مقاربـة إسلامية للإقتصــاد والتنميــة / الجزء الثــالث/ د.خالد الطراولي


مدخل في البناء البديل [3/8]
من أين نبدأ ؟ مفهوم "الإنسان العابد" في الاقتصاد
يقول الله عز و جل "ما خلقت الإنس و الجن إلا ليعبدون"[الذاريات 56]. يقول الألوسي في تفسيره لهذه الآية[[1]]."...كان خلقهم على حالة صالحة للعبادة مستعدة لها حيث ركب سبحانه فيهم عقولا و جعل لهم حواس ظاهرة و باطنة إلى غير ذلك من وجوه الاستعداد..." و يقول محمد الطاهر بن عاشور في التحرير و التنوير[[2]] تعقيبا "...وأن تكاليف الله للعباد على ألسنة الرسل ما أراد بها إلا صلاحهم العاجل والآجل و حصول الكمال النفساني بذلك الصلاح، فلا جرم أن الله أراد من الشرائع كمال الإنسان و ضبط نظامه الاجتماعي في مختلف عصوره وتلك حكمة إنشائه فاستتبع قوله "إلا ليعبدون" أنه ما خلقهم إلا لينتظم أمرهم عند حدود التكاليف التشريعية من الأوامر و النواهي، فعبادة الإنسان ربه لا تخرج كونها محققة للمقصد من خلقه و علة لحصوله عادة ".
فهذه الآية تحدد الهدف الأسمى لتواجد الإنسان، وهو العبودية لله التي تلتقي و تنسجم مع كل مخلوقات الكون. وهذا يعني أن الفضاء الإنساني هو فضاء عبودي بما يعنيه المفهوم من شعيرة وسلوك، و أنه يحوي كل الفضاءات الأخرى، من اقتصادي واجتماعي و سياسي و ثقافي. وأن هذه الفضاءات يجب أن تُهيأ و تُحدد و تُبنى من أجل تيسير و إعانة الإنسان على تحقيق عبوديته الكاملة لله. هذه العبودية التي تتمثل في شعيرة موصولة بالله، وسلوك وتعامل مرتبط بالناس.
فالفضاء السياسي يجب أن يرعى حرية هذا الفرد، و تأكيد وحدانية عبادته لله، و رفض كل إشراك علني و سري، مباشر أو غير مباشر، فالمعبود ليس في الأرض ولكن في السماء، ولا تمثل له في الوحدانية والإطلاق، فالاختلاف والتنوع صفة العباد، وتعدد رؤاهم وأفكارهم ونسبيتها ملازم لصيرورتهم.
و الفضاء الثقافي يجب أن يحط من التقاليد و العادات المميعة لهذه العبودية، و أن يسعى إلى تأكيد دور العلم و التعلم في إنجاح هذه العلاقة، فلا عبودية بجهل ولا علم بدون هدفية ربانية.(الآية  : "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون")[التوبة 122].
و الفضاء الاجتماعي يجب أن يحقق للإنسان سكينته الداخلية وراحته الخارجية، عبر توطيد عرى الحياة العائلية و علاقات التكافل و التوادد بين الأفراد والمجموعات و عبر الأجيال. أما الفضاء الاقتصادي فيجب أن يمثل ريادة و أسبقية الإنسان العابد على الإنسان المستهلك أو المنتج.

