الإسراء والمعراج ومنظومة الأخلاق والقيم/ د.خالد الطراولي


تمر بلاد المسلمين هذه الأيام وخاصة بابها العربي بمرحلة خاصة ودقيقة تدفع إلى ارهاصات بناء جديد في مستوى الأوطان والحضارات، وتلتحق بهذا الركب بين الحين والآخر ومضات مشرقة تنطلق من أعماق تاريخهم، تذكرهم وعلي طوال السنين، أنهم أبناء حضارة، وأن الليل وإن طالت خيمته، فالفجر له بالمرصاد، وإن رأيت الصحراء تمتد فوراءها جنان خضراء.
تأتي ذكري الإسراء والمعراج هذه الأيام والأمة في مخاض لتذكرهم بمبادئ البناء السليم في الشهود الحضاري وعلاقة الأرض بالسماء من خلال منظومة الأخلاق والقيم.
إن العلاقة الأفقية التي ينحتها الإسراء بين الأرض وأطرافها، تؤكد علي مبدأ الامتداد الرمزي لرسالة الخير والتعارف والسلم، لم يذهب الرسول الكريم (ص) إلي القدس الشريف وهو يصطحب الملائكة ليرج قواعد أهلها ويسفك دماء ذويها ويعيدها طوعا أو كرها إلي ربقة الإسلام، كانت الإسراء لقاء بين كل الأنبياء في حضرة خاتمهم، كان تعارفا بين قيادات الدين الواحد، وإشارة رمزية إلي لقاء الأقوام والأجناس والثقافات.
كان الإسراء إشارة ذكية في بداية بناء قواعد هذا الدين، أنه دين التعارف واللقاء والسلام، وأنه امتداد لنفس ينبوع الخير الذي استسقت منه الأقوام السابقة لما تبنت خطاب رسلها ومصلحيها. لم يحمل الإسلام إلي هذه الأرض الطيبة، أرض فلسطين الطاهرة، وهو يطأ رمالها ويعبر آفاقها رسالة اعتداء وجور واستحواذ، لم يقل جئنا بشعب بدون أرض إلي أرض بدون شعب، ولم يقل أتيناكم بنبي إلي أرض بدون أنبياء، بل احترم من سبق واعتبر ذاته جزءا من نسيج جماعي تشكلت أطرافه عبر تاريخ وجغرافيا لأقوام سابقين ولاحقين، فكان قدوة ونموذجا لأهله قبل جيرانه. وكان سلما لقومه سلما للآخرين!
إن العلاقة العمودية التي يبنيها المعراج بين الأرض والسماء ليفرض علي الأمة هناك علاقة وطيدة بينها وبين خالقها تمثلت في صلوات يومية، تذكّره بأن خلاصه علي الأرض مرتبط بحسن علاقته بالسماء، وأن وجوده علي الأرض بدون هذه الهداية وهذا اللطف الرباني، مجلبة لكثير من المتاعب والسقوط. لقد أثبت المعراج ركنا جديدا لأي نجاح وفلاح دنيوي، أو بمفهوم أقرب إلي أيامنا، أن أي شهود حضاري لهذا الإنسان ممثلا في أمته، ولهذه الأمة ممثلة في أفرادها وأوطانها ومدنها وقراها وأحيائها، لا يمكن أن يكون سليما، معافي دائما ومتجددا ومبدعا، إذا لم يتمثّل البعد الروحي والأخلاقي والقيمي في مسيرته نحو التمدن والتقدم والتحضر، التي تمثل مسيرة نحو الله.
إن هذا البعد الروحي والأخلاقي والقيمي، وهذه العلاقة الوطيدة بين السماء والأرض، يشكلان حسب زعمنا أساس أي بناء سليم للظاهرة الإنسانية بأبعادها النفسية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. لن يكون أي بناء نبذ هذا البعد واستبعده، إلا أعرج في التنظير، أعرج في الفكرة والرؤية، يؤدي إلي عرج في التنزيل والممارسة، حتي وإن خفي هذا العرج في بداية الطريق لتواجد عناصر أخري دافعة ومهيمنة ومغيبة لحين لتأثيرات هذا الغياب.
لقد غابت أخلاقنا وقيمنا في السياسة يوما وفتكنا بالحبل الروحي الرابط بين السماء وأرضها، ونسينا أو تناسينا سورة بأكملها عنوانها الشوري، فتهيّب الفقيه وخرج علينا بأنشودة جديدة عجزت عنها حتي مزامير سليمان فجعل الشوري مخبرة وغير ملزمة. ولا يزال هذا اللحن تتلقفه بعض الألسن والآذان...
وطغي حاكم البلاد واستخف قومه وفرض علي الأمة تاريخا وجغرافيا، تأويلا غير أخلاقي ولا روحي للشوري، فجعل سلطاته تُورّث كما يُورّث بيته وأملاكه، حتى جاء المدد من الأرض قبل السماء وانفتحت أبواب الثورات!
وسكنت الرعية ورفضت الوقوف أولا، خوفا عند بعضها وطمعا عند البعض الآخر، ثم عجزت حتي عن رفع ظهورها عن الانحناء، وكأنها لم تر وقوفا في حياتها، فأطلت علي الأمة أجيال ولدت منحنية وشابت منحنية وشاخت منحنية ودخلت قبورها ولم تر السماء ! حتى استفاق المارد من غيبوبته ولو بعد قرون...
وغابت الأخلاق والقيم في البيت قبل الشارع ، فنالت نساؤنا أكبر مظلمة شهدها تاريخنا، جنس كامل أخرجناه بدون حياء من التاريخ، وأدخلناه في متر أو أقل من الجغرافيا الحزينة والمظلمة، في زوايا بيوت وأركان غرف. نصف المجتمع ميت ونصفه الآخر مصاب بالشلل وصاحب الجسد المفقود يريد الشفاء وهو يحمل آيات الأموات.
إن معراج التحضر لن يكون صائبا، إذا لم يتدعم بهذا البعد الروحي والأخلاقي والقيمي في كل حركاتنا وسكناتنا، في كل مشوار صاعد نحو الرقي، نحو التحرر، نحو الله ! لن ينالنا ولا ينال أحفادنا حبة خردل من حضارة مزعومة، والقتل والإرهاب والفضاعة والأذى ترج أطراف البيت، دون علم ووعي، دون حق وخلق، ودون نقل وعقل ! لن نفهم رسالة المعراج الحضارية إذا لم نفقه أن بناء الحضارات لا يتم في الصخب والضوضاء [حين يراد الالتفاف على الثورة]، ولا بأيد مريبة ملطخة بالباطل والجور والاعتداء وبحسابات ضيقة وأجندات مسقطة، ولا بفرقة ناجية يتيمة وكل الناس في النار!
إن الحضارة إسراء بالإنسان الضائع المغلوب علي أمره، نحو الإنسان الصالح المصلح، والحضارة معراج نحو المطلق، بهذا الإنسان السليم، الحامل في بنائه عناصر الروح والمادة والأخلاق والقيم. وتلك إحدي رسائل الإسراء والمعراج إلي الإنسان الفرد والإنسان المجموعة وطنا كان أو أمة، ومهما شرّقت أو غرّبت نجومها الطارقة، رسائل عدل وحرية وإبداع وإحسان.

2011-06-07