أيام في حياتي.. الثورة مرت من هنا [الجزء الأخير] د.خالد الطراولي


إن الاستقلال الثاني لبلاد العرب قد بدأ من هنا، من أطراف تونس العزيزة، إن العالمية الحضارية لهذه الأمة الممتدة من أندونيسيا إلى سواحل المغرب قد كتبت بداياتها الجديدة شباب هذا البلد الطيب، إن مواطنا تونسيا عربيا مسلما أشعل ذات يوم في جسده نارا أكلت الأخضر واليابس في صحراء الاستبداد والسقوط الأخلاقي والفقر الحضاري، وأسست لعهد جديد في كل هذه القرية الكونية...هي أيام من أيام الله الخالدة...أنا تونسي وأفتخر!!!

كان صباحا جميلا ككل صباح تونس، أو هكذا يُخَيّل لكل غريب، وأنا كنت من الغرباء! كانت الحالة مضطربة، هي الأيام الأولى للثورة، وهي حالة صاحبتني طيلة رحلة العودة إلى الوطن. كانت تونس تتشكل على أرضية متحركة، الأخبار تتلاحق، والحراك لا يتوقف، وكأن السفينة لم تجد مرساها بعد، كان المشهد العام يسوده اللون الرمادي على أكثر من باب، عديد الأسئلة لا تزال معلقة تبحث عن جواب، حكومات تتشكل ثم تختفي، وزراء يأخذون حقائبهم صباحا ليسلموها مساء أو بعد ساعات، مشوار الخطاء والصواب يتمثل في هذا السير نحو المجهول حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود بحلول الفجر!
وصلت وزارة الداخلية، غيابات الجب تصاحبك، قلق الأسرة يتبعك، خاصة وأنه تبين لك من خلال بعض الأصدقاء أنك كنت الوحيد الذي استدعته الداخلية، قولة مفزعة تطرق مخيلتك وتريد الاستقرار...مكانٌ، الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود! صاحبني أحدهم إلى الداخل بكل لطف، طلب الجواز، بقيت أنتظر، كان الاستقبال مهذبا، جاءني بعد قليل رجل أنيق المظهر سلمني الجواز قال مرحبا بك في تونس، قلت أتمنى أن هذه الإجراءات انتهت، قال "أمورك واضحة ولا إزعاج بعد اليوم" قلت شكرا ولكني جئت لطلب تأشيرة لحزب اللقاء الإصلاحي الديمقراطي، قال مرحبا ولكن ليس من صلاحياتي وأرشدني إلى المكان. على فكرة أنا من المهجر كاتبت الوزارة منذ أكثر من ثلاث سنوات لطلب التأشيرة حيث أن حركة اللقاء قد أنشأتها في المهجر مع مجموعة من المهجرين سنة 2005 وسعينا بطلبنا إلى تحريك الجمود وإثارة الرأي العام من بعيد رغم علمنا بانغلاق الأبواب، فإنشاء الحزب في المهجر هو رسالة لعدم سلامة الداخل وهيمنة الاستبداد وانفراده بحكم البلاد، ورفْضِنا لأحزاب الموالاة والاستجداء.
غادرت الوزارة...كانت فرحة أخي وأحد أعضاء المكتب السياسي للحركة لا يوصف، ولكن عودتي للوزارة ستتكرر لإيداع ملف التأشيرة للحزب وفي كل مرة كان الاستقبال مهذبا يحمل كل الاحترام والتقدير.
توالت الأيام تباعا، أسبوع يكاد ينتهي، والعودة إلى بلاد المهجر تقترب فالتزامات العائلة والشغل لا زالت ضاغطة، فسقوط الدكتاتورية كان مفاجأ للجميع، لم تستشفه لا أحزاب ولا دول، ولا مكاتب دراسات وسبر آراء، كانت الثورة قد اندلعت لكن سرعة تقدمها وفجائية حراكها، وبرقية اتجاهها، جعلها تغيب عن الجميع. صور جميلة وأخرى حزينة حملتها ملامسة هذا الواقع المنتفض، ولولا ضيق الوقت وضعوطات مطالب أخرى، لبقيت أسرد العديد من المشاهد دون كلل رغم قصر المدة.
المشهد الأول