العبودية مسار وهدف
فالعبودية استخلاف وإعمار و شعائر، و تمثل هذه الأخيرة محطة هامة لانطلاقة التمكين و مواكبته و تشكيل هدفيته الأسمى. فالطقوس و الشعائر تمثلان إحدى الخاصيات الهامة للمشروع العبودي بما ينجر عنهما من تأثير مباشر و غير مباشر في إنجاحه أو سقوطه. و ليس اعتباطا أن تكون الطقوس الإسلامية من صلاة و صيام و حج و زكاة و دعاء و أذكار تصاحب نشاط الإنسان في كل أوقاته و حالاته.
فالسلوك والشعائر يشكلان عصبا هذا الدين، ويمثلان وجهان للعبادة التي تحدد الهدف الأسمى للوجود الإنساني. فالعبادة شعائرية طقوسية، بما تمثله من علاقة مباشرة مع الله في ذكره وتوحيده وتمجيده. والعبادة سلوكية، بما تنتجه من امتثال تعاملي لأمر الله، فهي عبادة غير مباشرة عبر المعاملات البشرية. لهذا فالتاجر الصدوق في الجنة مع الأنبياء والصالحين[الحديث]، وكل أنواع الأخلاقيات التعاملية في كل الفضاءات الإنسانية (ثقافية/سياسية/ اقتصادية/اجتماعية) تمثل هذه العبادة السلوكية. وهذان الوجهان للعبادة تربطهما علاقة تواصل وتكامل وتأثير متبادل،فالإنسان العابد هو العابد طقوسا وسلوكا، " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" [الجمعة 9]. وتُظهر هذه الآية أسبقية الشعيرة ومصاحبتها للسلوك في كل محطاته، حتى تكون الدافع والمراقب والضامن لنجاحه، فترتقي به إلى مستوى العبادة. وهذا ما عناه الإمام الشيباني عند تعرضه لهذه الآية بقوله " فجعل (الله) الاكتساب سببا للعبادة"[[3]].
وتعطي هذه الثنائية وهذا التلاحم بين الحالتين، الإنسان العابد المستوى الأمثل و الحالة الصحيحة للإنسان المسلم، لتصبح منهجا للحياة في كل أطراف الفضاء الإنساني المتنوع. فالعبادة الشعائرية تهدف إلى تمتين الارتباط والعلاقة بين الإنسان وربه وتحقيق الخضوع التام والدينونة الشاملة لله وحده. كما تسعى إلى إقامة " حكومة الضمير " وتربية الروح الاجتماعية لدى الفرد وتنمية سبل التعاون والتضامن وتنزيل قيم العدل والمساواة والحرية في المجتمع.
فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [الآية]، والصوم يدفع الفرد إلى عدم نسيان المحتاجين والمعوزين والمهمّشين. والزكاة تفرض على المجتمع تقاسم ثمار النمو وتطهر النفس من الأنانية وتروضها على حب العطاء والمشاركة. والحج ييسر وحدة الأمة واتفاقها ويحدث في الأنفس مشاعر العدل والمساواة وهو يجسد المسارات النبوية في مناسكه للخروج بالإنسان من مأزقه الحضاري[[4]]. وهذا يعني في المجال الاقتصادي أن الدين في جانبه السلوكي والشعائري يصبح الأداة والمصفاة والموجه للعملية الاقتصادية وهدفها الأسمى الذي تُحدَّد وتُنظَّم على ضوءه كل أطوارها. حيث يصبح النشاط الاقتصادي من استهلاك وإنتاج واستثمار حالة عبادية في حقيقتها ومسارها وفي هدفها.
الإسلام والتنمية رحلة الشمولي والخصوصي
يمثل الإسلام في المطلق إطارا أخلاقيا وقيميا يساعد ويدعم التمثيلية الأخلاقية داخل المنظومة الاقتصادية، فهو يحميها ويؤطرها و يسحبها عن مستنقعات الرذيلة والقيم الهابطة من محسوبية وغش وظلم واستكبار واستعباد واستحواذ واستغلال، وهو ينشأ أيضا بعض الأدوات الاقتصادية التي تعطي للفعل الاقتصادي تميزا جديدا يجعله في طرح مغاير لما أنجبته النظرية الاقتصادية المهيمنة في مستوى الاستثمار والإنتاج والاستهلاك، ومثال ذلك عملية الوقف في الإسلام وما يتبعها من عقلية وسلوك ونتائج اقتصادية مخالفة للمطروح.
كما يتجلى الإسلام في الدورة الاقتصادية ويحدث فيها انقلابا كليا (وإن كان متدرجا) في مستوى العلاقة الحساسة بالمال، والتي تمثل وتد العملية الاقتصادية. وهو ما يظهر في إشكالية الربا وحرمته الشرعية التي تسبغ على دنيا المعاملات فقها آخر وسلوكا مغايرا وطرحا جديدا وفريدا، ولّد عمليات اقتصادية في مستوى الاستثمار لم يعهدها العالم الاقتصادي في مستواها النظري والتطبيقي، أو مرّ عليها مرّ الكرام ونبذها تاريخا وجغرافيا. وهذا ما يظهر في عمليات مثل المضاربة والمرابحة والاستصناع في علاقة المنتج بالمستهلك، أو في علاقة رب المال مع المنتج.
أما في المستوى الخصوصي النسبي والإجرائي، فزيادة على هذه الأبعاد العالمية، فإن جانب المرجعية والهوية يدعمان دور الإسلام الحاضن والدافع للعملية الاقتصادية والتنموية. فلا يقع إسقاط للنظرية وتحدث القطيعة بين الإرسال والالتقاط، فيكون النموذج والبرنامج في واد، تحمله هوية وطموحات وهموم أقوام آخرين، والإطار المنزّل فيه في واد آخر بما يلتحفه من تاريخ وعادات وتقاليد صبغت أمسه ويومه وترنو إلى التأثير في غده.
إن هذا الإطار العقدي والثقافي لا يمكن إغفاله، فهو الوسط الطبيعي الذي يتحرك فيه مواطن هذه الديار تاريخا وجغرافيا والذي يدفعه للبحث عن مصالحه ومصالح من حوله مجتمعا وأفرادأ.  
و سوف نقوم في الأسطر التالية بالتركيز على الجانب الاقتصادي الذي يمثل محور هذه الورقات، لهذا سنحاول عبر فرضيات معينة بناء نسق اقتصادي ينسجم مع هدفية العبودية و تنزيلها في واقعها المعيشي، لنخلص بعدها إلى توصيات و تأكيدات نظرية لهذا البناء الاقتصادي.
                                                                                              ـ يتبع ـ





[1]  الألوسي " روح المعاني " ج 27/28 دار التراث العربي بيروت بدون تاريخ ص : 21.


[2]  محمد الطاهر بن عاشور " تفسير التحرير و التنوير " الدار التونسية للنشر 1984 ج 27/28 ص :27.


[3]  محمد الشيباني " الاكتساب في الرزق المستطاب " مكتب نشر الثقافة الإسلامية ط1 ص:14 1938


[4] هذه الأطروحة اللطيفة لمحمد أبو القاسم حاج حمد، سعى فيها إلى إبراز العلاقة بين نسك الحج وقصص الأنبياء ضمن أشكالها المتعددة، والتي هدفت كلها إلى التسامي بالإنسان نحو التوافق والانسجام مع الله والنفس والمجتمع. وقد تجسدت هذه المسارات النبوية في مناسك الحج حتى تواصل إخراج الإنسان من مأزقه الحضاري المتجدد. مجلة "مراصد" السنة الأولى، عدد 2، 1999، ص:79-119. 


2007-06-21