المصرفية الإسلامية، سلامة النظرية، صحة التجربة وخطأ التحميل. الجزء الأول : سلامة النظرية/ د.خالد الطراولي


توطئة
أضحت التجربة المصرفية الإسلامية حقيقة قائمة بذاتها، أثبتت وجودها على الصعيدين الإقليمي والدولي، بما اكتسبته من قبول وتعاطف ونجاح من قبل جمهور المدخرين والمستثمرين. كما برهنت على قدرتها على مواكبة تطورات الصناعة المصرفية الحديثة، وتلبيتها لآمال ومطالب قطاعات عريضة من مجتمعاتها. ولقد كان وراء هذا النجاح العملي اجتهاد نظري فريد، يُعتبر أفضل ما جادت به الذهنية الإسلامية منذ قرون طوال؛ ومن بين أكبر المساهمات حداثة وجدية في الفكر الاقتصادي. فقد سعت النظرية إلى إثبات أنّ التعامل المصرفي ليس رديفا للتعامل الربوي، الذي لا يمثل إلاّ رؤية معينة للتعامل المالي، تنطلق من نظرية فلسفية محددة للعلاقة القائمة بين أطراف العملية المالية من أصحاب الوفرة والندرة.
ورغم هذه الحصانة النظرية والنجاح الميداني، فإن الفعل المصرفي الإسلامي يبقى قابلا للنقد والتساءل على أكثر من باب، وهذا ليس عيبا فيه، فهو سر نجاحه وتطوره، غير أنه هناك مفارقة عجيبة بين النظرية والتطبيق، وانحرافا غريبا عن المكونات الرئيسية للأسس النظرية؛ والتي شكلت جانبها الرائد والفريد في مقابل أطروحات المصرفية التقليدية. فهل تخلى الفعل عن الرداء النظري، تعبيرا عن مثالية النظرية وعدم واقعيتها؟ أم أن التطبيق أوجد مسارا جديدا غفل عنه التنظير؟ أم أن الواقع المصرفي المهيمن، أثبت شطارته وفعاليته وأحادية طرحه، وأن لا خلاص بدونه؟. أم أنّ المسار البنكي الإسلامي أثبت في النهاية سلامة النظرية والنجاح "الجزئي" للتجربة، لخطأ في تحميل المشروع وتبنيه؟.
من هذا المنطلق، واحتراما لمنهجية التقديم، واستصحابا لكل هذه الإعتبارات، تحاول هذه الدراسة بداية إلى ملامسة هذا المشوار النظري والتطبيقي، دون الإبحار في ثناياه وتفصيلاته التي أخذت نصيبها الأوفر في أدبيات المصرفية الإسلامية، وهو غير مطمح هذه الدراسة. ثم التعريج لاحقا على مؤاخذاتنا و تبيان أطروحتنا، والتي تشكل جوهر وهدف هذه الورقة المتواضع. ونحن نعلم أن الإتيان على التجربة لا تسمح به هذه الورقة ولا غيرها، ولا سبيل إليه إلا في إطار موسوعي يحتاج إلى أكثر من مجلد.
سلامة النظرية
لقد سبق مرحلة التنظير النهائي فترة غلب عليها التأرجح بين تيارين اثنين، حاول كلاهما الإستجابة لضغوطات الواقع، والإدلاء بموقف شرعي للتعامل المالي الذي يفرضه النظام المصرفي التقليدي. فقد اختار التيار الأول المصالحة والتوافق معه، اعتمادا على تأويل النصوص والحاجة والضرورة، ويمثله محمد عبده وتلميذه رشيد الرضا. وتيار يعتبر الفائدة البنكية رديفا للربا وهي حرام شرعا، وعلى رأسه عبد الله دراز ومحمد أبو زهرة[[1]]. وشكَّل هذا الفصيل الأخير النواة الأولى لللإنطلاقة الفعلية للمصرفية الإسلامية. فعبَّرت النظرية عن نقدها للمصرفية التقليدية في تعاملها بالربا أخذا وعطاءا، ورفضها للفائدة الظاهرة أو الباطنة، المباشرة أو الغير مباشرة، و الثابتة أو المتحركة، المحدّدة سابقا أو لاحقا، المركبّة أو الميسّرة؛ لللإستهلاك كانت أو للإنتاج. وآخذت النظرية المصرف التقليدي على عدم مؤازرته الفعلية لمسار التنمية، وتدخله الإجتماعي المحتشم، واستنكافه عن مساعدة ضعاف الحال وأصحاب الملاآت المالية المتواضعة. كما عابت على النظرية التقليدية عدم إنصافها لأطراف المعاملة المالية، حيث غلَّبت مصلحة صاحب رأس المال باستبعاده عن المخاطرة، وإلقائها كلية على المقترض مستهلكا كان أو مستثمرا.
تأصلت النظرية على مجموعة مبادئ شرعية تلتقي في أغلبها مع مرتكزات الإقتصاد الإسلامي، ويمكن إجمالها في الثوابت التالية :
 1. خلافة الإنسان وما يتبعها من واجبات المستخلَف، فالمال مال الله والإنسان مطالب بكسبه وإنفاقه حسب مقتضيات الشارع. فيصبح المال خادما للمجتمع يدور معه حيث دار.
 2. إعمار الأرض والمشي في مناكبها والسعي في تنميتها.
 3. لا ضرر ولا ضرار، حيث ترتبط حلية العملية الإقتصادية بخلوها من الفساد والإفساد وإضرار الفرد والمجتمع.
 4. العمل هو المصدر الطبيعي للكسب، لذا سقطت الفائدة لأنها تمثل جزاءا بدون عمل.
 5. حصر وظيفة النقود في أنها وسيط للمبادلات ووحدة للتحاسب و مقياس للقيم وعدم الإعتراف بها كمستودع لقيمة الأشياء.
 6. الغنم بالغرم، حيث ينتفي الغنم المضمون والحصول على عائد دون تقاسم للمخاطرة الإقتصادية.
نخلص من هذا إلى النتائج الإقتصادية التالية، التي تشكل الركائز والخصائص الرئيسية للمؤسسة المصرفية الإسلامية[[2]] :
 1. استبعاد التعامل بالربا أخذا وعطاءا.
 2. التركيز على التمويل العيني ورفض القرض النقدي والمتاجرة بالإئتمان.
 3. بعث علاقة جديدة بين الوفرة المالية والندرة، أساسها المشاركة في النتائج ربحا أو خسارة. وهذا يؤكد على خاصية هامة للإستثمار الإسلامي المعتمد على المخاطرة، و توزيعها المنصف بين أطراف المشروع. وينتج عن هذه الجماعية في التحمل جماعية في الربح و قيمة مضافة للمجتمع.
 4. توجيه الجهد نحو التنمية عن طريق الإستثمار.
 5. ربط التنمية الإقتصادية بالتنمية الإجتماعية.
 6. إحياء فريضة الزكاة ووظيفتها الإقتصادية والإجتماعية الصحيحة.
ويصبح البنك الإسلامي المؤسسة التي يتنزل فيها هذا التنظير، والتي تحمل عبئ إنجاحه وتصحيحه أو إفشاله، بما تحمله من مسؤولية عقائدية واقتصادية و اجتماعية وتنموية[[3]] . فهو " مؤسسة مالية مصرفية لتجميع الأموال وتوظيفها في نطاق الشريعة الإسلامية بما يخدم بناء مجتمع التكافل الإسلامي وتحقيق عدالة التوزيع و وضع المال في المسار الإسلامي "[[4]]. وهو مصرف شامل، يجمع بين وظائف البنوك التجارية في تعاملاتها القصيرة الأجل، ومصارف الإستثمار والتنمية و الأعمال في آجالها المتوسطة و الطويلة[[5]]. ويمكن إجمال نشاطه في ثلاثة أبواب :
 1/ عمليات مصرفية عادية، مثل قبول الودائع وصرف الصكوك و إصدار الحوالات.
 2/ خدمات إجتماعية و تكافلية، كجمع الزكاة من الحرفاء و صرفها على مستحقيها، ومساعدة البعض عن طريق القروض الحسنة.
3/ أنشطة استثمارية تقوم أساسا على عدم ضمان الربح مسبقا، وعلى تقاسم المخاطرة بين الممول (البنك) و حريفه. و تستند أغلبها على صيغ و عقود لفقه المعاملات وقع تطويرها و تحديثها لتواكب متطلبات الواقع المصرفي الجديد و المتجدد. و هي على التوالي المضاربة، المشاركة، المرابحة، الإجارة، الجعالة، السلَم، الإستصناع، المزارعة و تأسيس الشركات أو المساهمة فيها[[6]].
ـ يتبع ـ





