أطفالنا فلذات أكبادنا : عمل اليوم والليلة [الجزء الرابع] / د.خالد الطراولي


نواصل في هذه الحلقة الرابعة هذا المشوار الصيفي في الحديث الذي تجاذبنا أطرافه مع بعضنا في الأجزاء لسابقة، عبر تقديمنا للكتاب المتميّز “أولادنا من الطفولة إلى الشباب” للدكتور مأمون مبيّض. وكما خلصنا من قبل، فإننا نواصل هذا المشوار من خلال المنهجية التي رسمناها، وهي الاعتماد على محطات معينة ليسهل اللقاء مع محاولة تأصيل بعض المواقف، ونواكب مع بعض، أطوار هذه الرحلة الطيبة والتي تتخللها بعض التجارب الشخصية...
المحطة الثالثة : تربية السنين الأولى
وتتواصل الرحلة الممتعة مع الدكتور مبيّض، ليلج بنا بابا ثالثا، عالج فيه مشكلات التربية في السنين الأولى من حياة الطفل، مثل الذهاب إلى السرير والنوم، والتغذية، ومشكلات تناول الطعام، والتدريب على الحمّام.
وانطلاقا من مبدأ سلوكي في التربية يقول أن القاعدة التربوية التي لا يمكن تنفيذها هي قاعدة غير صالحة أو غير مجدية، واستنادا إلى مبدأ الرحمة الإنساني والإسلامي، يمكن معالجة المشاكل التي تثيرها هذه الحالات. “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا” (حديث). والرحمة تعني ذلك الجانب الشعوري المتميز الذي يحمل عناصر الرفقة والرأفة والمرونة واليسر، وهو باب عام يمكن أن نلمسه وننزله في عديد المواقف التي تجمعنا بالطفل. ومن النصائح المسداة في هذا الباب أن تحاول الأم أن تجعل غرفة ولدها مشجّعة له للذهاب للنوم، أن تكون حساسة ومتفهمة لرغباته في ذلك، كترك قليل من النور في الغرفة (ص157).
وبين اللطائف في هذه الأمور التي تمزج بين الرحمة والنموذج ومعقولية الموقف والجواب، أن تأكل الأم أمام طفلها وتنهي صحنها، حتى يتبعها الصغير في ذلك، وأن تُعلمه أنه إذا برد الطعام فسوف يتغير مذاقه، ويصبح غير مستساغا، وفي المقابل نرى كذلك وتوسعة لخطاب الدكتور مبيض، عدم تعويد الطفل أكل الأطعمة السخنة جدا فور طبخها حتى لا يتعود على الشره والعجالة في الأكل وهي سمة الأكلات الخفيفة المستوردة والتي تحمل الكثير من الأبعاد الثقافية والتربوية وعقلية الأكل الدائم وما يولده من أمراض بدأت تنخر مجتمعات بأكملها، وهنا يتنزل حديث الرسول الأكرم بالنهي عن تناول الأكل حارا فور طهيه.
وظاهرة الأكل لدى الطفل حسب نظري لا يجب الاستهانة بها واعتبارها من فطريات الإنسان التي لا تقوّم ولكنها تربية وثقافة وأدب وسلوك رفيع يبنى منذ السنين الأولى للحياة، ولهذا لم يتوانى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن التدخل في كيفية أكل غير مستقيمة لأحد الأطفال ومحاولة تقويمها: فعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلاماً في حجْر رسول الله ص وكانت يدي تطيش في الصحفة أي تتحرك وتمتد في نواحي الإناء فقال لي رسول الله ص: يا غلام سمِّ الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك" متفق عليه
ومع تقدّم الطفل في السنّ، فعلى الوالدين استشارته في ذوقه، على أن يكون الخيار محدَّدا. كما عليهما عدم إلزامه إن اختار أن لا يكمل صحنه في الطعام مثلا، وإلا فإنه سيربط بين الخيار وبين الإلزام، فيرفض التعامل من جديد. كذلك فإن التدريب على المحافظة على عدم التبول للصغير يتطلب كثيرا من الهدوء وعدم القلق، لأن الأمر طبيعي في مساره، ولا يتطلب هوسا ولا انزعاجا، بل تكيفا وصبرا(ص174) ورحمة.
والتعامل بهدوء مع كل المواقف التربوية هي حسب نظري منهجية أساسية داخل الأسرة تتجاوز حالة الطفل، إلى البيئة المحيطة، فالهدوء منهج وخطاب وهدف وأشخاص، فالشخص الهادئ نموذج ورسالة للطفل الصغير تتحرك من خلال جبلة وطبيعة هادئة، مستمرة لانقطاع لها نظرا وممارسة، والهدوء كمنهج صورة حية للطفل وهو يرى مباشرة كيفية معالجة الأمور داخل بيته الصغير حتى يتهيأ لما أكبر عندما تعترضه تحديات الحياة، والخطاب الهادئ ينبذ الانفعال ويدمج عامل الوقت في صناعة الموقف والحدث ويبني على روية ومسؤولية، والهدوء كهدف يجعل من كل الممارسة داخل البيت تحمل عنوانا صريحا وواضحا وهي السكينة في أوسع نطاقها يتلمسها الزوج والزوجة في راحة البال والثقة المتبادلة والحوار ويلحظها الطفل الصغير وهو يرى البيت إطارا تربويا وتعليميا هادئا وبشوشا.
وهذه السنون الأولى ولاشك محددة في توجه الطفل على كل الأصعدة، حتى التي نحجّم دورها باعتبار سن الطفل وعدم عقلانيته المتطورة، ولقد لاحظت شخصيا تتبع الأبناء لاهتمات الكبار حتى وهم لا يعقلونها، فقد كنت مثلا أكسو الجلوس لاستماع إلى الأخبار نوعا من الاحترام والسكينة فلا صوت فوق صوت المذياع إلا لضرورة، وكان الصغير يربط بين هذا الوضع الاستثنائي وما ينطلق من الشاشة، حتى إنه لما تأتي موسيقى المقدمة ولم أكن حاضرا يسرع بإعلامي والبقاء لجانبي، وهذا حسب نظري نوع من تكوين عقلية الاهتمام ونبذ ثقافة اللامبالاة، حيث يصبح بعد الاهتمام بالناس جزء من تكوين الصغير الذي لا يعتبر نفسه منحصرا في بيت أو روضة وحي، ولكن ينتمي إلى إطار كبير وأوسع.
ملاحظــة:

أهدي هذا التقديم المتواضع، لروح أبي الذي وافته المنية أثناء تعرضنا لهذا الكتاب في التربية وما يحوم حولها، وإني أشهد الله على أنه أدبني فأحسن تأديبي، وسعى صادقا في تربيتي فجازاك الله عني خير الجزاء، وأسكنك مع الصالحين والأنبياء، وجمعني وإياك في جوار الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم. 
                                                                                      ـ يتبـــع ـ


2008-08-12