كان يحبني وكنت أحبه...كلمات لأخ صامد فقدناه.../ الأستاذ منجي بن أم هنة

لقد شاءت الأقدار ألا يعيش حتى يشهد هذا النصر المؤزر لتونس و لثورة شباب تونس التي طالما أحبها و ناضل من أجل أن تحي حرة أبية مدى الدهر، فكانت هذه الخاطرة التي حاولت ما خلالها الكشف على شيء من نضاله الطويل ضد القمع و التسلط، وفاءا مني لروحه الطاهرة و اعترافا بنضاله و شجاعته في الوقوف كالطود الشامخ أمام جبروت النظام السابق و زبانيته رغم ما تعرض له من ظلم و اعتداء.

كنت أحث الخطى نحو البيت غير عابئ برائحة و دخان الحريق المنبعث من إحدى مراكز الشرطة و ألسنة اللهب المتصاعدة من بقايا السيارات الرابضة أمامه بعد أن أتت عليها النيران، الأنهج مقفرة والمكان تلفه وحشة خانقة و الذهن مشتت لا يستقر على شيء، صور قاتمة ترتسم في أعماق المخيلة سريعا ما تتلاشى لتعقبها صور أخرى أشد قتامة و غموضا، لقد تلقيت للتو مكالمة هاتفية من البيت علمت على إثرها أن الإذاعة أعلنت عن قرب بثها لخبر مهم و خطير يتعلق بمستقبل تونس.

ترى ما محتوى هذا الخبر ؟ لعله انقلاب عسكري أو تدخل أجنبي لقمع ثورة الشعب التونسي التي وصلت إلى أوجها ذاك المساء الموافق ليوم الجمعة 14 جانفي 2011 ؟ أو لعلها مجرد مناورة من قبل النظام لكي يعود الجميع إلى بيوتهم ثم يحكم سيطرته على الوضع بعد أن سبق و أعلن عن حالة الطوارئ و سريان منع التجول؟ لقد نزلت فئات عريضة من المجتمع التونسي إلى الشارع في مظاهرة ملتهبة منذ صبيحة ذلك اليوم بعد ما يقرب من شهر منذ اندلاع الثورة و هي مصممة أشد التصميم " الشعب يريد إسقاط النظام".

لم تدم حيرتي طويلا إذ سرعان ما وصلت إلى المنزل لأعلم أن أنباء شبه مؤكدة تتحدث عن هروب الرئيس السابق ما لبثت أن تحولت إلى حقيقة مذهلة.

لقد سقط نظام بن علي و عصابة المفسدين التي معه سقوطا مدويا حرر تونس و أعاد لها كرامتها السليبة بعد ما يزيد عن عقدين من الزمن مرت كأنها الدهر ثقلا و طولا.

في غمرة الفرحة العارمة التي اجتاحت كياني و الشعور بالراحة الذي انتابني بعد انزياح الحمل الثقيل الذي كان ينوء به كاهلي و يحبس أنفاسي، لقد كانت سنوات قاسية اقتطعت غصبا من زهرة شبابي عشت فيها أشنع صنوف التهميش و الإقصاء بعد أن رفضت عن قناعة السير في ركب النظام الفاسد، لقد كانت مقاومتي بالصمت الايجابي عندما يشتد تكالب النظام وبعدم المشاركة في الجريمة و التنديد بمرتكبيها حسب الظروف و المعطيات و من خلال دموع الفرح و النصر التي فاضت بها عيناي ارتسم أمامي فجأة وجه صديقي و أخي المناضل الحقوقي المرحوم هشام قريبع الذي وافاه الأجل المحتوم يوم 30 أوت 2010 .

لقد شاءت الأقدار ألا يعيش حتى يشهد هذا النصر المؤزر لتونس و لثورة شباب تونس التي طالما أحبها و ناضل من أجل أن تحي حرة أبية مدى الدهر، فكانت هذه الخاطرة التي حاولت ما خلالها الكشف على شيء من نضاله الطويل ضد القمع و التسلط، وفاءا مني لروحه الطاهرة و اعترافا بنضاله و شجاعته في الوقوف كالطود الشامخ أمام جبروت النظام السابق و زبانيته رغم ما تعرض له من ظلم و اعتداء.

