فتــاة المدوّنــة أو بشائر الصحوة في تونس / د.خالد الطراولي


قصة مدونتها كما ترويها عن نفسها أنها كانت وعدا من أبيها إذا أكملت حفظ سورة البقرة...، وأوفى حر ما وعد...، حفظت البنت الصغيرة السورة وبدأت في حفظ سورة آل عمران، فأهداها أبوها هذه المدوّنة وأصبحت تكتب فيها بلغة مهذبة وسليمة تفوق سنها كل ما تعيشه أطراف النهار.
اسمها لا يعنينا فهي زينب أو خديجة أو ليلى أو صبرين أو سحر، سنها يهمنا فهي لم تبلغ الحلم عمرها أحد عشر عاما، جنسيتها تهمنا فهي تونسية المولد، تونسية المسكن، تونسية الثقافة وتونسية المصير، هوايتها تهمنا، القراءة ثم القراءة ثم الكتابة على صفحات الإنترنت، أين تكتب يهمنا تكتب في مدونة خاصة بها وهنا أتوقف لأبدأ لكم قصة هذه الفتاة مع مدونتها. قصة الصدفة التي رماني القدر إلى ضفافها ليزيدني أملا وعملا وتفائلا بأن الأيام دول وأن ما ينتظر تونس وغيرها من الأوطان الحبيبة إلا الخير إذا عرفنا كيف نصبر وكيف نعمل في هدوء وكيف نبني على بياض...
ابنتنا الصغيرة نابغة وهذه أعدادها وهي تحكي عن نفسها :
" انتهت امتحاناتنا يوم الأربعاء يوم 5 ديسمبر، كانت سهلة، طبعا بالنسبة إلى الذين راجعوا دروسهم.‏ أرجع المعلمون لنا بعض الامتحانات بعد تصليحها وهاهي أسماء تلك الامتحانات والأعداد التي تحصلت عليها :‏ رياضيات : 20/20 ‏ إيقاظ علمي : 20/20 ‏ تريبية مدنية : 20/20 ‏ تاريخ : 20/20 ‏ جغرافيا : 19.5/20 ‏ انجليزية : 19.5/20 ‏ انتاج كتابي بالفرنسية : 17.5/20 ‏ دراسة نص بالفرنسية : 19.5/20 ‏ تربية اسلامية : 20/20 ‏ قواعد اللغة العربية : 16.5/20 ‏ انتاج كتابي بالعربية : 16.5/ 20‏ دراسة نص بالعربية : 17.5/20 ‏ أما في الامتحانات والأعداد، فسأتحصل عليها يوم توزيع الشهائد في الدفتر. والحمد لله أولا وأخيرا.‏"
قصة مدونتها كما ترويها عن نفسها أنها كانت وعدا من أبيها إذا أكملت حفظ سورة البقرة...، وأوفى حر ما وعد...، حفظت البنت الصغيرة السورة وبدأت في حفظ سورة آل عمران، فأهداها أبوها هذه المدوّنة وأصبحت تكتب فيها بلغة مهذبة وسليمة تفوق سنها كل ما تعيشه أطراف النهار.
فتاتنا الصغيرة بدأت هذه الأيام قراءة تاريخ ابن كثير في 7 مجلدات وهي في المجلد الأول كما تقول...
فتاة المدونة تبعث برسائل متعددة وعناوين مختلفة، رغم صغر السن وقلة التجربة، الرسالة الأولى كبيرة وتحوي عنوانا أكبر تجاوز اليافطة التي تحمله... : هذه هي الصحوة في أجل مظاهرها وأصحها، هي ارتباط بالهوية والموروث، وممارسة ناجحة في دروب الحياة، علاقة الفرد مع ربه وعلاقة ناجحة مع المجتمع ومساهمة فعالة لنجاح مشواره. ليست الصحوة تقوقعا ورباطا شعائريا فقط ولكنها لمسات وممارسات يومية إيجابية من أجل الصالح العام.
