في ذكرى الإسراء والمعراج : إسـراء أمة ومعـراج حضــارة/ د.خالد الطراولي


القدس العربي 2004/09/16
ما أكثر الأحداث الحزينة والذكريات المريرة التي تمر علي المسلمين هذه الأيام وهذه العقود، والتي تخض واقعهم وتطرح عليهم تحديات جديدة وأسئلة عديدة، يحيط بأجوبتها كثير من الإحباط والهزيمة والسواد. غير أن ومضات مشرقة تنطلق من هنا وهناك، من أعماق تاريخهم، تذكرهم بين الحين والحين، وعلي طوال السنين، أنهم أبناء حضارة، وأن الليل وإن طالت خيمته، فالفجر له بالمرصاد، وإن رأيت الصحراء تمتد فوراءها جنان خضراء.
تأتي ذكري الإسراء والمعراج هذه الأيام والأمة في مخاض، تحت الركام، تضرب أطرافها ووسطها فتن وحروب، قتل وإرهاب، فوضي وتخلف، ذهول واضطراب، وتساؤلات عن النهاية، عن خطف للدين وغدر بأهله، عن انتحار جماعي، عن نهاية أمة قبل نهاية التاريخ. 
تأتي هذه الذكري الطيبة مع صور حاضر مزعج وحزين، وبين هذه وتلك يتأرجح تاريخ الأمة، ووصل الاعوجاج والانحراف محطة غير مسبوقة وتواصل انحدار الأمة من جديد، رغم الإشراقات التي تحاول إنارة طريقها بعيدا عن الصخب والاعتداء والعواصف.
إن العلاقة الأفقية التي ينحتها الإسراء بين الأرض وأطرافها، تؤكد علي مبدأ الامتداد الرمزي لرسالة الخير والتعارف والسلم، لم يذهب الرسول الكريم (ص) إلي القدس الشريف وهو يصطحب الملائكة ليرج قواعد أهلها ويسفك دماء ذويها ويعيدها طوعا أو كرها إلي ربقة الإسلام، كانت الإسراء لقاء بين كل الأنبياء في حضرة خاتمهم، كان تعارفا بين قيادات الدين الواحد، وإشارة رمزية إلي لقاء الأقوام والأجناس والثقافات.
كان الإسراء إشارة ذكية في بداية بناء قواعد هذا الدين، أنه دين التعارف واللقاء والسلام، وأنه امتداد لنفس ينبوع الخير الذي استسقت منه الأقوام السابقة لما تبنت خطاب رسلها ومصلحيها. لم يحمل الإسلام إلي هذه الأرض الطيبة، أرض فلسطين الطاهرة، وهو يطأ رمالها ويعبر آفاقها رسالة اعتداء وجور واستحواذ، لم يقل جئنا بشعب بدون أرض إلي أرض بدون شعب، ولم يقل أتيناكم بنبي إلي أرض بدون أنبياء، بل احترم من سبق واعتبر ذاته جزءا من نسيج جماعي تشكلت أطرافه عبر تاريخ وجغرافيا لأقوام سابقين ولاحقين، فكان قدوة ونموذجا لأهله قبل جيرانه.
إن العلاقة العمودية التي يبنيها المعراج بين الأرض والسماء ليفرض علي الأمة هناك علاقة وطيدة بينها وبين خالقها تمثلت في صلوات يومية، تذكّره بأن خلاصه علي الأرض مرتبط بحسن علاقته بالسماء، وأن وجوده علي الأرض بدون هذه الهداية وهذا اللطف الرباني، مجلبة لكثير من المتاعب والسقوط. لقد أثبت المعراج ركنا جديدا لأي نجاح وفلاح دنيوي، أو بمفهوم أقرب إلي أيامنا، أن أي شهود حضاري لهذا الإنسان ممثلا في أمته، ولهذه الأمة ممثلة في أفرادها، لا يمكن أن يكون سليما، معافي دائما ومتجددا ومبدعا، إذا لم يتمثّل البعد الروحي والأخلاقي في مسيرته نحو التمدن والتقدم والتحضر، التي تمثل مسيرة نحو الله.
