مقاربـة إسلامية للإقتصــاد والتنميــة / الجزء الثــامن والأخير/ د.خالد الطراولي


مدخل في البناء البديل [8/8]
بعدما تعرضنا في الجزء السابق إلى ماهية التنمية الاقتصادية التي يحملها مشروعنا وحلّلنا نتائجها وأبعادها الخمسة الأوائل، نواصل مشوارنا في هذا الجزء الأخير بسرد بقيتها
.6. والتنمية الاقتصادية أخلاقية وهو ما عرجنا على أغلبه في حديثنا السابق عن البعد الأخلاقي في العملية الاقتصادية، حيث اعتبرنا الأخلاق والأبعاد الروحية ركيزة أساسية وليست ديكورا ولا حالة استثناء، فليست هناك أخلاق اقتصادية ولكن هناك اقتصاد أخلاقي وتنمية أخلاقية.
والبعد الأخلاقي بما ينتجه من عنصر الثقة الذي أصبح من الثوابت في بعض النماذج المطروحة والذي أضحى يمثل مؤشرا للتنمية الناجحة.
.7. و التنمية الاقتصادية إيكولوجية. حيث يصبح الإنسان عنصرا متوافقا مع بيئته الطبيعية و السنن الكونية . أساسها التسخير و عدم الإسراف و احتساب الأجيال القادمة، وأنّ كل محاولة لإفراغ هذا التوافق والانحراف عنه يشكل خطرا لوجود الإنسان نفسه.
و من أركان هذا التوافق العبادة فكل شيء في الكون عابد مسبح ذاكر على حالته و الإنسان العابد يمثل حالة التماثل و التمازج في هذا البناء. و أن ابتعاده وإخلاله بهذا الجانب يجعله في انزواء و تصادم مع عناصر الكون. و لعل في النهاية المأسوية لحضارتين ذكرتا في القرآن تعدّتا حدود المعقول في استغلال مواردهما، خير عبرة لما بلغته الحضارة الحالية من تجاوزات رهيبة في استعمال ثروات الأرض. فقد جابهت قبيلة "عادُُ" مبعوث السماء وأسرفت في بناء القصور والملاهي(أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون)[الشعراء 128/129]. ورفضت قبيلة "ثمود" التقشف والاعتدال في استعمال الثروة المائية، خاصة وأن القرية لا تملك إلاّ بئرا وحيدة، (قال هذه ناقة لها شرب ولكم يوم معلوم)[الشعراء 155]
و الإيكولوجيا ليست علما قائما اكتشفه الفكر الإنساني حديثا، أو أخلاقا جديدة تسعى لمقاومة التلوث ، أو فلسفة تحزب سياسي حديث ، أو سعيا لتحسين وضع و بيئة الأجير في عمله. إن الإيكولوجيا إسلاميا تعني عودة الابن الضال (الإنسان) إلى حظيرة التوافق و الانسجام مع بيئته التي تلمّ كل مخلوقات الأرض و السماء من عبادة وامتثال لأمر الله، ومن وسطية و عدم إسراف و تكافل أفقي في المجتمع و عمودي عبر الأجيال، واعتبار التسخير تعايشا بين الفئات و الأشياء و ليس استعبادا و إذلالا بين الأجناس.
و هذا يعني أن تنميتنا الإيكولوجية لن تكون تنمية التكالب الإنتاجي و لا تنمية الصفر. فلا ننتج لأنه ممكن فقط، و لكن ننتج لأننا في حاجة إليه أولا. و لا ننتج ثم نُتبعه حاجته، و لكن نحتاج فيتبعه إنتاجه إن أمكن.
.8. أما الدولة الصالحة فتمثل أداة المعالجة و المراقبة و المبادرة في اقتصاد عبادي، و على نجاح دورها الحساس يتوقف نجاح المشروع التنموي. و سوف نورد بخلاصة هذه الفرضيات الأساسية لهذا الدور الذي يهدف انتهاء إلى إسعاد الإنسان العابد دينا و دنيا و تيسير عبادته لله سلوكا وشعيرة وصلاحه دينا ودنيا  :
*/ الدولة حارسة و مراقبة و محترمة لآليات السوق. وهو يندرج تحت واجبات المسؤولية والرعاية التي ألزم بها المشرع الفرد والمجموعة والمؤسسة.[حديث : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته]
*/ الدولة منتجة و مستهلكة و مستثمرة.
*/ الدولة ضامنة للارتزاق و هي مستعدة من أجل ذلك إلى إحداث تغييرات و تطورات في قوانين الشغل و المؤسسات مثل نقصان ساعات العمل أو سن الشيخوخة و زيادة حدود التكافل بين الأسر و بين الأحياء و المدن من أجل الحصول على العمل الكلي في الاقتصاد.
*/ الدولة ضامنة لحد معين للعيش تكريما للإنسان و سعيا إلى راحته المادية و الروحية. وهي تتمتع بأدوات الضريبة و آليات التضامن من أجل تنزيل مشروعها وإثباته [حديث : في المال حق سوى الزكاة].
*/ الدولة تكرم العائلة و المرأة و تثبت لها أجرا منزليا، لأن في استقرار الأسرة استقرارا للأفراد وفلاحا للمجتمع.
