مقاربـة إسلامية للإقتصــاد والتنميــة / الجزء الثــاني/ د.خالد الطراولي


 الإسلام و التنمية و البحث عن الذات
إذا كان التنظير التنموي السائد يغلب عليه الطابع الليبرالي في تاريخه و حاضره (من كلاسيك و كينزيين و نقديين) فإن انحسار المقاربة الماركسية و ذبولها بعد انهيار القطب الاشتراكي جعل بعض المفكرين يتحدث عن هيمنة الفلسفة الليبرالية و حتى عن نهاية التاريخ كما يزعم فوكوراما[[1]]. و أصبح همّ الفرد و الجماعة في كل أنحاء العالم الزيادة في الاستهلاك و الإنتاج، يقول سارج لاتوش "إن التنمية تعني في المفهوم العام مستوى عيش و رفاهية للجميع و هي تعني لدى جماهير العالم الثالث (بما فيهم روسيا و حليفاتها) قوة استهلاك مماثلة للأمريكي المتوسط و لدى حكوماتها الدخول إلى نادي البلدان العظمى (بامتلاك القنبلة الذرية)."[[2]]
و في ظل هذه الهيمنة الليبرالية على طرح موضوع التنمية، ظهرت منذ السبعينات، محاولات لبعض المفكرين الإسلاميين لتحديد مفهوم جديد للتنمية الاقتصادية، من خلال الرؤية الإسلامية للاقتصاد.
و قد غلب على هذه النظرة الإسلامية، عدم حداثتها وعدم اختلافها الجوهري عن الرؤية الليبرالية. فكانت مفاهيم التنمية المطروحة ليبرالية البناء و الهدف في إطار أخلاقي إسلامي، مما أفقد الفكر الإسلامي تَمكنه بين أدبيات التنمية، و تطلعه لتمثيل البديل العالمي المنتظر، في مواجهة أطروحات التنمية المهيمنة، و غيابه في الندوات العالمية و البحوث التنموية. يقول غارودي في حديثه عن الغرب  : " لا يمكن لنا (الغرب) أن نغير علاقاتنا مع العالم الثالث إلا إذا تحققنا من أن هناك شيئا يمكن أن نحفظه عنهم "[[3]].

