للبيت رب يحميـه وللعـالم نسـأل السلامـة / د.خالد الطراولي


لم أشعر في حياتي كلها بهذه الرعشة التي هزت أطراف جسمي وسرت في أنحاءه وخلاياه، وأنا أقرأ هذا الخبر المفزع...لم يهدأ لي بال ولم يتوقف نبضي على التسارع وأنا أعيد قراءة الخبر ثانية وثالثة... نائب جمهوري أمريكي ومترشح للرئاسة رفض قلمي خط إسمه ورفضت الذاكرة استحضاره، يعلن على الملأ أن أمريكا سوف تقصف مكة والمدينة وتجعلهما هباء منثورا لو أعيد الاعتداء عليها ثانية ! وهي ليست المرة الأولى في إطلاق هذه المهاترات تجاه البقاع المقدسة الإسلامية فقد سبقه منذ عام حديث مشابه لنائب جمهوري، وفي هذه الإعادة تذكير بوجود عقلية وثقافة وعقول تحبذ العيش والبناء على الخوف والرعب والمآسي والصراع. 
لعل قائلا سوف يجعل من هذا الحديث سقطة لغوية أو حشوا زائدا أو حديثا انتخابيا، أو لحظة انفعالية أوغضبة زائلة... وله أن يقول ذلك. ولكن منذ مأساة الحادي عشر من سبتمبر الأليمة والأقوال "الجانبية" كثر عددها والهجمات اللفظية سال مدادها، والانفعالات عظمت وهجتها، من عباقرة السياسة وأصحاب القرار.

جولات التصعيد والكلمات غير الموزونة
بدأها الرئيس بوش وتحدث عن حرب صليبية، عن قوى الخير والشر... وتراجع الرجل وأفهمنا أنه لم يعني أبدا هذه المعاني التي حملتها نفوسنا المريضة وأن قصده كان بعيدا عن عقولنا الصغيرة وأفهامنا الضيقة وزار مسجدا في حارتنا، فرضينا، اقتناعا من البعض لحسن السريرة، وعدم نبشنا عما تخفيه الصدور وأخفته العقول، وخاف البعض واسترجع، فاليد قصيرة والعين بصيرة والله سلم !
ثم خرج علينا رئيس الوزراء الإيطالي السابق من مخبئه ومن فضائحه المالية، ليعلن للعالم تفوق حضارته أمام حضارة متوحشة وقاصرة... وتراجع الرجل وأقسم جهد أيمانه أننا لم نفقه قصده، ولم يكن يوما عدوا لحضارتنا، فحتى لون بشرته تقارب سمرة بشرتنا ! وطوينا الصفحة ونسينا أو تناسينا ... وتعدد الحديث من هنا وهناك عن الإسلام وتخلفه، وهوجم نبيه على الملأ مرات ومرات من قبل قساوسة وسياسيين ورعاع، ولم ينته مسلسل التشويه والعداء... حتى جاء هذه المرة الحديث قاسيا رتيبا مملا جارحا يدخل في الجسم غائرا مؤلما كخنجر معقوف مسمم : سوف نضرب مكة ! 
لم يفهم صاحبنا أن مكة مدينة من حجر وشجر، لا يميزها سوى بيت عتيق جعله الله مسجدا وقبلة للناس... بيت من حجر سقط بنيانه وتصدع واحترق مرات ومرات، بالسيل حينا وبالقدم حينا، وبأفعال الناس حينا آخر، حتى رماه الحجاج بالمنجنيق وهو يحاصر عبد الله بن الزبير داخله، ومات الرجل مقتولا بين أركانه ولم تشفع له الكعبة ولا أم القرى. ليست الكعبة أو مكة أقدس من دماء المسلمين وقد قالها رسول الإسلام يوما وهو يشير إليها في هيبتها ومقامها : " لهدم الكعبة أهون عند الله من سفك دم مسلم". وقالها في محطة ثانية " ما شيء أكرم على الله من ابن آدم " ! وكم من دماء مسلمة مقدسة سالت على هذه الأرض حتى أنك لو سألتها لأجابتك بأنها قد عافت دمائنا من كثرة استنزافها وضعف بنيانها.
وماذا لو ضربت الكعبة فالمسلمون لا يعبدون حجرا ولا أصناما ولا أربابا ولكن يعبدون رب الحجر والشجر، ربا وُجد قبل الكعبة ولا أول له، وباق بعد الكعبة ولا آخر له. ثم لعلنا سوف نقول لهذا النائب : للبيت رب يحميه أو يمنعه، قالها عبد المطلب يوما وهو في حالة ضعف وقلة عدد وعدة، ونقولها اليوم ونحن على الحال نفسه وكأننا بين قولته وقولنا، لم نكن نتزعم العالم يوما ولم نكن أسياده، حيث لم نهدد أحدا بدكّ مقدساته والاعتداء على معتقداته، سواء كانت صلبانا أو بقرا أو نارا. عاش معنا النصارى واليهود والصابئة، وتركنا صوامع كنائسهم تضاهي مآذننا طولا، ومعابدهم تنافس مساجدنا ذكرا وتسبيحا، ونارهم تشتعل، وأبقارهم تسعى في أرض الله مرحا !
هذا حديث العاطفة، وقد تركت له الحبل متسعا، لكن الخطير في حديث النائب الأمريكي هو تغذيته لأحاسيس ومشاعر الكراهية بين صفوف المسلمين وإضرامه نار الحقد والتطرف. كم مولت أمريكا من برامج وسياسات وقامت بأعمال لتحسين صورتها المهتزة عند المسلمين وسعت إلى إظهار ذاتها أنها بلاد الحرية والديمقراطية وأنها الساعية لجلب السلم والاستقرار واحترام حقوق الإنسان، لتأتي هذه الكلمات لتقتلع البناء من أساسه وكأنه لم يكن بناء، أو لعله كان بناء مهتزا فضفاضا ليس له أسس؟ فمن من المعتدلين يستطيع أن يواصل خطاب الاعتدال والسلم دون فقدانه لمصداقيته؟ خطاب الاعتدال يصبح عند أهل التطرف والإرهاب عمالة ونذالة وخيانة. ألا تدعم هذه الحركات البهلوانية خطاب التطرف والثأر والمواجهة؟