.9. أما البنك الإسلامي فإنه يمثل عنصر الفرادة والحداثة في المشروع التنموي بما أحدثه التنظير المصرفي اللاربوي من تجديد في مداولة المال ادخارا واستثمارا، حيث أصبح تقاسم المخاطرة بين ندرة المال و وفرته إحدى أعمدة الطرح الجديد. فأضحى المصرف الإسلامي عنصرا مشاركا مباشرة في الإنتاج بما يموله من مشاريع استثمارية حسب عمليات المضاربة أو المشاركة، ومشاركا في الاستهلاك و ترشيده بما يموله من مشاريع إسكانية و استهلاكية نهائية خاصة لضعاف الحال وهو جانب هام يجب أن يتفرد به البنك الإسلامي و يسعى إلى إنجاحه، بعيدا عن غائية الربح العاجل، إذا كان البنك يريد إحداث ثورة فكرية و عملية في هذا المجال. ويرى نموذجنا المطروح مع فرضياته المعلنة سابقا، إلزامية تحاشي البنك الإسلامي تضخيم جانب المرابحة وتهميش دور المضاربة والمشاركة رغم الأسباب الموضوعية التي دعته في بعض الأحيان إلى تغليب عامل الربح على البعد التنموي الطويل المدى[[1]]. ويكون هذا التوجه مدفوعا بتبني الدولة كلية التقنيات الاستثمارية من مشاركة ومضاربة، وإحداث بنوك مؤممة لذلك. فالقطاع الخاص الذي ساهم بقوة في انطلاق التجربة المصرفية الإسلامية، كانت له مبرراته ودوافعه الربحية المفهومة، غير أنه لم يستطع تنزيل الجانب الفريد في النظرية والأكثر تنموية لغياب الربح الحيني واهتزاز الواقع الأخلاقي وضخامة التمويلات المطلوبة. وعلى الدولة، بما تحمله من سلطة أخلاقية وقوة رادعة وإمكانيات تمويل كبيرة وقدرة على التصرف والمراقبة، أن تتحمل عبئ هذا البعد التنموي والاجتماعي في استعمال المال استثمارا واستهلاكا.[[2]]
.10. والتنمية الاقتصادية مندمجة فليس التوجه الخارجي والتصديري الكلي قدرها الحتمي، مثلما سعت إلى إبرازه وتشجيعه مؤسسات النقد الدولي والبنك العالمي، حيث اعتبر هذا النموذج الموجه للخارج الحل الوحيد والناجع للتنمية. غير أن الأزمات المتلاحقة التي ضربت جنوب شرقي آسيا وروسيا وأمريكا الجنوبية بداية من أواخر التسعينات، أنهت هذه المزاعم وعظمت جوانب التداين لهذه الاقتصادات وأفاضت بؤسها وزلزلت استقرارها.
إن النموذج الهندي الذي سعى إلى عدم ربط نموه بكمية إصداراته وانفتاحه على الخارج، جعله يتمتع بمعدلات نمو متوسطة (3 %) غير أنها مستقرة ومدعومة [soutenu] وجعل اقتصاده ينجو من كل الهزات المتوالية التي ضربت العالم في العقد الأخير. إن التنمية الهندية أثبتت محدودية الرهان على الانفتاح الجامع والاندماج الكلي في الاقتصاد العالمي دون انتقاء أو تمحيص، وأن سياسة اقتصادية أقل انفتاحا وأكثر انتقائية تمثل العربون الأفضل لتنمية مستقرة، ومتواضعة ولكنها دائمة ومدعومة [[3]
خــــــــاتمة
لا تزال التنمية تمثل هاجسا للحكومات، وحلما فضفاضا للمجتمعات، ولغزا محيرا للأفراد. ولقد ظل العالم الثالث يشكل مسرحا وفضاء لتجارب ونظريات مخبرية للمفكرين والسياسيين، وأمسى الطرح الليبرالي وحيدا على الساحة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، مركزا غالبا على البعد الإقتصادوي والمادي لإنجاح المسار التنموي رغم الخيبات المتكررة لمشروعه.
ولقد سعى المفكرون الإسلاميون إلى تثبيت فلسفة تنموية تلتقي في الكثير منها مع الطرح القائم رغم الإطار الأخلاقي الذي سعوا إلى إدماجه. لكن بقيت الرؤية الإسلامية حبيسة تطورات الفكر الليبرالي، ولم تستطع تأكيد فرادتها وحداثتها، لعدم بلورتها لمفهوم آخر للتنمية، خوفا من السقوط في تهمة التخلف. وقد حاولنا إثبات مقاربة إسلامية مغايرة، تنبثق من تحديد أولي لمصطلح جديد في الاقتصاد "الإنسان العابد". والتي تسعى لاحقا إلى جعل الحياة الاقتصادية من استهلاك وإنتاج واستثمار تدور حول العبادة شعيرة وحركة، وتجعل من الأخلاق ركيزة للعملية الاقتصادية وهدفها الأسمى. 
من هذا المنطلق " فالتنمية العابدة " يمكن أن تمثل بديلا حضاريا للبلدان النامية وغيرها، بما تتبناه من رؤيا شاملة للإنسان وبيئته، حيث تسعى إلى تنزيل مفهوم العبادة في الواقع المعاش و الارتفاع بالمجتمع من حالة تقديس المادة إلى مستوى الخلافة. ليصبح البعد الرباني والروحاني والأخلاقي مؤشرا هاما ورقما أساسيا في معادلة التنمية، لتكوين المجتمع العابد والصالح المصلح.والله أعلم



[1]  انظر بحثنا "البنوك الإسلامية وهاجس التنمية" مجلة "أقلام أونلاين" عدد 4 [مارس أفريل] 2002.


[2] انظر بحثنا المنشور " الصيرفة الإسلامية : سلامة النظرية، صحة التجربة وخطأ التحميل. " مجلة رؤى باريس عدد 6 فيفري 2000.


[3]  انظر المثال الذي عالجه KOLKO  بخصوص الهند في [ Monde Diplomatique Mai 1998, P 7. ]


2007-06-21