قلتم تونس للجميع، فهل لي نصيب فيها؟

 

لما غادرْنا الاستبداد أو غادرَنا كانت شعارات ثورتنا تحملها الصدور العارية والعقول الواعية ...الكرامة للجميع...الشغل استحقاق...الحرية ثم الحرية

بحثت اليوم من كُوَّة بيتي المسكون بالأشباح عن عناوين ظننتها ظلت الطريق حتى ترشدني أو أرشدها...بحثت عن الحرية فوجدت بابها يحمل أزيزا عند فتحه ولا يحمله عند غلقه، وسامح نجار الحي وحداده...

بحثت عن الحرية وجدتها تترنح تارة وتقف أخرى...وجدتها في دردشات صالونات الشاي والمقاهي الممتدة خارج الرصيف، حديث الثرثرة عند حلاق الحي أو على المباشر مع سائق التاكسي، أو على ورقات بعضها صفراء أسموها صحفا مكرمة، أو في كلمات على الهواء تلعن تشتم تزدري تنصح، الكل على ظهر الآخر ونسيت "حدبتها"...

بحثت عن الحرية فوجدتها ركاما من مزابل ومستنقعات، الكل يريد نظافة مكانه ويسعى الى إساخة الآخرين، إن كان في سيارته ألقى بقارورة الماء من النافذة فهو حر نظيف في سيارته، وسخ عند الناس، إن كان في منزله أخرج زبالته ومكنها من جدار الجار، نظيف في بيته، ظالم للجيران...

بحثت عن الحرية فوجدتها في الطريق ملقاة على الرصيف، قانون الغاب أواللا قانون يحكم سيارات مجنونة يسوقها رجال ونساء تلمح عليهم صفة البشر، شوارع وأنهج وأزقة تحمل فقاقيع تشكو ظلم العباد...شوارع الداخل إليها مردود والخارج منها مولود...

بحثت عن الحرية فوجدتها تترنح في معاقل الإعلام، تشويه، وتعيين وضوضاء وحسابات كثيرة عنوانها ايديولوجي خالص وموعدها الانتخابات...حرية جميلة ولا شك ولكنها تلامس في الكثير منها حالات التنفيس والتفريغ لشحنات التوتر والغضب المتراكم، ثورة على الباب أم باب على الثورة؟

واصلت طريقي أبحث عن الكرامة، كرامة فرد ووطن، وجدتها تسكن بقاعا وغاب عنوانها في بقاع أخرى... وجدتها في علم يرفرف فوق الرؤوس شامخا وفي ظله أناس يحملونه بصدق ويبكون عندما يصطحبه نشيد الوطن... وجدتها في الأعراس والأفراح، كلنا لتونس وتونس للجميع...أنا تونسي وأفتخر.

ثم غابت عني وغاب عنوانها، لم أجدها عند طابور العاطلين الذين استوقفوني وهم يقسمون بانتمائهم لهذا الوطن...لم أجدها عند أبواب أكواخ استحييت دفعها خوفا أن يسقط البناء، أطفال رضع، وبهائم رتع، وشيوخ تبحث لنظراتها عن مكان...تاريخ يريد أن يتوقف وعجلة الزمان تدفعه نحو النسيان.

وتقدم بي المسير نحو السراب...سألتهم ماذا تريدون، لماذا تصرخون، قالوا نحن معشر العشاق، نريد وصلا بثورتنا، نريد يوما غير أمسنا، نريد أن لا نرى وجوها شاحبة لازلنا نمسي عليها ونصبح، وقد سودت أمسنا وكانت بوابة فساد وإفساد وجور وبهتان...

وترنح المصير وتوقف المسير أمام يافطة كتب عليها بالخط الغليظ "وتلك الأيام نداولها بين الناس..."


2012-09-20