صـــورة تتهــم!!! / د.خالد الطراولي


هجمت البشاعة على كل الصورة، وهيمنت الفضاعة على أرجائها، وبقي المشهد عاريا عابسا ليس فيه سوى جسد نحيف ملقى على سرير المرض، ولسان رطب يلهج بالتسبيح والحمد، وعينين تنظران إلى السماء تشكيان إلى الله ظلم العباد... إيمان يغمر الأرجاء وإحساس غريب ينتابك وأنت بعيد عن المشهد بعيد عن الصورة بعيد حتى عن ظلها، إحساس بأنك تدخل إطارا ربانيا خالصا وبيتا من بيوت الصالحين... صورة حزينة، مظلمة، ثابتة، لا يمزق سكونها إلا قبسات من نور تنبعث من وجه مشرق محبوب رغم شدة المرض، قبسات لا يكاد يراها إلا من أتى الله بقلب سليم... تلك هي الانطباعات التي لا تكاد تحملها وأنت تتابع صورة الأخ العزيز أحمد البوعزيزي وهو على فراش المرض... سنوات عديدة من سجن فضيع يشيب له الولدان، أمراض ومعاملات وتعذيب نفسي وجسدي وتشكيات وسوء تغذية وسوء منزل وزنزانات متعفنة وهواء سقم وموت... ثم خروج بالأمراض القاتلة والعاهات المزمنة، خروج نصف أحياء من القبور، ليتواصل مسلسل التلاشي والعذاب، صيحات وآهات ودموع ساكنة في ليال حمراء حيث يختلي المرض بالأجساد المنهكة فيأخذها قطعة قطعة... أخي الذي لم ينلني شرف قربه، خرج من سجنه منهكا تعبا يحمل بين جنبيه مرض السرطان، شفاه الله وعافاكم وعافانا منه، ورغم شدة المرض والتدهور السريع لحالته حيث امتد هذا المرض الخبيث إلى الكبد والأمعاء، بقيت الشهامة في ذروتها والعزة في قمتها وصبر على البلاء كبير، ورباطة جأش لا يحملها إلا من كان صادقا مؤمنا خالصا بقضاء الله وقدره... كم أتمنى أن تصلك هذه الكلمات وأن تقرأها لا لتزيدك إيمانا وصبرا فأنت لا تحتاج لذلك، فصبرك جميل، ولكن حتى تعلم أنك لست وحيدا في بيتك، لست وحيدا في بلاءك، فهناك من وراء البحار إخوة لك، لا يضاهونك سنا ومنزلة ودرجة، لكنهم يعيشون كل لحظات عذابك، يصبحون على ذكرك ويمسون على ذلك رغم مشاغل الأهل والشغل والحياة ويدعون الله لك بالشفاء، وأملي في الله كبير أن يحفظك لنا ولأهلك وللوطن العزيز... فليس هناك مصير محتوم، وليس هناك مرض نهائي! معذرة على أني لا أستطيع غير الكتابة إلى حين، رغم أن الكتابة مسؤولية، والكلمة فعل ولو كان على أسطر صماء، ورغم ضيق الوقت والكلمات غير المرتبة أحيانا... معذرة أني لا أستطيع زيارتك إلى حين، فالأبواب مغلقة وباب الله مفتوح، معذرة أني لا أستطيع تقبيل جبينك، فقد ارتفعت إلى عنان السماء...تعم لست إلى جانبك، نعم إني أغادر الصورة بكل حياء ولكنك لن تغادر يومي وليلي، وثقتي في الله أننا سنلتقي... "أرجو أن أكون آخر ضحايا الظلم...والإهمال" كلمات أخينا أحمد البوعزيزي لن تمحى أبدا من كتاب التاريخ، كلمات تبرز تلاشي الذات أمام الجماعة، تظهر نهاية الأنا من أجل الصالح العام، كلمات سوف تؤرق العديد من أبناء هذا الوطن الممزّق يوما ليس ببعيد، حين يعقلون مكانة ومقام ووطنية هؤلاء السابقين... "أرجو أن أكون آخر ضحايا الظلم... والإهمال" كلمات تلحق بسابقاتها على منابر من نور، قالها قبل ذلك سعيد بن جبير وهو يغادر عالمنا شهيدا لينتقل إلى خيمة الشهداء عند مليك مقتدر : اللهم لا تسلط الحجاج على أحد من بعدي. وكان له ما أراد!!! ملاحظــة : هذه كلمات خارج المقال، دعوة صادقة إلى كل من قرأ هذه الأسطر أن يتوجه إلى الله خالصا صادقا وبقلب سليم، في الهزيع الأخير من الليل بركعتين، يجعلهما لأخينا المبتلى، فألحّوا في الدعاء، عسى أن يكون من بيننا من مقامه عند الله رفيع، والله على كل شيء قدير.

2008-01-10