مقاربـة إسلامية للإقتصــاد والتنميــة / الجزء السادس/ د.خالد الطراولي


مدخل في البناء البديل [6/8]
بعدما رأينا في الجزء الفارط، النتائج الخمسة الأوائل لفرضيات النسق، نواصل سرد البقية، وهي كما يلي :
6- إن العمل هو أساس حريات الفرد وهو حق للجميع مع أولويات تفرضها حالة المجتمع الاقتصادية و الاجتماعية، يقول عمر رضي الله عنه. "إن الله قد استخلفنا على العباد لنوفر لهم حرفتهم".
و البطالة أضحت همّ عديد الحكومات لاستفحالها في العشرية الأخيرة. ورغم التململ النمائي الذي تشهده اقتصاديات بعضها في بداية هذه الألفية، فإن الربط بين حالتي النمو وانحسار البطالة يؤكد أيضا على هيكليتها ودورية انتعاشها وانكسارها. وهذا يجعل من معالجة البطالة بربطها أساسا بالنمو غير متكامل ولا يضفي إلى كسر هذا الغلّ، بل يجعلها هيكلية التواجد ودورية التضخم. ولعل في إدخال مؤشرات أخرى كنسبة التضامن الاجتماعي ومستوى تدخل الدولة بالمساعدة الديناميكية وليست الساكنة، وتطوير عقلية الأفراد في التعامل الإيجابي مع الأعمال "المنبوذة" اجتماعيا، خير نافذة لمعالجة أعمق وأشمل. وتبدو المحاولات التي طُبقت في بعض البلدان كالولايات المتحدة الأمريكية و التي خفضت من نسبة البطالة إلى حدود 5 بالمائة سنة 2000 لا تنبئ حسب نظرنا بصحة هذه المعالجة و دوامها وذلك لتركيزها على جانب إهمال حق العامل وعلى سهولة طرده من المؤسسة مما جعل جوانب عدة من المجتمع الأمريكي تتهمش و تعيش غالبا في حالة رعب وانتظار دائمين.
إن هذا المسار الخاطئ ولد نخبة تتحايل من أجل كسبها ولو على حساب غيرها، و فئة أخرى تابعة، همها الوحيد العيش لا غير حتى لا تموت وتضمحل، وهي مستعدة من أجل ذلك إلى التنازل و الرضاء بالقليل صحة و مسكنا و استهلاكا.
7- تشكل الزكاة الأداة المثلى في الإسلام التي تدمج الجانب الروحي والمادي، فهي تطهير للنفس من البخل، وتطهير للمال من حق الآخرين فيه. وهي تمثل عنصرا محوريا في طرحنا بما تحويه من أساس لتمويل الإنتاج، ونظام للضمان الاجتماعي، ووسيلة لإعادة توزيع الثروة وتداولها. فهي تحارب الاكتناز، حيث أن الزائد عن حدّ النِّصاب ينتهي زكاة في أربعين سنة. وهي السنون الغالبة(إذا أضفنا أعوام العمر السابقة) في الانتقال من الدنيا وترك الإرث للآخرين، والأولى ترك ورثته غير محتاجين كما يرى الإسلام، وهو بالتالي تضامن عمودي بين الأجيال، كما الحال في التضامن الأفقي بين الأفراد، حيث أن المال المُقرَض لا تؤدَّى زكاته عند صاحبه.
وتساعد الزكاة أيضا على إعادة توزيع الثروة نحو المحتاجين، لرفع قدرتهم الشرائية الغالب عليها جانبها الضروري والحاجّي، وهي بالتالي لا تقع في مصيدة رفع الاستهلاك مطلقا ولكل الأطراف بالتساوي. كما تساهم الزكاة في تكثيف عنصر المنتجين وتفتيت الاحتكار الإنتاجي، وذلك عند صرفها كمواد إنتاجية لأصحاب الحرف المستحقّين، أو تعويض للمفلسين "الغارمين".
8- تعد المؤسسة البنكية عنصرا هاما ورئيسيا في مشروعنا، و البنك الإسلامي أصبح حقيقة عملية و نظرية منذ عديد العشريات. وهو "مؤسسة مالية اقتصادية إسلامية، تتسم بالإيجابية والتنموية الاستثمارية والاجتماعية، وتعمل في إطار الشريعة الإسلامية، لتجسيد مبادئ الاقتصاد الإسلامي في الواقع العملي."[[1]]. لكن رغم عطفنا و ترحابنا بهذا الوليد الذي أضحى كهلا، فإننا نرى أن الغاية الأولى لانبعاثه و التي كانت تمثل حداثته بالنسبة للبنوك الأخرى و التي تتمثل في نظامي المضاربة و المشاركة مازالتا قليلة الاستعمال. وغلب المنحى الكسبي على معاملات بعضه و غاب المعطى الإجتماعي. ولعلنا سنبرر هذا بأن هذه البنوك عملت و مازالت تعمل في مناخ غير إسلامي، و أنها تتعرض لمشاكل تقنية و إدارية تجاه السياسة النقدية و القوانين المصرفية، وهي حبيسة ندرة الكفاءة الشرعية و العملية في كوادرها. هذا ما جعل أغلب معاملات البنوك الإسلامية حاليا تحوم حول منهج المرابحة[جدول 1]، وهو طريق سهل و أكسب، لكنه لا يميز التجربة الإسلامية و لا يفخرها ويسحب عنها جانب الفرادة والحداثة. فحسب حامد العابد " إن عملية التمويل بالمشاركة لم تطبق أبدا بصفة منهجية ناجحة و مقنعة" [[2]]

