رسالة محبة ومطلب حرج من الأخ المكي/ د.خالد الطراولي


أخي الفاضل تحية طيبة وسلام من الله ورحمة وبعد،
 أستسمحك بعض اللحظات حتى أبثك بعض المشاعر التي جاشت في صدري وبعض االخواطر التي تسللت من بنات أفكاري، وكلي استحياء أمام حالتك ، وإني لأثني الركب احتراما لك ولتضحياتك، وإني لكثير الإحراج لمحادثتك..

 أخي العزيز
رغم أني لم أسعد بلقاءك، ولم أتشرف بحديثك، ولكن الزمن أراد أن أعرفك من بعيد، وأن أتابع حالك وأنا من وراء الحدود، تفصلنا البحار والأخاديد ولكن القلوب لم تنفصل...
لقد قرأت البارحة التطور المفاجئ والخطير لحالتك، وأنك أصبحت تطرق أبواب المغادرة والانطفاء، حتى أن أصحاب المستشفى الذي حُملتَ إليه أرادوا منك عدم تحميلهم مسؤولية ما يمكن أن تصل إليه حالك لا قدر الله...

 أخي الكريم
لا يمكن لأحد سمع بقصتك إلا أن ينحني طائعا غير مكره لمثل هذه المواقف، التي تؤكد أن الليل وإن كثر سواده، فإن النجوم باقية ببقائه، تشق ظلامه وتنير السبيل لمن شقّ طريقه... إن الكواكب السيارة وهي في فلكها سائرة تمخر عباب السماوات وأقطارها، تضئ بأطرافها المشتعلة إطارا هائلا تتبعه الكثير من الحواشي والقطع الصغيرة التي غالبا ما تمتلأ ضياء ونشوة وتدخل في هذه المجموعة الحالمة والثائرة...
 أخي العزيز
إني أشعر بالمرارة التي تحسها وأنت لا تبغي لا مركزا ولا مرتبة، لا تريد أن تكون بطلا أو أسطورة، كل ما أردتَه بكل تواضع، هو حقك في التعلم والدراسة، حقك في أن تفتح كتاب العلم برفق وحياء حتى لا تزعج الآخرين، أردت أن تساهم في تمريض الناس وشفاء النفوس والأجساد في هذا الزمن الذي كثر فيه المرضى والمتطببون وعلا فيه شأن الشعوذة والمتزلفون، وغابت في الثنايا وتحت الأنقاض الأيادي الشريفة وهي تحمل عقاقير النجاة وأكسير الحياة لشعوبها وأوطانها.
 أخي الفاضل
ليس لي غير الاستحياء و الاحترام لمواقفك.... غير أني ومن هذا الموقع وبعيدا عن آلامك وآهاتك وأنت ترى ظلم العباد، إلا أن أطلب منك وبكل رفق وبكل لطف وعلى استحياء أن تكف عن إضرابك لبعض الوقت، فقد هزل جسدك وقد فقدت أكثر من 20 كيلو، وتدهورت صحتك وأصبحت على أبواب أخطار لا يعلمها إلا الله، وإني أرى أنه قد طالت المدة ولا مجيب ولكن رسالتك قد وصلت وعبرت الأرض والسماء وتخطت الحواجز والعراقيل وأصبح يعلم بها القريب والبعيد، وقد كشفت بها عن الظلم الذي حل بك وبأمثالك، وهذه محطة في النضال والوعي لا يخفى تأثيرها وسوف تؤت حصادها بإذن ربها ولو بعد حين، وإن الصبح لقريب...
 أخي العزيز
لن أذكرك وما أظنك ناسيا، بحق نفسك عليك، وتونس تود أن تبق ويبق أمثالك لها ذخرا، فالومضات في بلدي قليلة والشعلة إذا قلّ حاملوها سقطت وانطفأ ضياءها ودخل الحامل والمحمول في ظلمة وظلمات لا يعلم نهايتها إلا الله..،
 إني لا أود أن أذكرك بحق كل تونسي عليك وأنت التونسي الوطني بامتياز، غير أن نفسك ليست ملكا لك وحدك وإن كانت بين جنبيك، فأنت قد أحببت تونس وأحببت أهلها ونلت الأمرين وسنين السجن والمعاناة من أجلهم حسب رؤيتك لإسعادهم، وهم اليوم لن يسمحوا لك بالتضحية بمن يملكون جزء منه، و لا يمكن أن تنساهم وقد وهبتهم نفسك ومستقبلك وأسرتك وضحيت بكل نفيس من أجل رفاههم، وصدقني فإنهم لم ينسوك إن كنت ظننت نسيانهم... واعلم أن هذا الشعب الأبي حتى وإن همس البعض بضعفه وانهياره ووقوفه مع الغالب، يبقى وطنا عزيزا أنجب الصالحين والمصلحين ولم تنعدم من أرضه الأصوات المدوية والأصابع المتهمة والأجساد الصامدة، ولم يجف ثراه من دماء طاهرة ودموع صابرة !

