مقاربـة إسلامية للإقتصــاد والتنميــة / الجزء الرابع/ د.خالد الطراولي


مدخل في البناء البديل [4/8]
نحو نسق اقتصادي عبودي
فرضيات النسق :
1- الاعتقاد في الإنسان العابد مقابل الإنسان الاقتصادي  :لقد جعل الكثير من الكتاب الإسلاميين الإنسان المسلم مقابلا للإنسان الاقتصادي و حددوا ماهيته على أنه يختلف عن الأخر بكونه يسعى إلى ذروة اقتصادية و أخلاقية[[1]]. و هذا يعني أن الإنسان الاقتصادي في النظام الغربي إنسان لا أخلاق له و أنّ همّه و دافعه الأساسي اقتصادي، و هذا يبدو غير صحيح فإن المجتمع الليبرالي لا يعمل و لا ينجح إلا في ظل أخلاق معينة من منع للغش و السرقة واحترام لمواعيد الصفقات و غيرها من مسلمات التعامل الاقتصادي. ورغم أن المسألة القيمية والأخلاقية لم تحسم في علم الاقتصاد بين الوضعيين والمعياريين، فإن جورج جلدار[[2]] يرجع أسباب الأزمة الاقتصادية في السبعينات إلى ذبول دور العائلة و الدين و تفشي الفساد الأخلاقي. و هذا ما جعل ميكايال نوفاك[[3]] يؤكد أن " اقتصاد السوق ليس نظاما لحرية المبادرة فحسب و لكن تطوره و نجاحه مرتبط بثقافة أخلاقية و بوجود مؤسسات و قوى أخلاقية مغروسة في خلايا مثل العائلة ".
لكن هذه الازدواجية تخفي في الحقيقة ريادة الفضاء الاقتصادي و جعل الأخلاق إطارا و رادفا هاما لإنجاح المسار الاقتصادي ليس إلا، حتى لأصحاب الاقتصاد القيمي [Economie normative]. و الإنسان العابد عندنا لا يسعى إلى هذه الذروة الاقتصادية "الجافة" و لو في ديكور أخلاقي و لكن إلى حد أمثل يمتزج فيه بالتساوي البعد الاقتصادي، والأخلاقي والرباني. فتمتزج الأبعاد النفسية الذاتية بالأبعاد الأخلاقية السلوكية، وتلتقي المجموعة مع الفرد والاجتماع بالاقتصاد تحت أقبية السماء،  ليصبح الهمّ الأول والأخير للعنصر الاقتصادي، ليست الزيادة المضنية لدخله و التنافس السليم من أجله فحسب، بل إرضاء ربه أولا و إيجاد نوع من السعادة الروحية الداخلية بعيدا عن الهوس المبالغ لحب المال، و التعظيم المتطرف لربحه، و البحث المضني على جمعه، ولو على حساب حقوق أخرى كحقوق النفس والجسد والأسرة.
فالإنسان العابد سلوكا وشعيرة، يبحث عن حد أعلى لعلاقته مع ربه في ضوء تسخير أمثل لطاقته و لوقته تمتينا لهذه العلاقة، و هي تعني اقتصاديا القناعة بالقليل، استثمارا وإنتاجا واستهلاكا إذا كان هذا القليل يؤدي إلى هذه الرفاهية و السكينة الروحية[مع اعتبار أن هذه القناعة لا يجب أن تؤدي إلى استقالة الفرد والمجموعة ومواجهة مسار تنموي صاعد وضروري، وهي لا تعني تنمية الصفر إذا كانت حالة البلاد والعباد توجب عكس ذلك] فهو العابد استهلاكا قناعة وعدم تبذير، وهو العابد إنتاجا فيما يخدم المجموعة قبل الفرد، وهو العابد استثمارا في تقاسم الأرباح واجتماعية الإنتاج. يقول ابن تيمية : " إنّ الأصل أنّ الله تعالى إنّما خلق الأموال إعانة على عبادته، لأنه إنّما خلق الخلق لعبادته "[[4]]
2- العدل أساس العمران والظلم سبب انهياره، والمشكلة الاقتصادية لا تخرج من بوتقة هذه الفرضية، فالظلم في مفهومه الشامل وأبعاده الواسعة هو سببها. وأول أصنافه ظلم الإنسان لربه في عدم حمده وشكره والامتثال لعبادته [وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إنّ الإنسان لظلوم كفّار] (إبراهيم 34)، وظلم الإنسان لنفسه في حملها على قيم الرذيلة[ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا](طه 124)، وظلمه للآخر فردا أو جماعة في تجاوز حقوقه والتعدي على مصالحه[إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما](حديث قدسي)، وظلمه لبيئته في استعبادها والإسراف في استغلالها[ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس](الروم41).
3- إن الله هو المالك الحقيقي و الإنسان خليفته، و ليس له إلاّ ملكية نسبية يحترمها الشرع و لكن يجعلها مرتبطة و مقيدة بحالة المجتمع(الحديث : "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، و من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له.." مسلم و أبو داوود). ويتمثل الهدف الأساسي لهذه الملكية في تمكين الفرد المسلم من مناخ مالي نسبي يجعله في راحة نفسية تمكنه من التماس الذروة في عبادة ربه شعيرة وسلوكا. يقول الإمام الشيباني : " إن الله فرض على العباد الاكتساب لطلب المعاش ليستعينوا به على طاعة الله "[[5]]
4- غياب توافق المصالح بين الأفراد يجعل من تواجد الدولة و تدخلها أمرا واردا وإيجابيا و يجب أن يكون هدفه النهائي إيجاد المناخ الاقتصادي و الاجتماعي الأمثل للفرد لعبادة ربه شعيرة و حركة، و تسخير المزيد من وقته للتقرب إليه وإرضائه والعمل على خدمة جماعته. و تكون درجة هذا التدخل مرتبطة بحالة الفرد و المجموعة معاشا و أخلاقا.
