رحــم الله عم محمـــود

 


رسالة إلى مواطن عادي جدا جدا


بلغني نعيه هذه الليلة، رن جرس الهاتف المنزلي، كان في الجهة المقابلة صوت يغلب عليه التأثر والبكاء... أحرف تتجمع بقسوة وراء ستار من حياء ورضاء، عم محمود مات !!! لحظات صامتة من الجهتين، لم يتجرأ أحد على الحديث، غير دمعات حارة تغالب أي تفكير وأي حديث...، قدر الله وما شاء فعل... وتسللت السماعة إلى مكانها بهدوء...عم محمود هو صهري ووالد زوجتي الفاضلة أم أبنائي..

بأيد مرتعشة أحيانا وبقلب سلم بقضاء الله وقدره أردت أن أكتب هذه الكلمات إلى روحه الطيبة، وأنا الذي لم أستطع مصاحبته حيا ولا مرافقته إلى مثواه الأخير، علّني أرد بعضا من الجميل الذي حباني به وهو يسلمني يد كريمته فكانت نعمة الدنيا التي مهما شكرت الله عليها فلن أحصيها، كانت نعم الزوجة الصالحة والأم الطيبة والمرأة الواعية والصابرة..، ومن هنا تبدأ قصتي مع هذا الرجل الطيب ومن هنا تبدأ أحلى رحلة في حياتي ! رسالتي إلى عم محمود هي رسالة وكلمات على الهواء ودون سابق إضمار إلى كل مواطن ومواطنة عاشا عاديين وماتا عاديين بين الناس !


ذاك الشبل من ذاك الأسد

عم محمود، رجل عرفته متدينا، بسيطا في عيشه، متعلما واعيا بالحياة وضروبها وظروفها، يخفي كل ذلك وراء ستار من حديث الرموز، لم تكن لقاءاتنا كثيرة لأن الظروف لم تسمح بذلك ولكن كلما سمحت كان الحديث ممتعا ومفيدا، كانت عائلته كريمة طيبة عفيفة طاهرة... رزقه الله بخمس بنات فأحسن تربيتهن وعلمهن دينهن وأعطاهن كل الحرية في خيارهن، كان يزرع ويرى أن الحصاد لهن، فلم يفرض عليهن شيئا وترك لهن حبل الحياة إلى عقولهن... فكانت نعم البنات ونعم المواطنات الصالحات... كلهن لبسن الحجاب وكانت زوجات صالحات وكان الناس يسألونه لماذا لم تنجب لنا أكثر من البنات !

عرفت عم محمود قبل أن أعرف ابنته الكريمة وتزوجتها بعد معرفتها تيمنا ببركة الرجل ويقينا في أن البيت الطيب والمبارك والأهل الصالحين لا ينبتان إلا نبتا صالحا ونافعا، وأبناء وبنات طيبين بإذن الله...

كنت أنظر إلى علاقة عم محمود البسيطة والمحترمة مع زوجته التي كان يزورنا برفقتها، كان التفاهم والتقدير بينهما محل التعاليق كان الجميع يغبطونهما على ذلك ويقولون عنهما أنهما كالعصافير، فيما بينهما من حب ومودة حتى مع تقدم السن، كانت هذه الصورة الجميلة والتي أشهد الله على صدقها سببا في تقرب الناس إليهما وجعلني وجعل كل أصهاره يطلبون أيادي بناته الطاهرات...

