عن رؤى الإسلاميين أنفسهم و تصوراتهم و ممارساتهم أساسا و هو ما بلغ معه الحال أن صرنا نحذر أن يخر صرح المشروع الإسلامي على المنتسبين اليه بما كسبت أيديهم لا أيدي الناس الأمر الذي أفرز واقعا بائسا أو عمق من شدته و مرارته و هو ما شرع في إزالة بعض الهالة التي كانت تضفى على أصحاب الفكرة الإسلامية و الإعتقاد الجازم و اليقين التام في كونهم المهدي الذي سينتشل مجتمعاتنا من تخلف و فقر، ضعف و خصاصة و حرمان و قتامة …

بناء على ما سبق و تأسيسا عليه أحاول في ما يأتي من كلمات الاجابة عن السؤال-العنوان بأن أفصل القول في ثماني نقاط اساسية أعتبرها محددات لمن أتخذ من الطروحات الاسلامية مشروع حياة و هي سبع يتحدد بها إيجابا و واحدة تحدده سلبا فأما المحددات التي ينبغي للإسلامي ان يكونها فهي الصدق ، تعقل المرجعية و وعي الحاضر، التضحية و الاقدام و المبادرة ، الانحياز للمساكين و الفقراء و المستضعفين ، الصلاح و الإصلاح ، التعالي عن السفاسف و الإصداع بالحق و لو كان مرا أما ما لا ينبغي للإسلامي أن يكونه فهو الوقوف على الربوة و رمي المنديل تسليما و تخليا …

1/ الصدق

يتمحور محدد الصدق الذي يجب أن يتوفر في الاسلامي حول ثلاثية هي من الأهمية بمكان أو قل هي التي تحدد منسوب صدقه و من ثمة جدوى فعله و نجاعته . هذه الثلاثية هي الله ، ذات الاسلامي فالانسان عامة و ليس يخفى هنا ما للصدق من دور في كل بناء و في كل مسار فهو لحظة البداية أو هو أس كل درب للتغيير و الاصلاح ، دونه لن يقوم الصرح و سيخر-ان قام-و لو بعد حين .

إنه لكي تضمن تواصل المسار و دوام الاستمرار فأصدق إذ النتاج –و إن كان الطريق شائكا- ثمار يانعة و بناء شديد متماسك و الطلع نضيد ، ثم ان الصدق صفاء للسريرة و راحة بال و حياة للضمائر إذ هو يفترض العودة الدائمة أو الإياب إلى داخل الإنسان مراجعة و نقدا و تراجعا عن الخطإ و إعترافا به و إبداله بالسليم و الصحيح و القويم . هذا و إن الصدق أن تذوب ذاتك في ما تعتقد من فكرة و أن تمحي أناك لتنغمس فيمن حولك ومن معك لئلا تنظر من علياء مهما بلغ شأوك و مهما علا شأنك ، كما إن الصدق يوجب أن لا تتخلى عما تقتنع به و تتبناه و تتردد فالتراجع و التلكأ و التردد لا يعني الا أن الفكرة التي آمنت بها و تبنيتها كانت خاطئة أو أن من تمثلها قد جانب الصدق الى ما سواه و ما أدى الذي عليه كما ينبغي و تهاون ..

2/ تعقل المرجعية و وعي الحاضر

قد لا يختلف إثنان في أن المرجعية هي ما تعود اليها و تستأنس به و هي بالنسبة الى الإسلامي النص و الموروث و الاجتهاد و الأصل و المنبع الذي إليه تعود أو هو الحضارة الاسلامية في امتدادها و تنوعها و شمولها و خصوبتها و ما يعنيه ذلك من تراكم للأفكار و استلهام للخبرات و استفادة من التجارب و نظر في العبر، و في كلمة مرجعيتك هي أنت فان غيبتها أو غابت عنك كنت حينها كائنا لا محددا بلا هوية أو سرابا ..