5- إن الإسلام يرفض الطبقية و كذلك المساواة الحسابية[والله فضل بعضكم على بعض في الرزق… ](النحل 71 ) وهو لا يقبل بالتالي هيمنة مجموعة على أخرى من مستهلكين أو منتجين، غايته في هذا الباب أن يوجد مناخا اقتصاديا معينا يصبح فيه المستهلك عابدا و المنتج عابدا و لقاءهما في السوق عبادة. و لعل الحديث المشهور عن رفض رسول الله التسعير يمكن أن ُيؤول على أنه عليه السلام لم يرد نصرة فريق على آخر، محبذا معالجة الحوار و التعايش[[6]].
6- الإنسان العابد يعلم أن الحياة الدنيا مطية للآخرة و أن الغلو و الثراء الفاحش لا يؤديان إلى خير و كذلك الفقر، و لذلك فالوسطية في المعاش تشكل الحالة الأمثل. و قد رفض الإسلام التطرف في جانبيه، فكما ندد في مواقف كثيرة بالإسراف و التبذير تراه يلازم بين الفقر و الكفر (حديث : " كاد الفقر أن يكون كفرا" رواه أبو نعيم في الحلية ). فالتحرر من الغلوّ والتطرف والاعتبار للوسطية يمثلان ركيزة هامة للعملية الاقتصادية. فلا إسراف في استهلاك و لا مغالاة في إنتاج و لا تبذير في استثمار. [والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما] (الفرقان67).فالإسراف والتعالي والمباهاة تعتبر أمورا مستهجنة، والعيش البسيط والمتواضع، سلوكا مثاليا وعباديا.
7- إن القوانين الاقتصادية ليست جامدة في تنزيلها، إذ أنها يجب أن ترعى نواتها الأخلاقية الصلبة و بعدها التشريعي و القرآني و صلاح الأمة الديني و الدنيوي. فإذا كان المستويان الأولان ثابتين، و هما اللذان يشكلان الخزينة الأيديولوجية و ميزة الاقتصاد الإسلامي، فإن المستوى الثالث يمثل الجانب الذي يمكن للعقل الإنساني التحاور معه و الاجتهاد فيه لإنجاحه.
وهذه العملية الفكرية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الأولى في كل محطة من اجتهادها. فكل تفكير أو إصلاح يخالف المستويين الأولين، لا يمكن إثباته ويصبح بالتالي لاغيا ومضرا بالمجموعة دينا ودنيا.
8- إن الديناميكية الاجتماعية مقيدة بالاجتهاد والمجاهدة والتعايش السلمي. فالسلام والسكينة هما الغاية، والاجتهاد والمجاهدة هما وسيلتا إنجاحهما(الآية  : "إن الله يدعو إلى السلم").
فالاجتهاد عملية فكرية فردية أو جماعية لتنزيل التشريع و جعله مواكبا للواقع المتغير، والمجاهدة مسار فكري و مادي، فردي و جماعي لتثبيت وإنجاح هذه المواكبة وجعلها لا تتعارض مع صلاح الفرد و المجموعة في دينها ودنياها.
9- رفض المسار القدري والجبري للتاريخ والذي يكون الاقتصاد محركه الأساسي، فتاريخ المجتمعات و حاضرها مبني على عدة عوامل معقدة في تأثيرها، ومختلفة في مستوياتها، غير أن النص القرآني أثبت جملة من القواعد العامة التي تحكم الظاهرة الاجتماعية والسنن الكونية، نذكر منها :
· إن التدافع هو أساس الحركة والتطور( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد..)[الحج 40]
· أن الفساد الأخلاقي ينجر عنه فساد تنظيمي(ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس)[الروم 41]
· أن الفساد القليل يمكن أن يؤدي إلى كوارث اجتماعية و كونية ( واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين منكم خاصة)[الأنفال 25].
· أن الإنسان جزء من التوافق و الانسجام الذي يعيشه الكون(ولله يسجد ما في السماوات و ما في الأرض من دابة و الملائكة وهم لايستكبرون)[النحل 48]
· إن الأمن والسلم والطمأنينة للفرد والمجموعة، يولدون الحياة الطيبة والعمل الصالح. حيث جعل القرآن السلم في مقابل الفساد (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد…يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافة…)[البقرة205-208].[[7]]
                                                                                        ـ يتبع ـ



[1]  انظر مثال ذلك محمد عبد المنان The marking of islamic economic society IABI Press 47 Oruba Holiopolis Cairo 1994.


[2] أورده غي سورمون "الحل الليبرالي"79 Paris Fayard 1984 P :


[3] ميكايال نوفاك "أخلاقية اقتصادية : قيم اقتصاد السوق" CERF 1987.


[4] ابن تيمية " السياسة الشرعية " المطبعة السلفية القاهرة ص:22.


[5] محمد الشيباني ص:14. مرجع سابق


[6]  يمكن إيجاد تأويل آخر للحديث المشهور عن رفض النبي التسعير عندما طُلب منه ذلك بأنه لم يقبل نصرة جماعة المستهلكين أمام المنتجين مفضلا التعايش السليم بينهم حسب قوانين السوق.


[7] رغم أن أغلبية المفسرين قد ذهبت إلى معنى الإسلام للسلم غير أن قتادة رأى أنه يعني الموادعة. انظر تفسير ابن كثير ج 1 طبعة 1 دار الجيل بيروت 1988 ص : 233-235.


2007-06-21