قصة قصيرة : طـاح فيه دعـاه.. أو مفصــول عن الحياة/ د.خالد الطراولي


أفاق من نومه، دفع الغطاء عن وجهه الشاحب، ظن نفسه وحيدا في الفراش، جسد ممدود إلى جانبه، زوجته حليمة، عرفها، أدار وجهه، تثاءب ثم فتح المذياع... هنا الوطن نحييكم بتحية الوطن إلى كل مواطن، داخل الوطن وخارجه... أغلق المذياع... ولحقته لعنة.. على المذياع وأهل المذياع وصانع المذياع وسامع المذياع وعهد المذياع...
لبس ثيابه، أسرع نحو المطبخ، بحث عن القهوة لم يجدها، بحث عن قطعة خبز و"عقاب عشاء" يحرك بها أسنانه لم يجد شيئا، طاف عليهم طائف أثناء الليل الدامس دون شفقة أو رحمة... لعن المطبخ وأهل المطبخ  وكل طباخ... شرب كأسا من الماء وخرج... أراد غلق الباب وراءه، رفض الباب الانصياع... دفعه بقوة حتى كاد ينكسر ولحقته لعنة... على الباب وأهل الباب وصانع الباب ومن يدخل ويخرج من الباب !!
وقف في المحطة يترقب الحافلة، مرت الدقائق ثم نصف ساعة ولم تأت الحافلة والمحطة تمتلئ، وكثر اللغط والشطط... ثم جاء الفرج... لم تتوقف الحافلة، كانت ملئ تكاد تنفجر، نظر إليها وهي تبتعد... وألحقها في داخله بلعنة على الحافلة وراكب الحافلة وسائق الحافلة وصانع الحافلة وعلى كل من قرب أو بعد عن الحافلة وعلى كل حافلة لا تنتظر...
وصل إلى عمله متأخرا، وجد سيده على الباب !! مفصول منك يوم عمل..، ترجّى، تذلل، فسّر وأوّل.. لا حياة لمن تنادي ولا قلب يلبي للمضطر ! رفع رأسه فجأة وغمغم بكلمات... لعنة على السيد وأهل السيد وأعمال السيد وعمال السيد وعلى كل الأسياد، لعنة على الذل وعلى الفقر و علىالقهر وعلى كل الأغلال.
عاد إلى بيته، لم يترقب الحافة الملعونة، قيل له أن هناك إضراب عن العمل " طاح فيها دعاه "
[1] فرح قليلا فهاهو لا يعمل اليوم ويساندهم رغم أنفهم وأنفه، فهو مفصول عن العمل !
 وجد باب البيت مفتوحا يكاد يسقط وقد تركه مغلقا "طاح فيه دعاه" تعجب، أسرع خطاه ودخل، لم يجد شيئا، لم يجد الفراش ولا من كان على الفراش ولم يجد المذياع "طاح فيه دعاه"
جلس على الأرض، وضع رأسه بين يديه ولعن اليوم الذي رأى فيه الحياة..."طاح فيه دعاه" !!

[1] مثل تونسي يعني قبول الدعاء ووقوعه على من دعي عليه

2007-06-22