يتعقل الاسلامي مرجعيته إذ يطلع على ما لايعذر إن جهله فيستوعبه حتى يكون دائم الحضور معك و تكون دائم التمثل له ثم ان تعقل المرجعية هو أن تتوطد ذاتك في هذا الفضاء الممتد و الفسيح الذي هو جذورك و روافدك و تلتحم به –الفضاء الممتد- و تصله بوعي للحاضر و أن تعيش اللحظة إنتباها لهذه الرمال المتحركة أو واقعك الذي تحياه و ما يشهده من تغيرات سريعة تفرض عليك أن تجتهد في الموائمة بينه و ما تبنيته من أصيل و تمثلته فلا يحسن بالاسلامي حين هذا المقام أن ينسى الحاصل بعد و ينكفئ على ماضيه ، هذا الذي فات و انقضى و ما ينبغي له أن يعشي أبصارنا و يحول دونها و وهج الآن و شدته كما لا ينبغي لهذا الأخير ان يأسرنا اليه –مهما كان خلابا- و يعمي بصائرنا عن تاريخ لا زال –رغم انقضائه- يوجهنا و يؤثر فينا بل يحدد مصائرنا و يرسم آفاقها و نهاياتها …

3_التضحية والاقدام و المبادرة

ماذا ترانا نعني بالتضحية و المبادرة و الاقدام ؟..

او هل يمكن أن يكون الاسلامي غير ذلك ؟

أي هل يكون متخاذلا و متراجعا خاملا أم على الضد منه يكون جسورا أبدا لا يتوانى و لا يركن عن الفعل الى ما عداه ؟ يبذل الاسلامي كل غال و نفيس من جهد و وقت و مال و لو على حساب راحته البدنية و النفسية و أهله و أسرته و عمله و كل ما هو مثصل به فلا هو بالمتواني أو الخانع أو الكسلان يفعل و يقدم و لا يفعل الا حسنا ، لا يعجز أو يتقاعس ، يصل نهاره بليله آناء الاول و أطراف من الاخر ..

ان النجاح -أي نجاح- لا يكون الا حين البذل و العطاء الدائم و المتواصل و ان حدث أن لامست الركود و نحوت صوب السهاد فتيقن أن الخيبة مال ما ما امنت به من فكرة و مشروع . و لكم أثار استغرابي و شد انتباهي سلوكات البعض ممن يخال أنه يسير على درب أصحاب الفكرة الاسلامية و لا يصدق فعله ما يعتقده فتراه لا يعمل على أن يكون هو الفكرة تسير بين الناس منهم و اليهم في الفضاءات العام منها و الخاص بسلم و سلام و طمأنينة و هدوء ثم لا يعمل على تحقق ما يراه من رؤى و تصورات واقعا ، متواكلا و مسندا ذلك الى غيره و هو يحسب حينها أنهم كافوه و الحال أن كلا مسؤول من موقعه هل ضحى ؟ هل قدم ؟ هل أقدم و بادر أم هل تراخى و اكتفى بأن ينخرط في الحشد/الجمع و استقال ؟ ..

4/ الانحياز للفقراء و المساكين و المستضعفين

انه لغريب أن يحتكر أصحاب الطروحات اليسارية الوقوف في صف المهمشين و المنسيين و المسقطين عن كل حساب أولئك الذين لا يقام لهم وزن –وهم الوزن كله- و أن يغيب عن الاسلاميين ذلك فيضمر هذا الجانب و يخفت و ينحى جانبا . و لكم يحز في النفس هذا و الحال أن مرجعيتنا –نحن الاسلاميين- تحتفي بالمستضعفين في الأرض و البؤساء أولئك الذين لا مأوى لهم ولا مشرب ، يبيتون ليالي الصقيع يلتحفون السماء و هؤلاء الذين لم يجدوا الى لقمة عيش كريم من سبيل ثم لا ننسى أولئك ااذين لا مسكن لائق يأويهم ، لا نور و لا ماء صالح يطفؤون به ظمأ فاقة تستبد بهم و تزيحم –حسب البعض- من مرتبة الانسان الى أخرى دون ذلك .

ان الذين تبنوا الطروحات الاسلامية هم صوت من لا صوت له أو هم لا يكونون ، صوت من تصرخ الانسانية و تئن ضمائر من كان حيا لحاجته و يسعى الصادقون لأجل خدمته و السهر على راحته و بلوغه الرفاه مادة و معنى .. و أن يكون قبلة لأولئك االذين ثبتوا و ما بدلوا على نهج أوله الفقراء و المعطلين عن الكرامة/الشغل أوله و الجهات المحرومة و المقصاة كله ، نهج على محكه يتكسر الزيف و الخديعة و عليه يتشظى المكر و الكذب و يتبين الصدق من ضده … مهدي الشهبي طالب/علم الاجتماع كلية العلوم الانسانية و الاجتماعية – تونس




2013-04-19