من أين أبدأ الحكاية يا ترى ؟ لأقل منذ البداية أنه كان يتجه يسارا و كنت أتجه يمينا و لكننا كنا صديقين حميمين نتفق على مساحة واسعة من المبادئ و القيم الكونية التي تتجاوز حدود المكان و الزمان، الإخاء والعدالة والمساواة و الحرية كلمات كثيرا ما كانت تتردد على لسانينا، كنا لا نختلف إلا في شيء واحد، كانت له نظرته الخاصة للدين و كانت لي قناعتي التي لم يحاول يوما أن يثنيني عنها بل كان يحترمها حتى أنه كان كثيرا ما يذكرني مبتسما أن الموعد المتفق عليه بيننا للقاء يوافق يوم جمعة لعلمه أنني لا أتخلف عن موعد الصلاة لأي سبب من الأسباب.

تعرفت عليه صدفة في أواخر التسعينيات، كان يدير مكتبا للتكوين و البحوث و الدراسات و كنت صاحب مكتب لمسك المحاسبة و أستاذا جامعيا متعاقدا أدرس بإحدى المعاهد العليا في علوم المحاسبة.

عرض علي أن أتولى تنشيط الدورات التكوينية التي كان ينظمها و حين توطدت العلاقة بيننا عرض علي أن أتولى مسك حسابات مكتب التكوين الذي يديره فلم أمانع.

أذكر أننا تناقشنا ذات يوم بعد أن توطدت صداقتنا حول الوضع في البلاد و قادنا الحديث أن نستخلص أن البلاد تحكمها عصابة من اللصوص تنهب خيراتها بدون وازع أخلاقي و لا رادع قانوني يلجم من جشعها المتزايد و تمتهن كرامة شعبها لتحرمه من أبسط حقوق المواطنة الكريمة.

قال لي يومها لعلي أسبب لك بعض المتاعب إذ كما تعلم فأنا ناشط سياسي و حقوقي مراقب من قبل البوليس و لا أظنه يغفل عن ترددي إلى مكتبك بين الحين و الآخر بل و لكي أكون صادقا معك و أبرئ ذمتي مما قد يحصل لك بسببي، لقد شعرت في العديد من المرات أن أحدهم كان يتبعني و لا يتركني حتى أدخل مكتبك فهم يشكون أني كنت وراء التحقيق الميداني عن العائلات التي تنهب تونس.

قلت له اطمئن يا صديقي سأعرف كيف أدافع عن نفسي فأنا أمارس مهنة حرة و من المفروض ألا أسأل الحرفاء عن انتماءاتهم السياسية قبل أن أتعامل معهم فنحن خبراء مستقلون لا نمارس السياسة، على الأقل من الناحية النظرية.

ثم إني أسكن قريبا من مكان عملي و أمر يوميا أمام مركز الشرطة و مقر الشعبة الترابية للتجمع فهم يعلمون عني كل شيء و يعرفون أني أصلي بجامع الحي و غالبا ما أحضر صلاة الفجر كما يعرفون أن زوجتي محجبة حتى أن أحدهم دعاها يوما إلى مركز الأمن و فتح معها تحقيقا في الموضوع علم من خلاله أنها لا تعمل و لا تنتمي إلى أي تنظيم سياسي و أنها ترتدي الحجاب عن قناعة شخصية لا أكثر و لا أقل.

ثم أضفت مداعبا لعلنا نشتت أفكارهم و نجعلهم في حيرة من أمرهم فدعهم يبحثون عن سر هذا التعايش بين اليمين و اليسار من خلال صداقتنا.

كان المرحوم هشام قريبع مثالا في الاستقامة و الأخلاق و حسن المعاملة، يحترم الذات البشرية و يرتفع بها إلى أسمى المراتب. كان أكثر شيء يزعجه ما يمارسه النظام القائم من أبشع صنوف التعذيب لكل من يعارضه أو يخالفه الرأي في شأن من شؤون البلاد أو العباد.

