قصة قصيرة : ولي من أوليــاء الله الصالحين !/د.خالد الطراولي


" ...إن العالم يتحرك ويجب اللحاق به... لن نركب صهوة جواد ولا ناقة ولكن صهوة حاسوب، فهو نجاتنا وهو غياثنا، به نحيا وعليه نموت، يجب الحرص عليه وحراسته من كل زيغ وانحراف..لا تتركوه في أيدي لا تعرفونها ولا لأرجل لا تستطيعون اللحاق بها.... حذار حذار فهي أمانة..."
 كانت كلمات موظف الوزارة جهورية رنانة مخيفة وهي تتسلل بين مجموعة مديري المدارس الذين حظروا هذا التجمع، لقد قررت الوزارة مشكورة إهداء كل مدرسة حاسوبا حتى يتعلم التلاميذ ويكتشفون العالم من حولهم...
" سي الهادي " مدير مهموم يحب مدرسته ويتفانى في خدمتها لكنه يحب وزارته ويبالغ في الانصياع لأوامرها، فهم صاحبنا عظم المسؤولية وضخامة التحدي الملقى عليه وظلت كلمات موظف الوزارة تنطق داخله وتخيم على بنات أفكاره،... " حافظوا على الحاسوب.. لا تتركوه في أياد ضالة مضلة..." أخذ سي الهادي الحاسوب وتسلل به ليلا بعيدا عن أهل السوء ومن يريد بالحاسوب شرا ووضعه على مكتبه وتحت عينيه بعيدا عن العيون، شعاره في ذلك "الماء اللي ماشي للسدرة الزيتونة أولى به"
لم ير التلاميذ حاسوبا، غير أن إشاعة بدأت تدب في أنحاء المدرسة بعد أن قلّ ظهور السيد المدير وكثرت غيبته في مكتبه..." السيد المدير اعتكف وأصبح من الزاهدين" ! وتغيرت نظرة التلاميذ لمديرهم وأصبحوا ينظرون إليه نظرة المريدين لشيخهم... وهم ينتظرون كل يوم خروجه من كهفه ! حتى عمّ الخبر أرجاء القرية أن السيد المدير وليّ من أولياء الله الصالحين... وأن كراماته ملأت السهول والوديان، وأن يده تجمّد الماء...
لقد  أصبح "سي الهادي" يتحدث بكلام غامض لا يفهمه القاصرون، أغلبه همهمة وآهات... يتحدث عن حرية وحقوق إنسان، ومحسوبية وفساد وعدل وإنصاف. وعمت الفرحة أرجاء البلد وسعدت القرية بوليّها، وتسابق الناس نحو المدرسة مصطفين أمامها يحملون بيضا ودجاجا هدية لسيدي الشيخ وطلبا لبركة من بركاته !
وفي صباح يوم ممطر مظلم من أيام الشتاء القاسية لهذه القرية النائية، وقفت سيارة غريبة أمام المدرسة، خرج منها غرباء، توجهوا سريعا إلى مكتب المدير، وبعد برهة خرج الجميع وفي رفقتهم "سي الهادي"... مصحوبا بالحاسوب... وغادرت السيارة القرية مسرعة وهي تحمل راكبها الجديد  تاركة ورائها شعاعا من الشمس بدأ يطل من وراء السحاب، ودفئا حريريا بدأ يغزو الآفاق !

 

2007-06-21