قصـة قصيرة : الفجــر المغتصب / د.خالد الطراولي


 قامت لتوّها تجري، سمعت الحنفية يسيل ماءها رقراقا...عرفت أن أباها كعادته يتوضأ للخروج لصلاة الفجر... كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحا إلا قليلا، أدركته قبل أن يتخطى عتبة الدار، لتقبله كعادتها، كانت تلك بركة الصباح التي لا تبيعها " بمال الدنيا" كما تقول !
عمّ الشاذلي بلغ السبعين من عمره، نظر إليها برأفة غير عادية وواصل فتح الباب وخرج... أحسّت عائشة نظرة أبيها تعبر أعماقها، لم تفهمها، فلعله قلة النوم أو تعب عارض، لكن إحساسا غريبا ألمّ بها، وجعلها تسرع دون أن تشعر إلى الباب... وفتحته... أطلت برأسها، واصطحبت أباها في ممشاه، بعينين، تملأهما الحيرة والعطف، حتى اختفى طيفه في ظلمة الزقاق الطويل...
لم يلتفت عم الشاذلي للباب وهو يُفتح من وراءه على غير عادته..، لعله لم يسمع أزيزه، وقد قيل له دائما أن سمعه ثقيل، وهو يرفض ذلك ويجيبهم أنه يسمع طنين الذباب، الذي كثيرا ما يعكر عليه صفو قيلولته ! أو لعله لم يرد الالتفات لغاية أخرى.
 منذ أربعين سنة لم يتخلف عم الشاذلي عن صلاة الفجر إلا مرتين كما يقول : مرة "عملتها فيه المنقالة ! مناقل توا كيما ولاد توّا، تحسبهم يمشيوا وهوما يعكزوا"، ومرة نسي الإمام مفتاح المسجد، فصلى بعضهم في العراء، وفضل البعض الآخر العودة إلى منزله.... ونسي عم الشاذلي أو تناسى مرة ثالثة... غير بعيدة، كانت منذ عامين، حين وجد المسجد مقفولا، لا إمام ولا مصلين، غير بعض أعوان البوليس و سيارة للشرطة رابضة أمام الباب، يلوح من نوافذها بعض الوجوه التي يعرفها عم الشاذلي منذ مدة قليلة، كان أنور وعماد ومحمد ثلاثة من الشباب الصغار الذين تعودوا على صلاة الفجر في المسجد حديثا !
دخل عم الشاذلي المسجد، وتوجه إلى الصف الأول كعادته ليصلي ركعتين، ثم جلس ينتظر الآذان... نظر حوله، نفس الوجوه المعتادة ونفس العدد، كان هو السابع في الوصول، ولم ير صديقه عم حسن، فرح عم الشاذلي، فقد كان الأسبق هذه المرة، واعترته نشوة صغيرة هزت سنوات التعب المحمول على الأكتاف والظاهر على قسمات الوجه ! ودخل عم حسن وألقى السلام، والتفت إليه عم الشاذلي ورد عليه السلام بصوت أعلى، وكأنه إعلان غير مباشر بالفوز، في هذا السباق المتواصل وغير المعلَن !
كانت لحظة سعادة، وما أقلها في حياة عم الشاذلي...زوجته فطومة قد غادرته منذ ثلاث سنوات كمدا وحسرة على ابنهما الوحيد بشير، الذي لم تفرح برؤيته منذ سنين، و لم تحفل برؤيته عريسا ولا أبا لأحفاد كثيرين.. وماتت ولم يمش حتى في جنازتها ! فقد منعته سلطات السجن من الخروج، ولو في يوم مثل هذا، وبقي في مأواه العارض وحيدا، يشكو ظلم العباد ! وانتقلت هي إلى مأواها الأخير وحيدة، تشكو فقدان الرحمة في القلوب !
 بشير لم يره عم الشاذلي منذ عقد من الزمن، فقد أمسك به البوليس لأنه ينتمي إلى مجموعة محظورة تريد تخريب البلاد كما يقولون ! لم يصدقهم عم الشاذلي أبدا، فهو يعرف ابنه جيدا، فهو صنيعة يده، ولم يعرف غير المسجد مربيا ومعلما، وغير مرتاديه أصحابا ورفاقا. كان أصحاب الحي يلقبون بشير بالمتدين، ودار عم الشاذلي بدار البشير المتدين ! وكان هذا يعجب عم الشاذلي ويروق له سماعه.
 أذّن الفجر وقامت الصلاة، واصطف الجميع وراء الإمام، أحس عم الشاذلي ببعض الإعياء، لم يفهم مصدره، رفع يديه وكبر ودخل في الصلاة... وعلى غير عادته أطال الإمام... ثم ركع، وركع الجميع.. ثم استوى واقفا مناديا "سمع الله لمن حمده"، وردد الجميع : ربنا ولك الحمد، وقال عم الشاذلي : ربنا ولك الحمد... وسقط على الحصير" وتوقفت الصلاة، وتوقف قلب عم الشاذلي.. ولم يتوقف الفجر عن الانسياب !


2007-06-21