حدثني هشام ذات يوم قال : لقد امتدت أيدي العصابة إلى نهب التراث و الاعتداء على التاريخ فقد عمد المجلس البلدي الموقر بالضاحية الشمالية تحت سطوة هذه العصابة الحاكمة إلى إعادة تصنيف بعض الأراضي ذات الصبغة الأثرية لتصبح أراض صالحة للبناء، فهل يعقل أن نبني الدور و نشيد القصور في أماكن تحوي آثارا ترجع إلى ما يقارب ثلاثة آلاف سنة، المجرمون، لقد تركناهم يأكلون و يتناسلون كالبهائم و ها هم يعتدون الآن على ذاكرة البلاد و حضارتها، فقد تعرضت العديد من المواقع الأثرية إلى النهب و السرقة ، حتى المتاحف الوطنية اعتدوا عليها و حولوا العديد من الأعمدة و الفسيفساء و اللوحات و القطع الأثرية النادرة إلى منازلهم المشيدة أصلا فوق أماكن أثرية، كما عمدوا إلى بيع ما تبقى من التحف و الكنوز الأثرية إلى شركات تهريب آثار أجنبية بأثمان لا تتناسب و قيمتها التاريخية، سوف لن أسكت عن ذلك و سأحاول بطريقتي فعل ما أستطيع فعله، لقد باعوا كل شيء ، حتى التاريخ و الحضارة ، سوف أشكوهم إلى منظمة اليونسكو.

أعذرني يا صديقي هل من المنطق أن يبني طاغية قرطاج جامعا فوق منطقة أثرية، أضاقت عليه الأرض ؟ ألم يجد مكانا آخر لبناء هذا الجامع الذي أطلق عليه اسم العابدين ؟

أجبته على الفور وقد فهمت ما لم يصرح به مباشرة، إن الرجل لم يستشر أحدا في بناء هذا الجامع بل لقد بلغني أنه فعل ذلك لغايات أخرى، أنت تعلم أنه لا يهتم بالدين بل هو من ألد خصومه، فعل ذلك ليتجنب التنقل في المناسبات الدينية إلى جامع الزيتونة حيث لا يشعر بالأمان في مكان تحيط به الأسواق و المنازل من كل جانب، ثم و كما تعلم لعله قدم بناء الجامع ليغطي بذلك عن المشاريع التي ينجزها صهره بلحسن الطرابلسي بمنطقة "المعلقة" و بالمنطقة الأثرية المحاذية لقصر قرطاج و كذلك المنطقة التي شيد فوقها قصره بسيدي بوسعيد.

رن جرس الهاتف ذات يوم من صيف سنة 2001، لقد كان صوت هشام مضطربا متشنجا، لم يزد أن قال، أعرف أنك في عطلة فهل لديك بعض الوقت لكي أراك و لو لبضع دقائق ؟ طبعا طبعا أنا مستعد و لكن ما الأمر ؟ لا، لا يمكن أن نتحدث بالهاتف.

لقد فعلها المجرمون، خلعوا مكتبي و سرقوا بعض محتوياته، كانوا يبحثون عن مناشير أو وثائق لتوريطي قصد محاكمتي و الزج بي في السجن بعد أن تحركت منددا بقضية نهب الآثار و الاعتداء على المناطق الأثرية و تعذيب المساجين السياسيين.

الأغبياء لقد سرقوا جهاز الكومبيوتر و بعض صناديق الأرشيف لظنهم أني احتفظ بشيء ما بذاكرة الجهاز ،لم يستطيعوا أن يلفقوا لي تهمة حق عام كما فعلوا مع الآخرين لعلمهم أن الرابطة و بقية الإخوة لن يسكتوا عن ذلك و سوف يخسرون أكثر مما سيربحون، لكن لا بأس لقد قرب الخلاص من الطاغية فها هو العالم الحر من الداخل و الخارج يقف صفا واحدا للتنديد بممارسات هذا النظام الدكتاتوري الفاسد.