التنمية في الفكر الإسلامي الحديث
فالتنمية الاقتصادية في الإسلام حسب ناصر عثمان " تتمثل في إقامة المجتمع الذي يفي بتحقيق أعلى مستويات الإنتاج لتحقيق أعلى مستويات الاستهلاك، في ظل تقوى الله "[[4]]. و هي لا تختلف لدى شوقي دنيا [[5]] عن المفهوم الوضعي، إلا لكونها أداة لنشر الخير و العدل و السلام و الحق في أرجاء الأرض. وهي تهدف إلى تحقيق تقدم مادي غير محايد للقيم لدى منذر قحف [[6]]. و هي ملازمة لتنمية الإنتاج و تنمية ثروة المجتمع حسب عفر[[7]]. و يسعى النجار إلى تبديد أي اختلاف للرؤية الإسلامية عن أخواتها " فإن هذا المفهوم (المفهوم الإسلامي للتنمية) لا يختلف كثيرا عن مفهوم التنمية الاقتصادية في الفكر المعاصر"[[8]].
وهذا ما جعل محمد علي القرى [[9]] في استعراضه للكتابات المعاصرة للتنمية في الإسلام، يخلص إلى أن " المفهوم الوضعي للتنمية الاقتصادية يشير إلى نوعين رئيسيين من الأهداف المحتملة لعملية التنمية الاقتصادية، الأول يتعلق بتحسين مستوى الدخل الفردي الحقيقي، و الثاني يتعلق بتحسين مستوى العدالة في توزيع الدخل، و تتصدى أكثر الأهداف التي يتحدث عنها الكتاب المسلمون تحت هذين النوعين الرئيسيين".
وهكذا أضحت التنمية الاقتصادية تعني مجموعة مؤشرات وجب رفعها و تقنيات حديثة وجب إدماجها من أجل عطاء أكثر و إنقاص لتكاليف الإنتاج. و هذا يعني كذلك أن الاقتصاديين الإسلاميين لم يتحرروا من نظرية الملاحقة التنموية، التي أوجدتها المدرسة الكلاسيكية، و التي تفيد أن عدم التنمية يعني حالة تخلف، يجب تجاوزها إلى حالة أرفع و أحدث، و تؤكد صحة مقولة " بأنه لا خلاص خارج التنمية ".
إن التنمية مصطلح حديث، و هي حالة تاريخية وقعت في مجتمع له ميزاته الثقافية و دياناته و معتقداته الفكرية، و في ظل استعمار عالمي، و استيلاء لخيرات العالم المحيط و تحطيم لكل بناه الداخلية. و قد حاولت عدة أطراف بعد الاستقلال السياسي لهذه البلدان، ومن خلال قضية التنمية و عبر تركيزها على الجانب الاقتصادي و تهويله، و تقزيم الأبعاد الأخرى، حصر كل الواقع الاجتماعي في جانبه المادي، الذي تحول إلى كمّ، ثم إلى رقم حسابي.
إن التحرر الفكري من أجنبيية المشروع التنموي الحالي، يجب أن يُفهم على أساس أن التخلف هو عملية مسخ فكري و ثقافي لسكان العالم الثالث، تَمثل بداية في الاستحواذ المباشر[[10]]، والذي تواصل من خلال التغريب الفكري المتمثل في التنمية. ورغم أن الاقتصاديين الإسلاميين عند تحديدهم لماهية التخلف قد تعرضوا لهذا البعد الفكري و الديني، غير أنهم عجزوا عن بلورته إلى مفهوم آخر وحديث للتنمية يكون مخالفا تماما للمفهوم المهيمن. فعفر[[11]] يرجع التخلف إلى انحراف قيم و معتقدات مجتمع اليوم، و شوقي دنيا[[12]] إلى إعراض عن تعاليم الله، و زوال للقيم الصالحة التي يريدها الله.
و يبدو أن العجز يعود أساسا إلى النظرة الإسلامية للاقتصاد، التي ظلت حبيسة الرؤية السائدة و عدم تحررها من منهجيتها و لا من ماهيتها. فإذا كانت الأدبيات تحوم في الخمسينات حول الدور الأساسي و الوحيد للاشتراكية في فهم و معالجة المشكلة الاقتصادية لبلدان العالم الثالث، فإنك ترى في الفضاء الإسلامي انتشار هذا المصطلح و هذا التحليل. و برزت مفاهيم الاشتراكية الإسلامية و العدالة الاجتماعية[[13]]، و ظهرت أحاديث و مواقف تدعم هذه المعاني، و تؤكد هذا المنهج، حتى أُلصقت ببعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم توجهات يمينية و يسارية، و أضحى أبو ذر اشتراكيا و عثمان و معاوية ليبراليين... ! ثم لما انتقلت الموضة الفكرية في الغرب، في السبعينات و الثمانينات إلى الرؤى الليبرالية، و خاصة جناحيها النظري النقدي (monetarists) و الواقعي في تطبيقات السيدة تاتشر و الرئيس ريغان، غلب على التفكير الاقتصادي الإسلامي المنحى الليبرالي، مع ديكور و إطار إسلامي. حتى أن منهجية البحث و التقديم، أصبحت مقلدة من كتابات اقتصادية غربية معروفة[[14]]. و أصبح همّ المفكر الإسلامي و هدفه الأسمى لا يختلف عما يطرحه زميله الغربي، من حيث أن مشكلة التخلف اقتصادية أساسا (مع اختلاف طفيف لدور الإنسان)، و أن حلها اقتصادي كذلك. فكل الأهداف الأساسية للمشروع التنموي الإسلامي، هي تعبئة الطاقات العاملة من أجل إنتاج و استهلاك أعظم، في ظل رفاهية أكبر (مع أخلاق إسلامية) ! .
