فلسطينـنـــا بدون يـافطــات / د.خالد الطراولي


أنا العربي الملقى على ضفاف نهر القهر والاستبداد، أنا العربي المفترش أرض الفشل والهزيمة، الملتحف عراء وفقرا وزمهريرا...أنا العربي القابع بين قوسين، قوس العدم وقوس الفناء... أنا العربي الذي فطموني عن حليب الأجداد وأرضعوني ذلا وهوانا واستجداء وحصيرا...نظرت يمنة ويسرة من حولي حيث بحر الظلمات يلفني، فاستبشرت خيرا أن أرض العماليق أضحت أرضي، وعمالقة الأرض أهلي... وعاد الأمل المفقود والوعي المنشود والحلم الطائر على أجنحة الضباب...
حياتي أضحت حياتهم، قضيتي أصبحت ترابا غير ترابي، وبلدا غير بلدي... سكنت فلسطين هاجسي، أصحو على فلسطين وأمسي على فلسطين، أغدو بها وأروح ولا تغادر جعبتي، لا تغادر وجداني، لا تغادر كياني !
تلك هي فلسطين، بعثتني من موتتي، جعلتني أرنو إلى المستقبل بدون قفازين بدون خيبة وإحباط، جاءتني على طبق من ذهب، ظننتها تحتاجني في صعودها الأبدي، ظننت نفسي أن فلسطين بدوني تكون هباءا منثورا، خلت أن فلسطين تحتاج إلى تنديدي واستنكاري، إلى غضبي وطول لساني، إلى ضربي الطاولة بمجمع كفي،  حسبتها تحتاج أن أزعم مغادرة المجالس صائحا غاضبا مولولا محذرا والحياء يملأ وجنتي،  ظننت أن فلسطين تحتاج إلى زفراتي إلى تنهداتي، إلى آهاتي... كنت أظن أن ليس لفلسطين وجود بدوني...
حتى نظرت يوما في المرآة على عجلة من أمري فرأيت صورتي بلا مساحيق بلا ديكور، وجدتني أتأرجح على حبل سميك من اليأس والإحباط والهزيمة والفشل، بحثت عن نفسي فلم أجد غير هذه الصورة العارية الفاضحة لحالي... بحثت عن منفذ فلم أجد غير الكبالات والأزقة الضيقة والجدران السميكة من حولي...أغلال وسلاسل، وأسوار شاهقة وقضبان و أبواب من حديد وأسترة من نحاس... بحثت عن منقذ، ورفعت عقيرتي عاليا فلم أر غير الصحراء ترافقني وغير الصدى يحرص على إجابتي، ولم يعر صياحي أحد من حولي.. فناء وعدم، ووجدت فلسطين تمد يدها لي، ترّبط على كتفي، وتبتسم لحالي...احتجت إلى فلسطين في عشقي وفي عبادتي، في حبي وفي عداوتي، في وقوفي وفي مقاومتي، في إنسانيتي، في مواطنتي ...وفي كرامتي... احتجت إلى فلسطين كل فلسطين، بذكورها وإناثها، بشبابها وشيوخها، برجالها ونسائها، بهضابها ومنحدراتها، بأرضها وسمائها، بأمواتها وأحيائها،...بفتحهــا وحماسهــا... بكل ذرة من ترابها ! فلسطين التي نريد بدون أقنعة، بدون سواد، بدون يافطات سوى يافطات العز والكرامة والوقوف.
ناديت عن الجميع وأنا في مغارتي وأمام مرآتي، احتجت إليك يا فلسطين فلا تسقطي غصن الزيتون من يدي، لاتحبسي حمامة السلام والأخوة عن مخيلتي، لا تسقطي عني ستري وأملي، لا تعبثي بأحلامي وآمالي... إن تعريتِ تعرينا، وإن سقطتِ سقطنا، وإذا انتهيتِ انتهينا، وقوفك وقوفنا، وحدتك وحدتنا وأهلك جميعا أهلنا.. فلسطين، فلسطيننا !


 

2007-07-02