مقاربـة إسلامية للإقتصــاد والتنميــة / الجزء الخامس/ د.خالد الطراولي


مدخل في البناء البديل [5/8]
نتائج النسق  :
1- الأخلاق و الأبعاد الروحية ليست إطارا أو ديكورا للاقتصاد و لا حالة استثناء، بل هي الأصل في العملية الاقتصادية. فليست هناك أخلاق اقتصادية و لكن هناك اقتصاد أخلاقي. و لا يخفى على أحد أهمية الأخلاق في المشروع الإسلامي حتى أنها جمعت هدف الرسالة المحمدية (حديث : "إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق"). وتنزيل الأخلاق في الفضاء الاقتصادي يجعل منه فضاءا إنسانيا محصنا ضد الرذيلة والمنكر والفساد والانحراف. وتبني الفرد والمجموعة والمؤسسة لهذا الميثاق الأخلاقي، يعتبر عنصر نجاح للعملية الاقتصادية في كل مستوياتها. ويمكن حصر هذا الأساس الأخلاقي في الظاهرة الاقتصادية عبر مجموعة قيم ذكرها الإسلام لتحرص الظاهرة الإنسانية في كل أبعادها، وهي تطبعها وتوجهها في كل مراحلها ومظاهرها الاجتماعية والثقافية والسياسية والنفسية. فقيمة الصدق في المعاملات لها التأثير الواسع في استتاب الأمن والطمأنينة والثقة بين الأطراف وازدهار الأعمال وتكاثر المبادرات، "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما"[الشيخان]. وقيمة القناعة الإيجابية التي تبعد الحسد والحزن والهزيمة والاستسلام، وتدفع بالتوكل والبحث عن الأفضل بروح طيبة وقلب قانع وسليم "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.". وهذا يجعل كل محطة في الدورة الاقتصادية ولو كانت سلبية، من انكماش أو أزمة "طبيعية"، حالة عابرة وغير ميؤوس منها، وعلى الإنسان تقبلها واجتيازها نحو الأفضل. وتعتبر الأمانة كذلك من أهم القيم تأثيرا على النشاط الاقتصادي، وقد جعلها الإسلام شرطا للإيمان "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة له، ولا زكاة له"[أحمد]، كما أنه لم يقصر تأديتها على المسلمين فيما بينهم دون غيرهم، بل جعلها لبنة من لبنات المجتمع المدني "كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلاّ وهو تحت قدمي هاتين، إلاّ الأمانة فإنها مؤداة إلى البرّ والفاجر. "[روح المعاني]. فبانعدامها انحسار للتبادل وتصدع للاستقرار وإيذان بانتشار الفساد والمحسوبية والرشوة والغدر، وتأزم في العلاقات التجارية والاجتماعية، مما يدعم تفكك المجتمع وحدوث الأزمات والانهيارات.
2- إذا كانت النظرية التقليدية تعتبر الندرة أساس المشكلة الاقتصادية، فإن النظرة الإسلامية كما عنيناه في الفرضيات تجعل الظلم سببها الرئيسي، وترى في التسخير والتقدير والتمكين والعمارة محطات اللقاء ومفاتيح التعامل مع الموارد المتاحة : [وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا](الجاثية13)، [ولقد مكنّاكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش](الأعراف15)، [هو أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها](هود61)، [وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم](الحجر21). أما الندرة فقد جعلها القرآن نسبية وأعطاها بعدا إيجابيا وربطها بالحالة الإيمانية والعبادية للمجتمع. فهي تقع تارة لحماية الفرد والمجموعة من التعسف والجور والطغيان [ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ](لايةالشورى 27) وهي تحدث تارة أخرى عند الغفلة والإعراض لتذكير الناس بواجبهم نحو خالقهم [ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون](ايةالأعراف 130). وفي المقابل فإن التقوى والإيمان مجلبة للوفرة وسبب للازدهار[ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض](ايةالأعراف 96).
