أغرب من الخيــال.. قصص عرّت الوطن !/ د.خالد الطراولي


طرح أحدهم مستقبله للبيع، افترش الأرض ذات يوم في سوق القرية وعرض شهائده على الرصيف للبيع، عسى أن يجد لقمة يقتاتها (1)... قلنا وصلنا إلى الحضيض، وليس وراءه إلاّ القاع... تباع الأحلام والآمال على قارعة الطريق ويسقط الوطن جريحا بعد أن طُعن من الخلف، وتسقط معه مواطنة مغشوشة ومواطن ضلّ حياته يبحث عن وطن.
ويأخذ آخر أبنائه وبناته إلى السوق، ليس لمساعدته على قضاء حوائجهم وحمل ما يشترى.. ليس للاستئناس بهم من ضوضاء السوق..، ليس لإعانته على مواجهة استنفار الباعة والعارضين...، ولكن... حمل صاحبنا أهله لبيعهم على قارعة الطريق لأنه عجز أن يطعمهم ويأويهم، فقد سدّت الأبواب وضرب الاستبداد على كل ناحية وطرف بمسامير حادة غليظة ليمنع الخير أن يلج بعض البيوت، ويعاقب أهله لأنهم تجرأوا يوما على مخالفة السلطان !(2)
غير أن الوطن المنكوب وهو يحتضر لم يرد أن يتركنا مشدوهين ونحن لم نغادر وجومنا حتى رمى في وجوهنا بكل قسوة بقصة أغرب من الخيال، حالة لن يستطيع أكثر الناس تخيلا وإبداعا أن يجمع أطرافها أو أن يتجرأ على نسجها... 
أب كريم ككل الآباء يعيش في منزله بين أهله وأطفاله ولا يستطيع لمسهم أو احتضانهم أو المسح على رؤوسهم أو أن يسمع منهم كلمة أبي (3)... بنت وولد يعيشان بالقرب من أبيهما في نفس البيت تفصلهم حديقة المنزل ولا يستطيعان رؤيته أو مناداته وهو على بضع أمتار من عيونهما وأفواههما... يعيشان مع أبيهما ولا يُسمَح لهما بقول أبي !!!  تلك القصة الغريبة التي تجعل التاريخ والحاضر يجثيان على الركب يبحثان عن رفيق في هذا الزمن الرديء وفي ظل وطن مغيّب وعالم أعمى وأصمّ.
 ذنب الأب أنه عاند السلطان يوما ورفض الذل والهوان، أراد أن يعبّر عن رأي مخالف، أن يتبنى طرحا وتصورا آخر لبلاده، أراد أن يعيش أشواق الحرية والتعدد والديمقراطية في ظل عمل سلمي تحمله حركة سياسية إصلاحية معارضة. لكن الاستبداد رفض ذلك وأراد الاستفراد بالوطن واحتكار خيراته وسعى إلى استئصال كل من يريد عناده ومواجهة استخفافه وعنجهيته... وقامت الحملة وأُدخل الآلاف السجون وأُفرغت البلاد من كل داعية خير ومخالف... 
فرّ هذا الأب المسكين واختفى في حديقة منزله في غرفة صغيرة مرمية في أطراف الحديقة يظنها المارّ أنها كهف للزبالة ! وغاب عن الأنظار... وجاء البوليس السياسي مرات ومرات وأفزع الأهل والعشيرة وقلب البيت وأثاثه على أهله بحثا عن الرجل ولم يجده، والرجل على بعد أمتار...
 دامت الحالة عشر سنوات، عشرة سنوات كاملة ذات فصل واحد بلا ربيع ولا شموس... الوالد لا يخرج من الكهف، ينظر إلى ابنته وابنه من ثقب البيت وهما يلعبان أما ناظريه ولا يستطيع لمسهما أو تقبيلهما أو ظمهما... عذاب أقوى من السيف، ومرارة أشد من الحنظل ! كان الخوف، كل الخوف أن يعرف الأطفال أباهم فيسقطون في أول استجواب عند قوى الشر التي لم تتركهم لحالهم... عشر سنوات والزوجة الطيبة تزعم لأبنائها أن الوالد في المهجر وهو يبعث لهم كل مرة برسالة... وتمر السنين وتسأل البنت عن أبيها... تسأل العالم أين أبي أين أبي؟؟؟،
 وتقرر الأم ذات يوم عابس البوح بسرها لابنتها... بعد عشر سنوات... وتربيها على كتمانه... وظلت البنت تحتفظ بالسر مدة ستة سنوات أخرى... قالت أين أبي "قالوا لها بأوروبا الغربية، وقد بعث لها بهدية وردية، لتكتشف بعد سنين الطفولة أن أوروبا الغربية لم تكن غير حديقة البيت الشرقية !
 لم أستطع لجم قلمي ومنعه أن لا يتحدث عن هذه المآسي التي تشهدها أوطاننا وهي أقرب إلى الخيال، تعجز حتى هوليود وأعظم السيناريوهات أن يأتوا بمثلها، وهي صيحة فزع ضد الاستبداد، واستجابة على حياء لوخز الضمير حول فضح وتعرية ما يمكن أن تصل إليه بعض النظم من عنجهية و ترويع لساكن الوطن، لجار أراد أن يحاذي كوخه قصر السلطان...
 كيف يمكن للطفولة، للبراءة أن تكون رهينة وأن تذوق المرارة والعذاب دون أن تكون لها في دم يوسف ساق أو جمل؟... ذنبها الوحيد الذي لا يُغتفر، أنها وُلدت لأسرة أرادت أن تشارك في حمل هموم الوطن !
 هذه قصص عابرة في لحظات غير عابرة، قصص منغصة وفاضحة لا تدع النوم يغالب الأجفان، هذه قصص لن تحملها ألف ليلة وليلة، لن ترويها شهرزاد، ويعجز أن يسمعها أمير ذلك الزمان، ولكنها وقائع حية وُلدت ميّتة،  في هذا الزمان الرديء ! قصص تغشاها ألف ظلمة وظلمة في حضرة الدرة والصولجان، عبرت الزمان والمكان وخرجت إلى السطح، ولا نخالها يتيمة في هذا البحر اللجّي من الظلمات... فما بالك بالقصص التي لفّها الخوف أو الموت، وعجزت عن البروز، ولا نتصورها قليلة في هذه الظلمات التي ولجتها أوطاننا وغاب فيها الإنسان وتنحّت إنسانيته، ليمتطي صهوة الفزع والترويع والتشريد، ويكون وحشا يقتات من لحم أخيه وأهل أخيه دون خوف أو مين أو حياء.
 (1) القصة الحقيقية لسجين سياسي تونسي
(2) القصة الحقيقية لأسرة السجين السياسي صلاح الدين العلوي
(3) القصة الحقيقية لأسرة السجين السياسي حاتم زروق

2007-06-21