وقفة مع الفكر "الإنمائي" الإسلامي القديم
إن الحس الإنمائي في مستوى التنظير لم يكن غائبا عن رواد الفقه الإسلامي الأول، ولن نقف مطولا عنده، فهو ليس من مهمات هذه الورقة، غير أنه سنلامس باقتضاب هذا العمق النظري للاستظهار به ومصاحبتنا في تبني علاقة الوصال وعدم القطيعة بين القديم والحديث في الهم الإنمائي الذي خلص في أيامه البعيدة إلى همّ حضاري دائم ومتجدد إلى حين السقوط.
وإذا غابت التنمية اصطلاحا لغويا في معاقلنا الفكرية التاريخية، فإن مصطلحات الإعمار والعمران والعمارة والحياة الطيبة كانت ملازمة لكتابات هؤلاء الرواد وكان الهدف التغييري نحو الأصلح والأفضل لمجتمعاتهم شغلهم الشاغل، فليس حسن العمل والمكافئة عليه والنجاة في الدنيا والسعادة فيها إلا مطية لحسن الجزاء والنجاة في الآخرة.
فأبو يوسف في كتابه "الخراج" يجعل الإعمار والتنمية في مقابل الخراب والفساد وينادي بدور متقدم للدولة في العمران، ويدعو إلى تقاسم تكاليف "النمو" بين الفرد والدولة من أجل تخفيف كاهلها، وسحب المواطن عن الاتكال والدفع به إلى المساهمة في دور عمراني يعني المجموعة كما يعنيه شخصيا[[15]].
في المقابل فقد عظم ابن حزم دور الدولة وجعلها مسؤولة كلية في رفاهية شعبها وتنميته، مما جعله يصل إلى حدّ مطالبتها بتأميم الممتلكات الشخصية ومصادرتها لفائدة المجموعة إذا لم تكف إيرادات الزكاة في تلبية حاجياتها، مما جعله يعتبر عند البعض أول اشتراكيّ الإسلام[[16]]. كما نجد هذا التضخم نفسه في تمويل التنمية عند كل من ابن تيمية فيجعلها المراقب والحاكم الفصل من أجل انسجام النشاط الاقتصادي وواجبات الدين ومتطلباته ويظهر هذا البعد خاصة في تدخل الدولة في التسعير[[17]]. وعند الماوردي حيث يرى أن من مستلزمات السلطان السبعة، عمارة البلدان باعتماد مصالحها وتهذيب سبلها ومسالكها، غير أنه يلزمها بالعدل حيث ينعدم نجاح المشروع الإنمائي إذا لم يصطبغ بالعدل الشامل الذي يعمر البلاد وينمي الأموال[[18]]. وبتقلص العدل وهيمنة الفساد والجور والاغتصاب في كل مواطن الحكم والإدارة يتوقف الإعمار وتحدث الأزمات ويحل البوار بالديار عند المقريزي[[19]].
ونختم حديثنا في هذا الباب دون احتوائه بذكر عطاء ابن خلدون في هذا الباب حيث تظهر الدولة الخلدونية الأساس في عمران البلاد أو سقوطه، ويمثل قسم الضرائب وما يحتويه من آليات ومن أبواب توزيع واستثمار، سواء الوجه المشرق للدولة الناجحة والمجتمع النامي، أو الوجه الخافت والمظلم للدولة الجائرة والفاسدة، وللمجتمع الفقير والمتخلف.
لعل الملاحظ في هذا السرد المقتضب لهذه الوجوه الفقهية في التاريخ البعيد، هو التركيز الذي يتقاسمه أغلب الرواد على هذا البعد الأخلاقي للتنمية، وارتباط السياسي والثقافي والاقتصادي ككل متجانس لإحداث النقلة الصحيحة والمشوار السليم. فلم تكن الأخلاق رافدا من الروافد ولكن منطلق المسار و أساسه وهدفه الأسمى.
 لن تكون منهجيتنا اللاحقة في رد فعل طبيعي لتحديات النظريات المقابلة، ولدوافع الواقع وطلباته المتجددة فقط، ولكن أيضا تواصلا مع إرث تاريخي طويل لهموم الإعمار والحياة الطيبة والرفاهة الروحية والمادية، عمودا العملية الاقتصادية وإحدى أهم الأهداف الأساسية لتمثل العبادة في إطارها الإنساني الدنيوي.
إن هذا البعد الروحي الأخلاقي المتمكن ماديا، الذي سوف يشكل أساس طرحنا في الأسطر الموالية، والذي نسعى من خلاله وبكل تواضع إلى إعطاء التنظير الإسلامي الاقتصادي والتنموي وجوب وإمكانية التميّز، وطرح بديل مغاير، لا يقف فقط عند التغيير الدهاني أو المحتشم، كما شهدته الكثير من الكتابات التنموية الإسلامية التي ذكرناها سالفا، ولكن تميزا عميقا في مستوى الفرضيات والنتائج، ينشد سعادة الإنسان ورفاهته الدنيوية والروحية.
                                                                                                        ـ يتبع ـ