قلت له في معرض حديثي، إن هذا يذكرني بمطلع قصيدة المنفرجة لابن النحوي نظمها بعد خروجه من بـلدته توزر لاعتداء واليها عليه وتـأميم أملاكه.

اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي *** قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ وَظَلامُ اللَّيلِ لَهُ سُرُجٌ ***حَتّي يَغشَاهُ أبُوالسُرُجِ

نظر إلي هشام ولم يتكلم، فتابعت يخاطب الشاعر الضيق والظلم والأزمات ويعدها بالانفراج ،بعد أن لاحت إشارات انبلاج الصباح ثم يؤكد إن الليل يعقبه النهار وإن الظلام مهما كان دامسا فان لليل سراجه الذي يزيل حلكته ،ولن يلبث حتى يلفه الفجر أبو الأنوار.

كثيرا ما كنت أتمثل له بأبيات من الشعر عن قصد، كي ألفت انتباهه إلى ذاك التراث التليد لهذه الأمة الأبية و مدى مشاركتها إلى جانب بقية الأمم نضالاتها في توقها إلى الحرية و الكرامة و هو ابن القيروان، قيروان الحضارة و التاريخ.

كان المجتمع المدني و دعاة حقوق الإنسان بالداخل والخارج يضغطون بشدة و كانت الدائرة تضيق حول رقبة هذا النظام الفاسد، و الفجر يوشك أن يبزغ .... و فجأة يهتز العالم بأسره تحت وقع أحداث 11 سبتمبر 2001.

خفت صوت مؤسسات المجتمع المدني العالمي و هيئات حقوق الإنسان في كل مكان وانبرى الغرب بقيادة أمريكا في حرب مجنونة ضد تنظيم القاعدة أطلق عليها مصطلحا فضفاضا "الحرب على الإرهاب" لتحقيق أهداف إستراتيجية لعل أهمها الاستحواذ على البترول العالمي و التخلص من نظام صدام حسين الذي لم تغفر له أمريكا ضرب حليفتها إسرائيل بالصواريخ في عمق أراضيها.

كانت الجريدة ترتعش بيده و هو يقول : لقد نجا المجرم بن علي، فبعد أن كان محل تتبع من أجل ارتكابه جرائم تعذيب وجرائم ضد الإنسانية ها هو يصبح مرجعا يشهد له ببعد النظر و استشراف المستقبل ومحل تبجيل وتقدير من قادة العالم الكبار، أنظر ماذا يكتب هؤلاء المطبلون، لقد استغلوا هذا المعطى السياسي الجديد الذي جادت به القوى الظلامية التي تعمل تحت إمرة أسامة بن لادن للتفاخر بأن زعيم عصابتهم بن علي كان أول من نبه إلى محاربة الإرهاب والتطرف و ها هم يذكرون بالاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لسنة 1998 التي كانت حجة عليهم لتصبح حجة لهم، لقد ضاعت الفرصة و لا أدري إلى ما ستؤول إليه الأمور، سيعبثون بالدستور مرة أخرى و سيزيدون من تسلطهم و جبروتهم.

لم يترك لي صديقي هشام ما أقوله، لقد أتى على كل شيء، كنت أتفق معه في كل كلمة نطق بها.

ودعني ذلك اليوم و هو يقول سوف نعيد كل شيء من جديد آخذين بعين الاعتبار هذا المعطى الجديد... لكن لن نستسلم.

لم تتأخر نبوءة صديقي هشام أن جاءت كفلق الصبح فخلال النصف الأول من سنة 2002 دعا نظام بن علي إلى استفتاء و صف بالمهزلة لتنقيح الدستور تم بمقتضاه إلغاء تحديد النيابات للترشح إلى رئاسة البلاد ومنحت حصانة لرئيس الجمهورية لاحقة لمباشرة ولايته وتم الترفيع في السن القانوني للترشح إلى 75 سنة، لقد فصل الدستور على مقاس الطاغية، هكذا علق هشام مستاءا.