لن أقف على كل مشوار عم محمود في عمله، ستة أيام في الأسبوع مدة أكثر من أربعين سنة دون توقف لإعالة أسرة كبيرة، ودون مد يد إلى عون خارجي أو داخلي حتى أخذته يد المنون وهو في شيخوخته المكرهة، لن أتوقف عند حياته البسيطة اليومية، لن أتوقف عند تمسكه بدينه وحرصه على أداء فرائضه، حتى رزقه الله بحج وعمرة، لن أتوقف عند إعانته لبعض الناس زكاة وصدقة دون أن يعلم الكثير وبقدر ما تسمح ظروفه بذلك... لن أتوقف كثيرا عند ذلك، فهو بين يدي ربه وهو أعلم بحاله ولكنها شهادة مني إلى رجل أحببته حيا وميتا، شهادة أعبر بها عن عربون صدق ومحبة إلى من ترك من الأهل وخاصة إلى زوجتي الكريمة الصابرة على قدر الله... لم أرد كل ذلك ولكني أردت التوقف عند عمل عم محمود الأسري والاجتماعي ومساهمته في تربية الجيل، وهو يمده ببنات صالحات، وهو الفهم الصحيح والسليم للإسلام في مساهمته في بناء المجتمع الصالح المصلح، ولعله من هذا الباب مسك عم محمود برضاء الله وبالفوز بالدنيا والأخرة... يقول الرسول الكريم (ص) : : "من كانت له بنتان فأدبهما وأحسن تأديبهما أدخلتاه الجنة"، وفي رواية كانتا له حرزا من النار، وفي رواية : وإن كانت واحدة. وفي حديث آخر  "من كانت له ثلاث بنات يؤدبهن ويكفيهن ويرحمهن فقد وجبت له الجنة" قيل : يا رسول الله وإن كان له بنتان؟ قال : "وإن كان له بنتان"، قال : وإن كانت له بنت واحدة؟ قال : "وإن كانت له بنت واحدة" رواه أحمد


مواطنـــون عاديـــون

من وراء هذه الكلمات إلى عم محمود أود الحديث باقتضاب شديد إلى هؤلاء اللآلاف من التونسيين العاديين جدا جدا، والذين لا ترمقهم عدسة الأخبار ولا أقلام الأحبار، يمرون بيننا كالظل، لا يلحظهم إلا القليل القليل، ولكنهم يتركون الأثر الكبير... يقول الرسول الكريم (ص) "ربّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره.."

هؤلاء العاديون هم الأمل في تغيير آخر لا يعتلي المنابر للخطابة ولا مفاتيح الحواسيب للبلاغة، ولا كثرة حديث وصراخ... هو تغيير صامت ولكنه صمت اقتراب العاصفة، وصمت الأودية العاتية وهي تبعث بإنذاراتها... تغيير يبدأ بالنفس أولا ثم الأهل ثم يرسي تغييرا فاعلا في المجتمع بما يبثه في أطرافه من كلمة طيبة وممارسة صادقة وفعل حسن وسلوك واع...

هؤلاء هم الأمل في أنه مهما علا الوجوه الخيبة في بعض الثنايا، ومهما انسدت الآفاق وقل الفعل في بعض اللحظات، ومهما اعتل الرجاء حتى يكاد يموت... يأتي هؤلاء السادة العاديون على أرجلهم أو على نعوشهم ليذكرونا بأن التغيير ليس عمل ساعة من نهار ولكنه كل اطراف الليل والنهار، هو عمل العمر كله، وأن الصبر والمصابرة والفعل الواعي والرشيد والمتواصل دون ارتخاء هو أداة النجاح المثلى ولو بعد حين...

هؤلاء العاديون جدا هم أملي وأمل كل غيور على أن تونس مهما ارتفعت الأسيجة وانسدت الأبواب وتلبدت الآفاق، فهناك في هذه الأرض الطيبة رجال ونساء طيبون وطيبات صادقون صادقات، صابرون وصابرات وطنيون ووطنيات، ماسكون على الجمر وماسكات، ومضات أمل ورجاء وأيد بناء صامت تعمل من أجل خير هذه البلاد الطيبة وأهلها الطيبين !

رحمك الله عم محمود ورزق الأهل الصبر والسلوان، وجازاك الله عني خير الجزاء فيما تركته لي من زوجة صالحة طيبة كريمة مباركة، ورحم الله كل مواطن عادي وغير عادي، وجمع الجميع عند الله مغفورا مستورا معافى، واعذرني يا عم محمود إن لم أكن بجانبك حيا ولم أرافقك إلى مثواك الخير، والله يشهد على ما في قلبي من حسرة وتلوي، ولن أبث حزني وألمي إلا إلى الله وذلك قدره، فعذرا على عدم الصحبة، وعذرا على عدم الرفقة، وذلك في غير يدي وسامح الله حاكم البلاد...ا

" تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، والعاقبة للمتقين" (القصص 83)


ابنك البــار خالد الطراولي

باريس الجمعة 28 محرم 1428 / 16 فيفري 2007

0000-00-00