المصرفية الإسلامية : سلامة النظرية، صحة التجربة وخطأ التحميل. الجزء الثالث : خطأ التحميل/ د.خالد الطراولي


لقد أطنبت الكتابات والأدبيات الإسلامية البنكية في التذكير والإشارة إلى تضخم جانب المرابحة والتجارة في المعاملات المصرفية الإسلامية، في مقابل اهتزاز وهشاشة جانب المضاربة الذي يشكل العمود الفقري للتجربة و فرادتها بالنسبة للعمل المصرفي التقليدي[[1]].
وقد تفطّن مجلس الفكر الإسلامي في باكستان في تقريره المشهور سنة 1977، إلى إمكانية غلبة المسعى التجاري و الصيغ الكفيلة به في المعاملات البنكية على نظام المشاركة؛ الذي يُعتبر مع القرض الحسن البديل الإسلامي الأول للنظام المصرفي. فنبه إلى استخدامها والحذر في استعمالها بصورة مؤقتة وفي أضيق نطاق، حتى تتقلص تماما لتفسح المجال إلى البديل المشاركاتي. وهذا يدل على أن العاملين في المصرفية الإسلامية كانوا على علم مسبق بإمكانية هذا الإنحراف العملي، غير أنهم أخطئوا في جعلها مرحلة مؤقتة رغم تواجد الأسباب الطبيعية لجعلها حالة دائمة في الإنتشار والتمكّن. وقد أرجع التقرير صعوبة تنزيل مبدأ المشاركة بداية إلى هشاشة الواقع المنزل فيه، من أميّة كبيرة لدى أصناف كثيرة من المجتمع والميل إلى إخفاء الأرباح الحقيقية في غياب الوازع الأخلاقي ونقص في نظم المحاسبة الإسلامية. حتى أنّ بعضهم تساءل هل أصبح الأصل في الناس الفساد وخراب الذمة، مع أن القاعدة العامة تشير إلى أنّ الأصل في الناس الصلاح والعدالة؟[[2]].
كما أرجع الشيخ صالح عبد الله الكامل (وهو أحد أعمدة التجربة المصرفية الإسلامية ورئيس مجموعة دلة البركة السعودية) هذا الضمور في التجربة إلى عدم تحرر النظرية من الصبغة التقليدية للبنك حيث وقع اعتماد الإسم والمسمى، فظل المصرف وسيطا ماليا لا غير، وعجزت المصارف الإسلامية أن توجد لنفسها مفهوما ونمطا يتجاوز مسألة الوساطة المالية؛ فأضحت الصيغ المفضلة تعاملات وصيغ الوساطة الخالية من المخاطرة والغير محققة لمقاصد الشريعة، والغير موجدة للقيمة المضافة، وغابت الإستثمارات المنتجة والمشروعات المحسوسة [[3]].
وأرجع بعضهم هذا التغيير إلى سوء الإدارة ونقص الإخلاص والكفاءة، لأنه من الأهمية بمكان أن يكون القائمون على المصرف مؤمنين بتوجهه الرسالي وبعده الإجتماعي سلوكا وتطبيقا[[4]]. كما يبدو أن خضوع البنوك الإسلامية لكثير من قوانين بلدانها، مثل قانون الشركات والقانون التجاري، والتي غالبا ما تكون صالحة لصيغ الاستثمار الربوي و غير قابلة للعقود الإسلامية، مما يستدعي جهدا مضافا للبحث عن وفاق و مخارج شرعية لها تبعدها عن أهدافها الأولى.
ولقد سعى بعض الإقتصاديين الإسلاميين إلى اقتراح مخارج لتفادي هذا التسيب المرابحاتي وتجنيب البنوك هذه الحلول السهلة؛ فنادى جمال الدين عطية بتوزيع الاستثمارات البنكية بين الصيغ المختلفة وإلى تواجد سلتي استثمار، إحداهما خاصة بالإستثمارات ذات الدرجة العالية من المخاطرة ويقتصر فيها الإستثمار على أموال المساهمين والودائع المخصصة لذلك، والأخرى للإستثمارات المحدودة المخاطر وتخص أصحاب الودائع العامة ونسبة رأس المال والودائع المخصصة لذلك، على أن لا يتجاوز مجموع الأموال المستثمرة بطريق المرابحة 40 % من مجموع الأموال المستثمرة في هذه السلة[[5]].