ثم طالت أيادي العابثين المجلة الانتخابية ليتم من خلال تنقيحها تجريم الإدلاء بتصريحات خلال الحملة الانتخابية إلى الفضـائيات الخـارجية التي من شأنها التشكيك في مصداقية الانتخابات أو نزاهتها أو الحديث سلبياً عن المترشحين.

كافح هشام بكل ما أوتي من قوة وجاهد جنبا إلى جنب مع نشطاء حقوق الإنسان وقوى المعارضة الحقيقية في تونس بمساندة بعض القوى الحية الخارجية.

لم تكن النتائج بقدر التضحيات لكن الرجل كان مرتاح البال لم يفت في عزمه شيء و لم تخبو جذوة الثورة و النضال بداخله، لقد انتهى به المطاف إلى غلق مكتبه بعد أن ضيقوا عليه و منعوا المؤسسات العمومية من التعامل معه و سلطوا عليه سيف المراقبة الجبائية تحمل بموجبها دفع بضع عشرات من الملايين على أقساط إلى خزينة الدولة.

بعد مشاورات و نقاشات مطولة اقترحت عليه أن يغير ميدان نشاطه إلى قطاع لا يرتبط بمصالح الدولة و أن لا يسهم في رأس مال الشركة الجديدة إلا بنسبة ضئيلة، فكان أن بعث شركة لكراء السيارات يتكون أغلب حرفائها من الأجانب و بعض التونسيين من العاملين بالقطاع الخاص.

كان حريصا على دفع الضرائب و يعد ذلك عن اقتناع إسهاما منه في إنجاز بعض مشاريع البنى التحتية و في توفير جرايات و رواتب الأساتذة والأطباء و أعوان الأمن و غيرهم من الموظفين الذين لا مورد لهم إلا ما توفره الدولة من جرايات قد لا تكفي بعضهم متطلبات الحياة، كان يفعل ذلك و لسان حاله يقول، أعرف أنهم لصوص غير أمناء و أن العصابة التي ما انفكت تتوسع و تستولي بطرق شيطانية على كل القطاعات الاقتصادية للبلاد تفتك بنسيجه كالأورام السرطانية.

كان صديقي هشام يمدني ببعض ما يعلم عن هذه الفئة التي تعرف اصطلاحا بعصابة "الطرابلسية"، وكنت بمقتضى عملي أحدثه بما أعلم عن هذا الأخطبوط الذي بسط أطرافه على مختلف القطاعات الصناعية و التجارية و الخدماتية.

عصابة من الوحوش المفترسة جثمت بكلكلها على البلاد التونسية واستطاعت أن تنهب حوالي أربعين بالمائة من مواردها الاقتصادية وأفلحت في إحكام قبضتها الحديدية على كامل دواليب الحكم متوخية أسلوب الاختلاسات والأنشطة المشبوهة والمتحررة من كل الضوابط.

ليلى الطرابلسي " سيدة تونس الأولى" رأس هذه العصابة إذ كانت تعمد إلى إجبار أصحاب المشاريع الناجحة مشاركتهم أهل بيتها دون بذل اعتمادات مالية أو مادية كما كانوا يستحوذون على مشاريع استثمارية بدون دفع مقابل.

أسماء من أمثال بلحسن الطرابلسي و صخر الماطري و مروان المبروك وارتباطها بمشاريع كبعث معارض للسيارات و تشغيل الهواتف الجوالة "أورانج"، و "تينيزيانا" و شركة طيران قرطاج و إذاعة "موزاييك"و قناة و بنك الزيتونة ، كثيرا ما كانت تتردد على لسان صديقي هشام قريبع لا ليمدحها و لكن ليندد بها و يصنفها في خانة عصابة المفسدين التي تنهب مقدرات البلاد.

لا يمكن أن انهي كلامي دون أن أعرج عن موقف صديقي هشام من "التجمع الدستوري الديمقراطي" و النخب التونسية التي كانت تنتمي إليه، كان يضحك حين يأتي على ذكر كلمة الديمقراطي و يحتقر تلك الفئة التي تسمي نفسها نخبة المجتمع من أبناء التجمع و يندد بتهافتها في طمع مفضوح حول موائد عصابة المفسدين.