[1] لا يزال هذا التقسيم ساري المفعول بعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن رغم هيمنة أصحاب التحريم ونجاحهم في تأصيل الصيرفة الإسلامية، وتهميش دعاة التوفيق والمصالحة؛ و الذين يمثلهم حاليا شيخ الأزهر وقلة من العلماء.


[2] انظر على سبيل المثال لا الحصر أحمد عبد العزيز النجار " المدخل إلى النظرية الإقتصادية في المنهج الإسلامي " الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية ط 2 ص:162. و " البنوك الإسلامية وأثرها في تطوير الإقتصاد الوطني " ورقة قدمت إلى الندوة العالمية للإسراء والمعراج بعمان الأردن.


[3] لقد أسرف البعض في تحميل المصرف الإسلامي أعباء تتعدى دوره المالي والتمويلي، من توازن واستقرار كلي، والتي تبقى من مشمولات الإقتصاد الإسلامي. فاستبعاد الفائدة و قيام البنوك الإسلامية لا يمثلان إلا جانبا من مجالاته.


[4] جهاد أبو عويمر " الترشيد الشرعي للبنوك الإسلامية " الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية جدة 1986 ص:30.


[5] رغم أن هذا التمييز أصبح لاغيا نسبيا نتيجة انتشار ظاهرة الصيرفة الشاملة، فإن كل الإعتبار يعود إلى أسبقية المصارف الإسلامية في هذا المجال.


[6] لمزيد التعريف بهذه الصيغ انظر مثلا خالد الطراولي " المصارف الإسلامية و صيغ الإستثمار المهمَّشة " مجلة " رؤى " السنة الأولى عدد ¾ سبتمبر/أكتوبر 1999. و " البنوك الإسلامية و هاجس التنمية " بحث عير منشور أُعِد لمنتدى اقتصاد المستقبل 1999.


2007-06-21