قصة قصيرة : الخطيئــــة/ د.خالد الطراولي

 سمعَت نداءه من وراء الباب، أسرعت لتوها تفتحه، كان يصيح صاخبا بكلمات لم تفقه معانيها... كانت سلسلة من الجمل المقطوعة والحروف المتقاربة، والتي زادها البعد غموضا... ضوضاء وصخب عارم يتحرك ويقترب نحو الباب !.. بيد مرتعشة ووجه شاحب أصفر، جذبت سارة الباب نحوها لترى "سي الفاضل" زوجها يتخطى الدرج دون إلقاء السلام..، نظرة زاجرة فقط لوّحها إليها ! وبمرفق غليظ أبعدها عن طريقه، وواصل غليانه وثورته... أسرعت سارّة وراءه ولم تعبأ بغلظته نحوها..، ظنت أن مصيبة كبيرة حلت بالأسرة ! وأخذت شفتاها ترتعشان وهي تردد دون أن تشعر : "الساتر يا رب.. !"
 استلقى "سي الفاضل" على الأريكة ونظر إلى زوجته وإصبع اتهام يتحول عن اليمين والشمال.. : " أين رحمة؟، أين هي؟ هل خرجت؟ هل مازالت لم ترجع؟... تحركي وابحثي لي عن ابنتك في الحال !..." لم تفهم سارة ماذا وقع : " ان شاء الله خير يا "سي الفاضل"، "رحمة" في الحمام المنزلي ولن تتأخر... لكن ماذا حدث؟ بالله ماذا حدث؟ إني أكاد أجن..." ـ "ماذا حدث، ماذا حدث..، مصيبة يا سارة، مصيبة... من كان يعتقد أن عائلة "سي الفاضل" العريقة سوف ترى هذه الفضيحة داخلها؟... لم يفعلها أحد في العائلة، لم يتجرأ أحد على ذلك في الحي، إلا ابنتك، تجاوزت كل الأسرة ولم ترحم ضعفنا وكبرنا، ومرغت أنوفنا في الوحل... آه لو كنت أعلم ذلك لسميتها نقمة وليس رحمة، ولكن... أين هي الآن؟... هل أكملت حمامها أم لا ؟"
 اقتربت سارة من زوجها، وأرادت تهدئته ومعرفة السبب !، فثورة "سي الفاضل" لها بداية لكن لا يبدو أنها لها نهاية ! وهي خائفة على ابنتها وتتمنى أن لا تخرج "رحمة" من الحمام حتى تعرف هذا السر الذي جعل زوجها تنتابه هذه الهستيريا..، كانت خائفة من أن يفعل "سي الفاضل" ما لا يحمد عقباه ! وضعت يدها على كتفه وقالت له برأفة وحنان :" حافظ على صحتك يا "سي الفاضل" ليس عندنا غيرك وكل شيء سيُحَل... بالله عليك اهدأ وأعلمني بما حدث فلعلي أعينك، ورأيان خير من رأي" لم يفهم "سي الفاضل" أو لم يسمع حديث زوجته بل ازداد حنقا وغضبا، وقام من أريكته وواصل صياحه... ـ "هل يعقل هذا !!! أنا الفاضل الذي تربيت في بيت العز والفضيلة، ولم يسمع أحد عنا صغيرة و لا كبيرة، وكل أهل الحي يسبقونني بالسلام والتحية.. حتى تراني اليوم محل السخرية والاستغراب والغمز واللمز !... كل بنات الحي لم أر واحدة سقطت سقطتها وتجرأت وفعلت فعلتها... " منذ كم شهر وقع هذا؟..، شهرين..، ثلاثة؟.. أجيبيني، أجيبيني... لعل الأمر مازال قريبا فنستطيع معالجته وننهي هذه الفضيحة... وأنا لم أرها منذ مدة خارج البيت، ولولا صديقي "عمر" الذي أسرّ لي بهذه المصيبة لم أكن لأعلمه... الماء يجري من تحت أرجلنا يا سارة ونحن لم نر شيئا.. أو لعلك كنت تعلمين ذلك وأخفيتماه علي !... والله الذي لا إله غيره لو كنت معها في هذه الخطيئة لن تبق معي ساعة من نهار !!!."
 خافت سارة وشعرت لأول مرة في حياتها بأن هذا الرجل الذي ملأ عليها بيتها وحياتها وأحبته منذ أن عرفته في أحد الأعراس، منذ عشرين سنة، يمكن أن تفقده ! فالأمر أكثر مما توقعت، ومصيرها ومصير بيتها أصبحا على كف عفريت... ولأول مرة ترفع رأسها وتحدق في زوجها وهي تقول : "بالله عليك يا "سي الفاضل"، قرابة الساعة وأنت تصيح وتصرخ وتعربد وأنا لم أفهم شيئا، وأصبحت تهدد حياتنا وأنت لم تقل شيئا، فسوف أخرج وأتركك حتى تهدأ..." والتفت إليها "سي الفاضل" بانزعاج واستنكار : "إلى أين؟.. لعلك سوف تفعلين ما فعلته ابنتك !.. كيف يعقل هذا في بيتي وفي أهلي؟..."
 أحس "سي الفاضل" بأنه لعله تجاوز حده وحاول أن يهدأ : " يا سارة بالله عليك، ماذا ينقصها ابنتك؟... الدراسة وعلمناها !... الأكل وأشبعناها !... السفر ومتعناها، كل سنة نقضيه خارج البلاد أو في الجنوب !... لم أحرمها يوما من الخروج، ولم أسألها يوما مع من تخرج !... أعطيت لها كل حريتها !... فما الذي جعلها تقرر أن تخرج عن طاعتنا !... لماذا تريد هلاكنا !...، لماذا؟.. لماذا؟... أنا أعرف السبب...، إنها هذه الفضائيات وهذه التلفزة التي لا تكاد تغادرها، كلما تلمستها وجدتها قابعة أمامها..، هذه هي السبب... لقد أفسدت عقول شبابنا وجعلتهم ينحرفون ويسقطون...لو كنت أعلم ذلك لما اشتريت هذا الطبق ولما اشتريت حتى التلفزيون، لقد أصبح نقمة علينا وعلى أبنائنا وبناتنا !..."
 لم تجبه سارة وقد قررت مغادرة الغرفة والبقاء بجانب الحمام حماية لابنتها ولأسرتها، وأحس "سي الفاضل" بثورته وغليانه وأراد استعطاف زوجته : " يا سارة بالله عليك لماذا أنت لم تفعلينه؟، لماذا جدتها لم تفعله؟، لماذا هي فقط التي قررت لوحدها دون استشارة أحد أن..." وسكت "سي الفاضل" وكأنه تحاشى الكلمة أو استحى أو خاف، لكنه واصل ولكن بصوت أخفت وكأنه لا يريد إسماع أحدا غير زوجته... : " كيف لها أن تقرر و تضع على رأسها هذه القطعة من القماش وتلبس الحجاب؟ لماذا لماذا؟.. هل تريد نهايتنا هل تريد موتنا؟.. أجيبيني... لماذا أنت واجمة؟.. لماذا سكتت؟..، أجيبيني، أجيبيني !...


2007-06-21