كان يحمل حقيبة وسلة مهملات، كان أنيقا يرتدي لباسا افرنجيا مع ربطة عنق، أناقة اعتراها شيء غير عادي...كان الرجل يلتقط الأوراق المهملة والأوساخ التي تركتها حركة الشارع التي تموج بالمارة والمتحلقين، أمره غريب حقا هذا الرجل، اقتربت منه، رحب بي، قدمت نفسي، قال: أعرفك قد قرأت لك، قلت: ما تفعل هنا؟ قال أنا أستاذ أدرّس في أمريكا، جئت لما سمعت بالثورة وأردت ان أساهم فيها ولو بتنظيف البلد، فقد نظفها الشباب من الاستبداد ودفعوا ذلك بدمائهم، وأنا خادمهم أنظفها من الأوساخ، حتى لا يقال أن الاستبداد ترك البلاد نظيفة وأن الثورة وسختها والثوار وسخون! صمتت.. هذه تونس التي نحب، تونس التي تمنعك من التعليق لأنك تلامس درجات وعي عالية يرتفع معها الأمل والتفاؤل!
المشهد الثاني
كانت تعج بالمعتصمين، ساحة القصبة، قبالة قصر الحكومة... الحكومة تحكم في الداخل والمعتصمون في الخارج ينددون بها ليلا نهارا، حديقة هايدن بارك تونسية، الكل يناقش الكل يتحدث سياسة، الكثير افترش الأرض، أغطية وملابس، بعض المعتصمين جاء من أقصى البلاد همهم إسقاط الحكومة أو السعي من أجل ذلك، فالثورة لم تنته...ما أحلى صولتك أيتها الحرية، ما أحلى أيامك، نهارك دائم ولا ليل يعقبه، شمسك أشرقت ورفضت الغروب، غال مهرك، مرتفع ثمنك، ولكن ثمراتك لا تقدر بثمن... هذه تونس التي حلمت بها، هذه تونس التي أودعت عقدين من عمري منفيا عنها، عندما ترى المشهد وتقترب من أصحابه تحس بعظمة المكان وثقل المسؤولية وتحس بصغر حجمك في هذا البحر المتلاطم...أحبك يا شعب!
المشهد الثالث
شباب المساجد ومحجبات الطريق، الصحوة مرت من هنا، لقد كتبت بعض المقالات حول الصحوة في تونس وأنا أتلمس مسارها عن بعد في بلاد المهجر، ما سترعى انتباهي وأنا أقترب منها وأحس وجودها في الأسرة القريبة والممتدة أن هناك عودة إلى رحاب التدين وخاصة في مستوى الشعائر والطقوس، ولكن الممارسة لا تزال تحمل بعض السلبيات وخاصة في باب المعاملات، ولعلي سوف أتحدث بأكثر إطناب في مقالات قادمة مستقلة عن هذه الظاهرة والعلاقة بين الدين في مستواه الشعائري والدين كمعاملة وعلاقات اجتماعية. فالصحوة تمثل حسب نظري حجر الأساس في أي بعث تنموي مستديم ونهضة حضارية لكل الأمة.
لقد تركت تونس الحبيبة وسنون الجمر تضرب التدين وأهله، عبر خطة خبيثة لتجفيف منابع التدين، لكنهم أرادوا شيئا فأغلقوا أبواب الأرض، وأراد الله غير ذلك ففتح أبواب السماء وكانت الفضائيات رغم تحفضنا على بعضها بابا لمعرفة هذا الدين وتنحية للستار الحديدي الذي نزل عليه. وأنا شديد التفائل بهؤلاء الشباب الذين قهروا الاستبداد، فوعيهم وصلابة ثقتهم في إرادتهم وحبهم لدينهم يجعل طريق البناء بصحبتهم أقل أشواكا وأيسر على مغالبة التحديات والمثبطات.
تلك هي تونس التي رأيت
مشاهد ثلاثة عجيبة أقف عندها حتى لا أطيل، مشاهد أخرى صاحبتني، بعضها لم يكن بياضا خالصا ولكن الثورة تشفع له، أقف عند هذا الحد ليبقى المشهد العام متفائلا وهو ما نريده ولا يريده لنا الاستبداد فقد حاربنا لنيأس، واجهنا لنحبط، لكننا ضللنا واقفين حالمين آملين شعارنا الذي نرفعه دائما في أيام المحنة وأيام النعمة "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"
إن الاستقلال الثاني لبلاد العرب قد بدأ من هنا، من أطراف تونس العزيزة، إن العالمية الحضارية لهذه الأمة الممتدة من أندونيسيا إلى سواحل المغرب قد كتبت بداياتها الجديدة شباب هذا البلد الطيب، إن مواطنا تونسيا عربيا مسلما أشعل ذات يوم في جسده نارا أكلت الأخضر واليابس في صحراء الاستبداد والسقوط الأخلاقي والفقر الحضاري، وأسست لعهد جديد في كل هذه القرية الكونية...هي أيام من أيام الله الخالدة...أنا تونسي وأفتخر!!!
                                                                                               ـ انتهى ـ


2011-02-23