[1]  حاول فوكوراما عبر بحثه " نهاية التاريخ " في مجلة " تعليقات " عدد 47 سنة 1989 إظهار أن الديمقراطية الليبرالية أصبحت تمثل نقطة النهاية للتطور الإيديولوجي و نهاية التاريخ. و قد أحدث هذا البحث ضجة إعلامية مازال صداها متواصلا بين ناقد و مرحب بهذا الحسم؛ خاصة و أن المنافس القديم للبرالية قد انهار و ولى. انظر كتاب " نهاية التاريخ و آخر إنسان " Flamarion Paris 1992


[2]  سارج لاتوش " هل يجب رفض التنمية " PARIS PUF 1988 P : 7


[3]  روجي غارودي " الفقراء دائما أكثر فقرا " Nouvelles Littératures Paris 1980 P : 11


[4]  صديق ناصر عثمان و محمد إبراهيم رابوي " المدخل إلى الإقتصاد الإسلامي المقارن " كتاب الندوة الإمارات العربية 1990 ص : 319.


[5]  شوقي دنيا " الإسلام و التنمية الاقتصادية " دار الفكر العربي ط أولى 1979 ص : 87.


[6]  منذر قحف Econoomic Development Policy in Muslim Countries P : 23


[7]  عفر عبد المنعم " التخطيط و التنمية في الإسلام " دار الفكر العربي ط أولى 1979 ص : 87.


[8]  عبد الهادي النجار " الإسلام و الاقتصاد " عالم المعرفة رقم 63 المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب الكويت 1983 ص : 71.


[9]  محمد علي القرى " استعراض للكتابات المعاصرة في التنمية الاقتصادية من المنظور الإسلامي " ندوة إسهام الفكر الإسلامي في الاقتصاد المعاصر المعهد العالمي للفكر الإسلامي و جامعة الأزهر القاهرة 6/9 سبتمبر 1988.


[10]  انظر مثلا Pièrre Jallée « Le pillage du tierss monde » Paris Maspéro 1965.


[11]  عفر مصدر سابق ص : 21.


[12]  شوقي دنيا " تمويل التنمية في اقتصاد إسلامي " بيروت الرسالة 1984 ص : 42.


[13]  انظر مثال ذلك كتابا يوسف السباعي " اشتراكية الإسلام " و محمد دروزة " الإسلام و الاشتراكية ".


[14]  انظر مثال ذلك كتاب منذر قحف " الاقتصاد الإسلامي " و تقديمه لأدوات البحث من مستهلك و منتج و توازن للسوق.


[15]  أبو يوسف "الخراج" تحقيق البنا، دار الإصلاح، 1981، ص : 101 وما بعدها.


[16]  محمد شوقر الفنجري رسالة دكتوراه"مقاربة حول اشتراكية الإسلام ومشكلة التأخر الإسلامي" باريس 1967، ص:126.


[17]  ابن تيمية "الحسبة" دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ، ص : 12/13.


[18]  الماوردي "أدب الدنيا والدين" تحقيق مصطفى السقا الطبعة الخامسة، مكتبة مصطفى البابي 1987، ص:139/141.


[19]  المقريزي "تاريخ المجاعات" دار ابن الوليد، بدون تاريخ، ص:49 وما بعدها.


2007-06-21