3- الاقتصاد الإسلامي ليس إقتصاد تنافس و انتحار، و الفرد العابد، مستهلكا كان أو منتجا، ليست غايته الإطاحة ببناء غيره لتوطيد أسس بنائه. إن التنافس السليم هو تنافس الإيثار و التعايش و ليس تنافس القتل و السلب(إنا خلقناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا)(الحجرات 13). و الحقل الإقتصادي الذي نعيشه اليوم والذي تدعو إليه المدارس الإقتصادية و يدعو إليه السياسيون و يعتبره المجتمع الغربي غاية النجاح هو مجزرة، المغلوب فيها أكثر من الغالب. وما عمليات التكتل وتجميع المؤسسات التي نشهدها حاليا، إلاّ تعبيرا عن أحقية الأقوى والأضخم والأكبر في العيش والتواجد، على حساب انكسار الضعيف وذوبانه. فأضحت العملية الاقتصادية نخبوية تديرها فئة قليلة مهيمنة، و هُمّشت فئات أخرى لتترك الدورة الإقتصادية الحيّة و تركن إلى السكون و الإسعاف و المساعدة.
إن التنافس التعايشي الذي يدعو إليه الإقتصاد الإسلامي حسب نظرنا مقيد برضاء الدولة الساهرة على تقنينه و باحترام الآخر الذي يمثل طرفا هاما في العملية التنافسية و إنسانا له حق التواجد و النجاح و ليس عدوا مقتولا لا محالة. من هنا تتجلى أهمية السياسات الإقتصادية "التكافلية" عبر عمليات تأهيل المؤسسات وإعانتها تقنيا وماديا. فاقتصاد التعاون والمؤاخاة هو أحد صور الأخوة والتضامن التي عناها القرآن الكريم (إنما المؤمنون إخوة)(الحجرات 15) و(تعاونوا على البر والتقوى)(المائدة2) والتي تملي المنافسة الشريفة والتعايش السلمي للجميع.
4- رفاهة الفرد و المجموعة وجهان لعملة واحدة، فلا رفاهة للفرد أو لمجموعة دون رفاهة للمجتمع (حديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"). والرفاهة عندنا روحية و مادية تكون فيها الثانية في خدمة الأولى و مطيّة لها، إذ لا ننس أن غاية الإنسان العابد هي إرضاء ربه و عبادته و تسخير كل وجوده لذلك. ومن وجوه العبادة خدمة مجتمعه والعمل المخلص على رفاهيته.
5- اعتبار حد الكفاية ملزما للدولة، وجرّها إلى مزيد من التدخل الضرائبي إذا أدّت الحاجة لذلك (حديث "في المال حق سوى الزكاة") دون الإفراط في ذلك حتى لا تقتل الضريبة الضريبة بما تُحدثه من جفاف في الثروة إذا تجاوزت حدها. و يجب أن يكون هذا الحد ديناميكيا و هدفيا بحيث لا يؤدي إلى التواكل و القعود وانتظار المساعدة[[1]]. والدولة في الاقتصاد الإسلامي ليست دولة بديلة للفرد في مبادرته و تحقيق كسبه ولا هي غائبة كلية عنه، إنها عنصر إنتاج واستهلاك و مراقبة. فهي تنتج بما تملكه من منشآت اقتصادية يصعب على الخواص تبنيها إما لعظمتها أو لأهميتها الإستراتيجية والأمنية (و هذا ما فعله الخليفة الثاني رضي الله عنه في خصوص أرض العراق)، أو لضعف مردودها مع ضرورتها الاجتماعية. وهي أداة مراقبة لذاتها و لكل العملية الاقتصادية و الاجتماعية عبر قوانينها و أهدافها الكبرى. وهي لا تعوض السوق و لا تضمحل أمام يده الخفية التي كثيرا ما أدت إلى مآزق و فتن اجتماعية، و لكنها الحارسة للسوق حتى تحترم كل قواعده و يتساوى كل المتعاملين فيه.
وقد وُجد المهمَّشون أيضا في المجتمع الرسالي الأول غير أن المعالجة كانت كلية رغم ما كانت عليه الدولة الإسلامية في بدايتها من فقر في المداخيل و غياب للمؤسسات. يروي ابن سعد في طبقاته "كان أهل الصفة ناسا من أصحاب رسول الله لا منازل لهم فكانوا على عهد رسول الله ينامون في المسجد و يقطنون فيه مالهم مأوى غيره فكان الرسول يدعوهم إليه بالليل إذا تعشى فيفرقهم على أصحابه و تتعشى طائفة منهم مع الرسول حتى جاء الله بالغنى ... وأن رسول الله قال من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث و من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس."[[2]]
                                                                                                 ـ يتبع ـ



[1] لقد أدخلت بعض البلدان المتقدمة أمثلة لحد الكفاية الإسلامي، كفرنسا حيث أنشأت دخلا لمساعدة المهمشين والفاقدين لأي مدخول، غير أن العديد من الممنوحين أصبحوا يفضلون البطالة والعمل في السوق السوداء، وهذا من سلبيات هذا الدخل.


[2] طبقات ابن سعد ج1 ص:337.


2007-06-21