 أخي الكريم
إني لا أود أن أذكرك بحق هذه الأسرة الطيبة التي تعاني معك أطراف الليل والنهار، إني أعلم حبك لهم وقد مُنعتَ ظلما وعدوانا من معايشة نموهم ورؤية دلالهم، حُرمت من كلمات بريئة وطاهرة وملائكية : بابا جا، بابا خرج، بابا نحبك..، حُرمتَ من هذا 10سنوات وحُرموا منها أكثر من عشر سنوات ! فزمانهم غير زماننا وتعدادهم غير تعدادنا..، أود أن أقول لك لا تحرمهم فراقا أبديا، لا تحرمهم عناقا طالما حُرموه، لا تحرمهم ضمة صدر وغمضة عين بين أحضانك وعلى ركبتيك..، لا تحرمهم حبك !
 أخي الفاضل
لا تنس حق تلك الزوجة الطيبة التي نالها من العذاب الأدنى والأعلى ما نال، وبقيت صامدة وهي تشد على عضدك البارحة وأنت وراء القضبان، واليوم وراء الجدران، وإني لأطأطأ الرأس إجلالا واعتبارا وتقديرا لهاته النسوة اللآتي جئن على استحياء، ورفعن سقوف الجرأة والتحدي والوقوف والصمود عاليا عاليا، حتى أصبحنا نرى عائشة وخديجة وزينب من جديد وقد ظننا أننا قد واريناهن التراب جسدا وفكرا وممارسة !
 أخي العزيز
عذرا على الإطالة، وأنت على فراشك تغفو لحظة وتفيق أخرى وأنا في مكتبي ومن وراء شاشتي، عذرا لهذه المفارقة التي لم نردها وأرادها غيرنا ! أرجو منك بكل إلحاح وبكل لطف أن توقف هذا الإضراب لمدة وجيزة تستعيد فيها قوتك وتترك الزمن للزمن ثم تعيد إضرابك وتجعله دوريا منغصا مزعجا حتى يفرج الله الكروب، "وتلك الأيام نداولها بين الناس"... "حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب".
 أخي الكريم
كنت أود أن تصلك هذه الرسالة بعيدا عن المنابر وتكون لك وحدك، فتكون خالصة لله وحده، نبغي بها وجهه أولا ثم عدم إحراجك وأنت على سريرك تقاسي وتعاني لوحدك، لكن ما في اليد الحيلة وكان لابد من نشرها على هذا المنبر الطيب لعلها تصلك وتقرأها عن قرب والله على ما نقول شهيد.
والسلام، أخوك خالد الطراولي
 * هذه الرسالة موجهة إلى الأخ المكي لما وصلت إليه حاله ولا تعني أبدا نسيان أخينا الفاضل جلال عياد عجل الله فرجه ولا تهون من شأنه ولا تلغي صبره ومعاناته، غير أن الحالة العصيبة والخطيرة التي يمر بها الأخ المكي جعلتني أوجهها إليه استعجالا.

باريس 30 مارس 2004

2007-06-22