طرق التمويل في المصارف الإسلامية سنة 1995

الصيغة

مرابحة

مشاركة

مضاربة

إجارة

أخرى

المتوسط

45.58

15.25

8.72

9.72

20.73


المصدر : دليل المصارف و مؤسسات التمويل الإسلامية. الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية.

إن البنك الإسلامي في مشروعنا هو أداة اجتماعية لتسيير النشاط الاقتصادي وهو وسيط بين وفرة المال و ندرته. وهو عنصر مشارك غايته تثبيت المشروع الاقتصادي و إنجاحه و الكسب المشترك من خلاله. وهو الوسيلة العملية للدولة في تنفيذ مشروعاتها الاجتماعية. و البنك الإسلامي مؤمّما كان أو خاصا يجب أن يكون الأداة المثلى و الرئيسية في تنمية المجتمع والأخذ بيد الضعيف مستهلكا كان أو مستثمرا.
9- إن العملية الاقتصادية إنتاجا كانت أو استهلاكا أو استثمارا ليست منعزلة عن فضاءها الأرضي أو الكوني و إن نجاحها مرتبط بتوافقها مع هذه السنن وانسجامها في هذا النسق. فالإطار الإيكولوجي أضحى حديث الساعة في الغرب بعد التجاوزات المتواصلة للنموذج الليبرالي واعتداءاته الفاحشة على البيئة المحيطة. " في سنة 1982 بلغت مصاريف التسلح 650 مليون دولار و هو ما يضاهي وضع 4 أطنان من المتفجرات على رأس كل إنسان فوق الأرض وهذا يعني أنه أصبح بالإمكان و لأول مرة تحطيم كل اثر للحياة على الأرض ".[[3]] و المشروع الاقتصادي الإسلامي لا يتبنى الإيكلوجيا ديكورا ولا حتى في جانبها التقني بل هي عنصر رئيسي في البناء الفلسفي للإسلام كدين و حضارة.
10- إن الحالة التي يعيشها العالم الإسلامي الآن تتطلب مسارا تنمويا معينا يتناقض مع ما طرح سابقا و يطرح حاليا و الذي أثبت فشله كما تعرضنا له سابقا. لهذا فإننا نعني بالتنمية "الإسلامية" عملية متعددة الأبعاد و المسارات، يلتقي فيها كل من السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و النفسي و الثقافي، من أجل حياة طيبة، تتمثل في تهيئة الظروف المادية و الروحية للإنسان العابد، لإيجاد السكينة و الراحة المادية و النفسية التي تجعله يلامس الذروة في علاقته مع ربه ومع مجتمعه.
                                                                                          ـ يتبع ـ




[1] سمير الشيخ "البنوك الإسلامية :خصائصها، أهميتها،مقومات نجاحها" في مجلة البنوك الإسلامية، الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، القاهرة، عدد51، ربيع الأول 1407هج/ديسمبر1986، ص:47.


[2] حامد العابد "البنوك الإسلامية" ص:88 Paris Economica 1990


[3] روجي غارودي "تأمل في الاقتصاد الإسلامي" ص:8 Centre mondial d’études et de recherches sur le livre vert . Tripoli 1984.


2007-06-21