المقامة "الحراّقية": البحر المتوسط يقدم قضية ضد مجهول/ ليلى بوعبيد



اسمي بحر، وكنيتي الأبيض، ومن اعتلاني دعاني المتوسط، هكذا سجلوني بدون عنوان، في سجلات الإنس والجان.

المقامة "الحرّاقية" : البحر المتوسط يقدم قضية ضد مجهول

ليلى بوعبيد*

ما اسمك؟

اسمي بحر، وكنيتي الأبيض، ومن اعتلاني دعاني المتوسط، هكذا سجلوني بدون عنوان، في سجلات الإنس والجان.

ما هي هويّتك؟

إنني مزدوج الهوية؛ خليج وجبال، صحراء وكثبان رمال، ثلوج وعواصف وأمطار، أسمر أبيض وبدون ألوان.

كم عمرك؟

لا أدري، بدأت قطرة تروي العطشان، ثم سرت سيلا يروي السهول ويغطي الكثبان، ثم أصبحت بحرا يهابني الشجاع والجبان، عمرى من عمركم وأنا شاهد عليكم، فأين المفر، إن قلتم نحن هنا قلت أنا وراءكم، إن قلتم نحن هنا قلت أنا أمامكم.

مما تشتكي؟

أنا يا سيدي القاضي؛ عرفت من قديم الزمان بمقرّب الأوطان وصديقا للصياد والربان. لقد ربطت الشرق بالغرب، والثلوج بالكثبان، كنت معبرا لكل الحضارات و شاهدا لقصة الإنسان، لقد عشت كل الأديان وأجملها الإسلام، امتطى ظهري العالم والمتعلم والحيران. إني الجود والكرم لكل الركبان...

ولكن الآن أرى شيبا وشبابا يتوافدون عليّ، في قوارب خشبية، لا تحتمل حتى نصف الكمية، لست أدري هل هم من بني الإنسان، أم قطعان أغنام. حتى منظمات حقوق الحيوان، وقفت أمام "الفينومان" مندهشة بدون لسان.

يا سيدي القاضي؛ لقد أقض مضجعي، عويل نسوة حيارى، على الشاطئ سكارى، يبكون صبيا مفقود، ولاعنين لبحر ممدود، وشاهد ومشهود.

يا سيدي القاضي إن العين لتدمع والقلب ليخشع وإنني والله لمظلوم .

والآن فوق الشواطئ الساحلية تتهادى قوارب أجنبية، قيل لي إنها أتت لتحمي القضيّة. وأنا أحمل الناس دون روية، فلا أدري هل هي استراتيجية أم مناورة خارجية.

يا سيدي القاضي؛ أتيتك لتأخذ لي حقي من ذوي البشر. فاحتار عقلي ودليلي فبأي معيار يكيل أهل البَرّ، هل برحمة وخوف من رب البشر، أم بقلوب من حجر.

لا يا سيدي لم تنته القضية، ولكن قد جن الليل عليّ، وضيوفي في طريقهم إليّ، وللحديث بعض بقية.

*عضوة حركة اللقاء


2011-08-21