رسالة إلى العامة ثانيا : أن باب العمل مفتوح على مصراعيه من أجل الإصلاح والتغيير، وبداية التغيير النفس وما حوت، ثم تدرج رصين وهادئ في البنيان... ولا تصغير لأبواب الفعل الصالح المصلح، ليس هناك عمل تغييري كبير وآخر هزيل وصغير، ولكن كل حسب طاقته وكل حسب منزله وكل حسب جدواه...رسالة إلى من يريد الإصلاح ويبحث عن موطن تحت الشمس أن الثغور كثيرة والمدونة ثغر من ثغور الكلمة في البناء ولو بأيد صغيرة، دون قفز وحرق للمراحل...
والرسالة الثالثة لكل أب لكل أم لكل أسرة، من هنا يبدأ التغيير وعلى ضفافه ينجح المنهج أو يعقم ويفشل، ومن عجز أن يصلح حاله وحال أهله هو أعجز أن يقيم البناءات الشاهقة ويتولى أمر الناس والرعية، والبيت الميت لا يولد إلا مقابر للمسلمين.
الرسالة الرابعة إلى النخبة : أن لا تنظروا إلى هذه الجماهير من موقع الأستاذية والترفع، لا تطلبوا منها أكثر من طاقتها، لا تسخروا من صمتها، لا تكيلوا لها التهم وتسلبوها وجودها، وأعيدوا قراءة منهجياتكم وافقهوا مراحلكم... واعلموا أن للنخبة إطار والتزامات ودور وأن للجماهير كذلك.
رسالة أخيرة، إلى الجميع أنه رغم تغول الصحراء وقلة الماء وجدب الأرض وشح السماء فإن هذا الدين باق مستمر بعز عزيز أو ذل ذليل... بشيخ عجوز أغبر لو أقسم على الله لأبره، أو ببنت لم تبلغ الحلم بعد، عبدت ربها بإصلاح أمرها والمساهمة في إصلاح محيطها، لو نادت ربها على فطرتها لفتح لها وعلينا أبوابا من الأرض والسماء...
لعل البعض يسعى إلى تنبيهي أني خلطت بين الصحوة والجماهير وأني تركت الحديث عن الصحوة.. ولم يكن ذلك اعتباطا، ولكني أعتبر الصحوة مرحلة متقدمة من وعي الجماهير إذا عرفت هذه الصحوة طريقها في عدم الفصل بين علاقتها بربها عبر التزامها بشعيرتها وبمقدسها، وبين ممارستها الميدانية الاجتماعية الواعية والصالحة المصلحة.
فتاة المدونة، سلام عليك، رسائلك حتى وإن لم تكنهيها ولم تخطي حروفها ونسيت أصابعك الصغيرة تحبير العنوان، قد وصلت وانتظري منا رسالة رد إليك فلا تغفلي على سؤال ساعي البريد ولا أظن الموعد بعيدا !
اسمحي لي في الختام أيتها البنت الفاضلة وأنت غير بعيدة عني، أن أقتنص هذه الهدية من مدونتك إلى الجميع لأنها تحمل بشائر أمل في جيل، وفي وطن
 " .. كان معدلي النهائي 18.32/20، و كنت الأولى على قسمي وعلى كل أقسام السنوات السادسة أساسي في مدرستنا. فرحت كثيرا وحمدت الله كثيرا وأرضيت والدي وأرحت نفسي. أكملنا يوم السبت ثم بدأت العطلة التي تستمر أسبوعين وثلاثة أيام. سأواصل حفظ سورة آل عمران خلالها وأواصل قراءة كتاب ابن كثير ’البداية والنهاية’ الذي قريبا سأكمل المجلد الأول منه، ولن أنسى الدراسة فيجب بعض المراجعة في آخر العطلة، والآن إلى اللقاء وفي أمان الله..."

2007-12-22