ماذا يعني أن تكون اسلاميا اليوم / الجزء الثاني [مهدي الشهبي/ طالب حركة اللقــاء]




هذا هو الجزء الثاني و الأخير من محاولة أبغي من خلالها أن أحدد ما على الإسلامي اليوم أن يكونه في إجابة عن سؤال أساس و هو ذاته عنوان المحاولة ماذا يعني أن تكون إسلاميا اليوم ؟ تعرضت في الجزء الاول إلى أربع محددات تحدد إسلامي الآن و هم تباعا : الصدق ، تعقل المرجعية و وعي الحاضر ، التضحية و الإقدام و المبادرة و ختمت بمحدد الإنحياز للمساكين و الفقراء و المستضعفين و أتعرض في ما يأتي لما تبقى من المحددات و هم أربع : الصلاح و الإصلاح ، التعالي عن السفاسف ، الإصداع بالحق و لو كان مرا و آخرا إجتناب الوقوف على الربوة ...

5/الصلاح و الإصلاح :

من البين الذي لا يخفى على أحد أن الصلاح يكون على مستوى داخلي أي على صعيد ذات الفرد و باطنه لوحده و في علاقته مع نفسه . هذا و إنه من الجلي أيضا أنه ليس يمكن الإكتفاء به و الإقتصار عليه و الوقوف عنده خلال "لحظات التاريخ الحواسم" و في كل حين إذ هو علاج فردي و منجاة للأنا لا تتعداها إلى غيرها و بذا يكون الصلاح الأساس المتين الذي يعقبه ما بعده : الإصلاح .. يتحقق الإصلاح على مستوى خارج ذات الفرد الضيقة فيكون على صعيد الجماعات و المحموعات من أسر و محتمعات و شعوب و أمم ، و من هنا نستشف شمولية المسار الإصلاحي و عمقه و تواسعه فنفاذه إلى جوهر كل ما يحيط بالفرد و كونه رسالة هذا الأخير إلى الآخر/الكل ، نحوه و معه .. إن الصلاح و الإصلاح في جدلية دائمة هي جدلية الواحد و الكل ، جدلية الفرد و المجموعة ، جدلية الأنا الذات المفردة و ما يلفها من ضيق و انحصار و الآخر الذوات الجمع و ما يحفها من امتداد و تواسع و انفتاح ، و من هنا التلازم بين حدي الجدلية إذ لما يغيب الصلاح الداخلي لن يكون الإصلاح و قديما قيل " فاقد الشيء لا يعطيه " و ذا يصح حول الشيء/المادة و هو أصح حين يشير ألى الشيء/القيمة و المعنى .. لحاقا بما سبق تتأكد ضرورة العمل على التماهي بين ما تدعو إليه غيرك و الحال التي أنت عليها أو ان تكون ما تدعو إليه غيرك ، و ليس يخفى هنا ما لتجسير الهوة بين ما عليه ذات الفرد الإسلامي و ما يطرحه من برامج و رؤى من أهمية على الفكرة الإسلامية لعل أقلها أن تحظى بمزيد قبول و تجد لها بين الناس و الجمهور العريض من المتلقين آذانا صاغية و قلوبا واعية فتبنيا و تمثلا و في الواقع تحققا و تجسما .. للإصلاح نهج و طريقة هي الرفق و اللين لا العسف و القهر و الجبر و الشدة حين يكون من طرف الافراد و الجماعات اما حين يكون من قبل الحكومات و الدول فيجب ان يكون حينها عبر مؤسسات و هياكل و آليات تكفل ذلك و إلا فسيكون مختلا معوجا لا يؤتي ما يرجى منه و يضيع الجهد سدى .. قرينة هي ثناية الصلاح و الغصلاح إذن –خاصة في مجتمعاتنا الحاضرة- بمن اتخذ من الفكرة الإسلامية و المعنى الإسلامي و الكلمة الإسلامية مشروع حياة ، و هنا لابد من التوكيد على هذا الإقتران و هذا التلازم و ضرورة ان لا تحصل الفجوة بين طرفي الثنائية لأنه حين يغيب الطرف الأول يفقد الطرف الثاني ما له من معنى و يضحى فعله حينها مجرد رسوم بالية لا روح لها و إذ يغيب الطرف الثاني تتكسر كل المحاولات الرامية إلى الصلاح و الإصلاح على صخور صد الآتي من بعيد و تسد حينها كل المنافذ إلى إمكان التغيير سلما و إختيارا ..

6/التعالي عن السفاسف :

