قصة قصيرة : شهادة بوك وأمك...ومستقبل للبيع/ د.خالد الطراولي


افترش الأرض، أخرج من جعابه مجموعة من الأوراق وضعها على الرصيف، تبعثر بعضها، لم يجرؤ على لمسها ثانية... نظر إليها نظرة حزينة، ثم تنهد... زفرة طويلة عبرت به الحاضر والمستقبل، سرح به خياله وصال به في أروقة طويلة ليحط بعيدا بعيدا في تاريخ قريب، في أمس جميل، بين أهله وذويه، في أيام بيض... سماء صيف زرقاء، وشمس في كبد السماء تزيد المنظر إشراقا وأملا..زغاريد نسوة تتقاذفها نسمات عابرة تدغدغ التفاءل وتفتح الأفق...
نجح أحمد... تحصل على الشهادة... نال الباكالوريا... نال الأستاذية... نال الدكتوراه ! فتحت أبواب الجنة الثمان، وهرول مالك إلى جحيمه دون استئذان، آمال الرزق والراحة و أحلام العيش الرغيد تغطي الصورة وتغالب مشهد الهوان ... توالت الشهادات وتوالت معها الزغاريد... كل شهادة ترسم ابتسامة على وجه أب معاق، وتثير دعوة أم حنون نالتها الأيام القاسية، فأحدثت تضاريس على وجه شاحب وأياد ترتعش...حتى جاء الدكتور أحمد على جواد وطني أصيل !
أفاق أحمد من معراجه، كان حلما في عين النهار، أكمل طرح ما بقي من أوراقه على الرصيف... هذه شهادة "السيزيام"... بجانبها ورقة أكبر مزركشة جميلة إنها شهادة "الباكالوريا" ترافقها شهادة تبدو أقل سفرا في الزمان، إنها "الأستاذية"... في الوسط تعلو بعض الشيء ورقة جميلة كأنها مطبوعة إشهار... تتحلق حولها كل الشهائد وكأنها "تعطيها كار السلطنة" إنها "الدكتوراه" !
استيقظ أحمد من حلمه البعيد ليجد واقعا مبعثرا ورصيفا منحدرا... ليعلم أنه يملك قصورا من رمال وكنزا من عدم... شهائد من ورق ضعيف أو مُقوّى، لا تنبت حبا ولا تسكن ألما ولا تطعم جائعا ولا تروي عطشانا... كانت أسفارا ملقاة على ظهر حمار يتوغل تائها في الصحراء...
وضع الدكتور أحمد شهائده على الطريق وعرض مستقبله للبيع...اختار أحمد وسط المدينة حيث يكتظ المكان بالمارة، وجعل مسنده تمثالا قائما في وسطها يستظل به...كان تمثالا عظيما للسلطان وهو يعتلي صهوة جواد، يد يشير بها بعلامة النصر وأخرى تحمل كتابا مفتوحا، رموز القوة والعلم والقيادة الرشيدة اجتمعت في رجل...وجواد ...
ولّى أحمد ظهره للتمثال، وابتسم... تذكر تلك الخطب والبيانات والوعود عن أيام وردية ومستقبل واعد، قابلتها قي حينها معاكسات وكلام كثير لم يفقه أحمد حينذاك واقعيته "تقرا ما تقراش مستقبل ما ثماش"... زادت ابتسامة أحمد ورافقها تكدرا وألما...
دفن أحمد وجهه بين يديه وأغمض عينيه... وفجأة أحس بوقع شيء غليظ ينهال على قفاه أفقده توازنه وكاد يغمى عليه، رفع رأسه بصعوبة ليرى سيارة كتب عليها "الشرطة في خدمة الشعب" ! ويدا ضخمة تمسك بطرف هراوة، ينطلق من ورائها صوت جهوري مفزع... " يابن ال... بعدما علّمناك وربّيناك وأعطيناك شهادات، أصبحت تبيعها على الملأ دون علمنا... حتى لا نشاركك ربحها.. ! شهادة بوك وأمك ...." 

 

2007-06-21