أذكر أننا تقابلنا بعد انتخابات 2009، علق هشام متهكما و كان مريضا لقد فاز بن علي بالانتخابات بنسبة 89,6 بالمائة من أصوات الناخبين مقابل منافسيه الثلاثة من المعارضة الكرتونية ليكسب بذلك خامس فترة لرئاسة البلاد و فاز التجمع الدستوري الديمقراطي في انتخابات مجلس النواب التي تزامن إجراؤها مع الانتخابات الرئاسية بـ161 مقعدا من مجموع 214 مقعدا في المجلس. لقد أصبح بن علي يحتل المركز الرابع في ترتيب دكتاتوريات العالم الثالث.

ألم بصديقي هشام مرض مفاجئ، تألم في صمت، قاوم المرض برباطة جأش، كنت على اتصال دائم به عبر الهاتف بعد أن منع الطبيب الزيارة عنه كي لا يثقل عليه الزوار و قد علم أنه لا يسكت عن الخوض في هموم الوطن و ربما ينفعل بعض الشيء عندما يلقى الأحبة و الأصدقاء.

زارني في مكتبي ذات يوم و قد تعافى بعض الشيء، أطل بوجهه الباسم الذي كان يعتريه شحوب من أثر المرض، أسرعت إليه معانقا شاكرا الله على السلامة و قد كنت ألقاه مصافحا.

تحادثنا في بعض الشؤون الخاصة، قال لي اسمح لي يا صديقي أن أوصيك ببعض الأشياء التي تهم عائلتي، قاطعته مستنكرا لا تقل هذا الكلام فستعيش بإذن الله فما زالت تونس في حاجة إلى أمثالك من رجالها الصادقين الأوفياء. " ستعيش رغم الداء و الأعداء كالنسر فوق القمة الشماء"

نظر إلي نظرة شاردة عميقة و قال : لن نخسر شيئا في هذه الحالة، كان كلامه كلام مودع و أضاف لما نهض مسلما ليفعل الله ما يريد، نظرت إليه و لم أتكلم، فهم كعادته ماذا قصدت من صمتي و أضاف نعم هي مشيئة الله التي لا حول و لا قوة لبشر أمامها. كان مؤمنا أشد الإيمان بقضاء الله و قدره، عانقته متمنيا له السلامة و العافية و طول العمر حتى يرى تونس مزدهرة تنعم بالحرية و الانعتاق.

كان متواضعا صاحب مبادئ ثابتة و أخلاق عالية، صادق الوعد، حلو الحديث، كريما، مثقفا جامعا، وكانت هذه الخلال و غيرها مما حباه الله به من الشمائل مما قربه إلى نفسي، وحببه إلى قلبي، فصرت أتوق إلى لقائه‏.

كنت أحبه من كل قلبي و أحترم آرائه و مواقفه و أحدث عنه في كل مكان كأنموذج للمواطن المثالي، كان يدرك ذلك بفراسته و ذكائه الخارق فيبادلني حبا بحب و ثقة بثقة.

كان صريحا لا يخشى في الحق لومة لائم، قال لي ذات يوم لا أنكر أنك عدلت من نظرتي إلى الدين ، أنت تعرف يا صديقي أن أكثر ما يزعجني في هذه المسألة الوصاية التي يحاول بعضهم ممارستها من خلال التحدث باسم الدين و تكفير الآخر لأتفه الأسباب و أنا اشهد أنك لست كذلك.

كانت هذه الخلال التي أتيت على ذكر البعض منها و هذه العينات من نضاله الطويل من أجل ترسيخ قيم الحرية و العدالة و المساواة خطوط قصار من عظيم صفاته و مظاهر حبه لهذا الوطن، أما حقيقة ما كان عليه فأمر لا يمكن أن تترجمه سطور أو يحويه كتاب.

رحم الله المناضل هشام قريبع و غفر له واسكنه فسيح جنانه إنه على كل شيء قدير.

خبير محاسب



2011-04-12