أقصد بالسفاسف كل ما هان و ذل من الأمور ، ما لا شأن له ، ما لا يعني و ما لا يؤثر إيجابا أو يحول دون التأثير البالغ و الإشتغال بالسفاسف هو _في كلمة_ ترك الأمور الجسام العظام التي لها الدور كل الدور في أداء الفرد الرسالة من وجوده و ضياع الوقت من وجوده و يمضي الزمن المتاح في ما يسلب من الفرد طاقاته و إمكاناته و صرفها في غير "مصارفها" الحقة التي يمكن أن تعود عليه و الأمانة التي تحملها بالخير و الفلاح .. لسنا نجانب الصائب من الرأي إن قلنا أن السفاسف و الإشتغال بها هي العائق الأساسي و الحائل الرئيسي دون الذات الإسلامية _الشبابية خاصة_ و تحررها من أغلال تكبلها و تمنعها من الإياب إلى داخل الإنسان و باطنه اكتشافا لطاقاته و نزعا لإسار الخمول عنها نحو لحظة انبجاس القوى الكامنة فولوجها ساحات الفعل و الوعي و فضاءات التغيير توسلا للكلمة الطيبة و الفعل الحسن و العمل الصالح .. وصلا بما سبق يحسن التنبيه إلى أن الإشتغال بالسفاسف و الإلهاء عن المعالي استراتيجية يسلكها يعض الآخر إذ يستدرج "الطاقات الغافلة" إلى فخ رد الفعل ، و أي فعل ؟؟؟ إنه "الرد" عما لا يستحق أن يقام له وزن أصلا و ما هو جدير بأن نذره جانبا و نتركه ظهريا و لا يلتفت إليه منا أحدا ..

7/الإصداع بالحق و لو كان مرا :

أو ترى هذا يعني أن ما هو قائم الآن و هنا هو الضد من ذلك : سكوت عن الخطأ و كتمان له و أفضع من ذلك تبريره في تيه و إصرار ليس مثلهما شيئ ؟.. أم أن الأمر على العكس من ذلك ؟. ببعض الإطلاع البسيط على تراثنا الحي ينجلب انتباهك و ينشد وعيك و روعك إلى ما يتبوأه الإصداع بالحق من مكانة و ما له من زخم و ثقل على امتداد اللحظة الحضارية الإسلامية و ما يشمله ذلك من نصوص مؤسسة يلتحم فيها المكتوب بالشفهي و يتصل فيها المقدس بقول البشر و تلتقي فيها الدعوة بالمثال و النموذج بالعمل الحي .. لا يحسن إن أخطأ الأقربون غض الطرف عن معايبهم و زلاتهم و انحرافاتهم ، لا بل على الضد من ذلك يجب إعلاء الصوت رفضا لذلك و إعلانا لها مدوية في فضاءات الفعل الإنساني الذي يتراوح بطبعه بين الصواب و الغلط أن هذا سليم يجب ان يحث عليه و ان هذه سلوكات معوجة سقيمة غير سليمة لزام مغادرتها و الإقلاع عنها و إن كان من أتى هذه الأخيرة من ذوي قربانا دما و عضوية أو روحا و فكرية .. في الإصداع بالحق –ختما- و التحريض عليه و التشهير بالأعمال غير السوية و الممارسات الخاطئة إدامة للتمكن في الأرض و إنا لنلحظ حين التخلي عن ذلك و عدم الإكتراث و إلقاء البال لمن يلتزم طريق الكلمة الصادقة و المعنى الحسن النتاج و هو كما لا يخفى على أحد تداعي الكل من كل النواحي و الإتجاهات يسهام "التشليك" و "الإغراء ب .." .

8/اجتناب الوقوف على الربوة :

مهما اشتدت الخطوب و عسر المسير و حلكت اللحظة التي يحياها الإسلامي ، لا ينبغي لذا الأخير رمي المنديل و التسليم عجزا و تراجعا إذ لابد من الفعل دوما ، و إن حدث أن عاود الذات الإسلامية الحنين و هزها الشوق إلى الإخلاد إلى الأرض و ترك رسالة التغيير و الإصلاح ظهريا فالأجدر بها حينها عدم الإصغاء لذلك و الإستعاضة عنه ب"بديل الحياة" و "إكسيرها الخالد" : مركب الأمل و التفاؤل و اليقين الجازم أن الغد أفضل .. إذا لم يتحصن الكيان الإسلامي العامل بالأمل و التفاؤل فحتما ستواجهه الصعاب و تعترض سبيله الشدائد ، و يا لها من شدائد ؟.. ليجد نفسه مضطرا حينها إلى التخلي عن رسالته و واجبه فالركون إلى الغيبة عن التاريخ : تاريخ الفعل و السعي في طريق التغيير الواعي و الإصلاح .. من الوقوف على الربوة - و بالمثال يتضح المقال – الإكتفاء ببعض نقد لمن يخطأ و عدم تجاوز ذلك إلى ساحات الفعل الحر و الميادين الحقة للتعبير عن الرأي المخالف و الكلمة المغايرة و الموقف الرافض ، و لكم يقترب من الوهم أو يلامسه من يخال أنه مستقل و لا يرى لإستقلاليته المزعومة إلا سكنى الأبراج العاجية و المنابر العالية و الحال أن الإستقلالية الفكرية و التنظيمية ليست تعني بأي حال من الأحوال الوقوف على الربوة سواء في ذلك المستقل أو المستقيل و من اطمأن لسكون ال"نعم" مستجيرا بها عن عاصفة ال"لا" التي لا تهدأ ، لا تسكن و لا تتغاضى عن كل أمر ذي عوج ..

ختاما :

و بعد ، تلك كلمات كل ما أترجاه أن تؤدي ما أردته منها و إن كنت قاربت المثال من خلالها و النموذج أو ما يجب أن يكون فلا ضير في ذلك إذ حسب الإنسان أنه يتراوح ما بين المثال و ما هو عليه ، و في ذلك بعض معنى الإنساني في الإنسان : سعي شطر الأمل و أن يكون خيرا مما هو ...



2013-06-09