إن هذا البعد الروحي والأخلاقي، وهذه العلاقة الوطيدة بين السماء والأرض، يشكلان حسب زعمنا أساس أي بناء للظاهرة الإنسانية بأبعادها النفسية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. لن يكون أي بناء نبذ هذا البعد الروحي والأخلاقي، إلا أعرج في التنظير، أعرج في الفكرة والرؤية، يؤدي إلي عرج في التنزيل والممارسة، حتي وإن خفي هذا العرج في بداية الطريق لتواجد عناصر أخري دافعة ومهيمنة ومغيبة لحين لتأثيرات هذا الغياب.
غابت أخلاقنا في السياسة يوما وفتكنا بالحبل الروحي الرابط بين السماء وأرضها، ونسينا أو تناسينا سورة بأكملها عنوانها الشوري، فتهيّب الفقيه وخرج علينا بأنشودة جديدة عجزت عنها حتي مزامير سليمان فجعل الشوري مخبرة وغير ملزمة.
وطغي حاكم البلاد واستخف قومه وفرض علي الأمة تاريخا وجغرافيا تأويلا غير أخلاقي ولا روحي للشوري فجعل سلطاته تورث كما يورث بيته وأملاكه.
وسكنت الرعية ورفضت الوقوف أولا، خوفا عند بعضها وطمعا عند البعض الآخر، ثم عجزت حتي عن رفع ظهورها عن الانحناء، وكأنها لم تر وقوفا في حياتها، فأطلت علي الأمة أجيال ولدت منحنية وشابت منحنية وشاخت منحنية ودخلت قبورها ولم تر السماء !
وغابت الأخلاق وسكنت مناشدة الروح من وراء جدران بيوتنا، قبل نزولنا إلي الشارع ومغادرة البيت، فنالت نساؤنا أكبر مظلمة شهدها تاريخنا، جنس كامل أخرجناه بدون حياء من التاريخ، وأدخلناه في متر أو أقل من الجغرافيا الحزينة والمظلمة، في زوايا بيوت وأركان غرف. نصف المجتمع ميت ونصفه الآخر مصاب بالشلل وصاحب الجسد المفقود يريد الشفاء وهو يحمل آيات الأموات.
وفي ظلمة البيوت، وبدون أخلاق، وبعد ظلم ساكنيه من الجنس المنبوذ، وفي غياب حبل السماء المقطوع، خرجنا إلي المجتمع مشوهين، برجل واحدة، ندعي الحراك، والمشي أحيانا، ونحن عاجزون حتي عن الوقوف وعدم التداعي، فكان سقوط البيت الصغير قد سبق سقوط المجتمع.


إن معراج التحضر لن يكون صائبا، إذا لم يتدعم هذا البعد الروحي والأخلاقي في كل حركاتنا وسكناتنا، في كل مشوار صاعد نحو الرقي، نحو التحرر، نحو الله ! لن ينالنا ولا ينال أحفادنا حبة خردل من حضارة مزعومة، والقتل والإرهاب والفضاعة والأذي ترج أطراف بيتنا وبيت الجيران علي السواء، دون علم ووعي، دون حق وخلق، ودون نقل وعقل ! لن نفهم رسالة المعراج الحضارية إذا لم نفقه أن بناء الحضارات لا يتم في الصخب والضوضاء، ولا بأيد حمراء ملطخة بالباطل والجور والاعتداء. 


إن الحضارة إسراء بالإنسان الضائع المغلوب علي أمره، نحو الإنسان الصالح المصلح، نحو الإنسان ! والحضارة معراج نحو المطلق، بهذا الإنسان السليم، الحامل في بنائه عناصر الروح والأخلاق والعدل والحرية، وتلك إحدي رسائل الإسراء والمعراج إلي الإنسان الفرد والإنسان المجموعة مهما شرّقت أو غرّبت نجومها الطارقة.

2008-07-30