السؤال الذي تخلف
في الحقيقة فإن النائب الأمريكي والمرشح لرئاستها أجاب الإجابة الخطأ للسؤال الخطأ، وهو بالتالي لم يخرج من بوتقة السياسة الأمريكية ككل، كان الأولى طرح السؤال الأليم الذي يتفاداه أهل القرار : ولماذا يمكن أن تعاد مأساة الحادي عشر من سبتمبر أو شبيهة بها؟ أليست وقائع مدريد ولندن الإجرامية هي مصغرات لهذه الأعمال الإرهابية؟ لماذا تواصل مسلسل الإرهاب عظم فعله أو صغر؟ هذا هو السؤال الذي وجب طرحه وهو تعبير عن إفلاس مخططات المواجهة، وإفلاس هذه الأحاديث الجانبية والغثة.
هل وعى صاحبنا بهذا المنزلق الذي يؤدي إليه مثل هذه الأقوال الفضفاضة، أم أنه اعتراف بهزيمة في معركة الأفكار، حيث تلكأ مشروع الشرق الأوسط للإصلاح وذهب في مستنقعات بغداد وكابول، ولم نعد نسمع كثيرا عن تنزيل الديمقراطية خيارا أو اضطرارا في بلداننا، فرأى بعضنا التحرير ولم يرى الحرية. وحيث يبدو أن لغة المبادئ لم تستطع استبعاد المصالح وازدواجية المعايير، فجاءت هذه الأقوال وغيرها لتغطية سوءات مكشوفة، وتلهية المجتمع الأمريكي والعالمي عن المآزق والأنفاق، وانسداد الأفق وتلبد السماء والتخبط الذي أصبح يلازم الأقوال والأفعال.
 أم أنه عمل ممنهج ومدروس غايته التمكين لصراع الحضارات، والاقتناع مسبقا بالفوز بالضربة القاضية والحاسمة، فالكفتان لا تعتدلان، بين حضارة تعيش في المستقبل وتملك القوة والعتاد، وبين تخلف عام يعيش في الماضي باستبداده وفقره ولا يملك حتى التحكم في مصيره ! غير أن الكثير من العوامل المغيبة، منها المعقول ومنها المنقول، يمكن أن يحدث ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ! . 

ختـــاما
نحن لا نريد دماء ولا شقاء لأحد، وكم تألمنا ولا زلنا نتألم لحوادث الإرهاب والإجرام وسوف نبقى على حالنا صامدين أمام الإرهاب والتطرف سواء كان عملا مدمرا أو فكرة صاعقة، أو كلمة مسمومة أيا كان مأتاه.
خوفي أن عقلية الاستعلاء والكبرياء خلفت سلوك العظمة والازدراء والاستخفاف، وأضعفت مؤشرات الوعي ونواقيس التنبه...خوفي أنها عقائد وإيمان في غير موضعها، ولدت عقدا وأمراضا ومركّبات، ودخول المقدس والمنقول خطأ من زاوية مهتزة أخلاقيا إلى ضفاف السياسة والحكم، والمحاسبة على الظن والريبة...
خوفي أننا دخلنا مستنقع الانفلات الأخلاقي والقيمي، والذي نُسجت أطرافه بداية في سجن أبي غريب في حقوق الأفراد وتواصل في غوانتنامو في حقوق الكتب المقدسة...خوفي أننا على فوهة بركان من الاستعمار غير المباشر والاستغفال والاستحمار...
خوفي أننا دخلنا هذه المرة في مواجهة جديدة للتحرير، حتى يحصل الاستقلال الثاني، هذه المرة ضد غزو الفكر والثقافة والكلمة الهابطة، دون أن نستعد لذلك، لا في العقل ولا في السلوك..، نسينا الأرض وتعلقنا بالسماء، والسماء منا براء، فهي لا تزال توحي إلينا أنها لن تقبلنا دون أصلنا وفصلنا وأرضنا !

2007-08-08