إن تواصل هيمنة المرابحة وتفضيل الصيغ القصيرة الأجل وصدارة القطاع التجاري، يؤكد أولا على وجود أسباب موضوعية، من ضبابية العلاقة مع بعض البنوك المركزية، وفقدان المساندة العملية عند الإقتضاء، ومنافسة حيثية وفكرية لأطراف المصرفية التقليدية الذين ما فتئوا ينظرون إلى هذا المولود بصيغة العداء والتشهير. كما أن الواقع الأخلاقي المتأزم للمتعاملين نتيجة غياب المجتمع المسلم، ساهم في انفراط عقدة الأمانة والثقة بين البنك الإسلامي وحرفائه. زيادة على أن استثمارات المضاربة والمشاركة تتطلب الكثير من الإحاطة والمراقبة المتواصلة، مما يجر تفاقما لتكاليف البنك وتهميش لمردوده المالي. كما يدل هذا التواصل لتضخم المرابحة والصيغ القصيرة والتجارية ثانيا، على حيادية الموقع، فالمرابحة في بلدان وصلت مرحلة التمكين، لم تكن مهمشة؛ بل هيمنت على الصيغ الأخرى، فهي قاربت 90 % في باكستان سنة 1984 و50 % في السودان سنة 1995.
من هذا المنطلق يبدو لنا أن نجاح التجربة وتواصلها ليس إلا تعبيرا عن توجه آخر للنظرية، وقع إغفاله وسنسعى لاحقا لإبرازه. فلقد نجحت التجربة بما تَحَمَّله القطاع الخاص في غالبه من أعباء انطلاقها ومواصلتها وإنجاحها، ولم يكن ممكنا تحاشي الأخذ بهذا التوجه الربحي والمرابحاتي في بداية هذه الرحلة للأسباب التالية :
 1. غياب الدولة المسلمة الساعية إلى إدخال الصيغة اللاربوية في معاملاتها المصرفية في فترات الإنطلاق.
 2. الفورة البترولية التي أثارت تكدس ثروة مالية كبيرة لدى أطراف عديدة، خاصة في بلاد الخليج.
 3. وجود هم إيماني لدى بعضهم في السعي إلى ادخار واستثمار أموالهم حسب مقتضيات الشريعة الإسلامية دون المساس بالهدف الربحي.
 وبقي القطاع الخاص مهيمنا على المصرفية الإسلامية رغم دخول دول إسلامية مرحلة التمكين، مثل إيران والسودان ونسبيا باكستان . ويمكن ملامسة هذه الخاصية في السودان مثلا حيث تبلغ المصارف التجارية الاستثمارية نسبة 82 % من جملة المصارف، وتحوز على 75 % من جملة الفروع المصرفية سنة 1997، في حين تبلغ المصارف الحكومية التجارية والتنموية نسبة 18 % وتحوز على نسبة 25 % من جملة الفروع .[[6]]
وهكذا يلتقي البعد الربحي مع الملكية الخاصة للقطاع البنكي الإسلامي، وهذا ليس عيبا في حد ذاته ولا مرفوضا شرعا. فالمسلم مطالب بتثمير أمواله وعدم كنزها والسعي إلى الربح من وراءها . وما قامت به المصارف الإسلامية من توجه تجاري وتضخيم لصيغة المرابحة، هو تعبير سليم عن هذا السعي المبارك. أماالبحث عن مبررات واحترازات حول هذا" الغلو" من طرف البنوك الإسلامية، للإجابة على هذه التفسيرات، ومطالبات العديد من الاقتصاديين والمفكرين الإسلاميين بتدارك هذا الانحراف والعودة إلى أصل النظرية، لا يعتبر مجديا، والواقع العملي لهذه البنوك يؤكده.
ولم تخطئ النظرية كذلك، لأنها عبرت عن هدفها الأسمى من وراء إنشائها و هو أسلمة الفكر الاقتصادي المصرفي، وتحميله الدور المركزي في تنمية المجتمعات القائمة، دون درء للجانب الربحي في المعاملات المالية المنشودة. غير أن حداثة النظرية و فرادتها (Originalité) يتركزان حول نظام تقاسم المخاطرة بين أطراف العملية الإستثمارية، الذي يجد أصوله في عقود المضاربة والمشاركة والمزارعة في فقه المعاملات القديم. وهذه الصيغ التي طُورت لتواكب الواقع الحالي الجديد والمتجدد، لم تستطع عمليا الوفاء للنظرية، التي لم تغفل عن ذكر عقود استثمارية قديمة، لوحت بها كصيغ ممكنة في المصرفية الإسلامية، مثل الإيجار والمرابحة. غير أن هذه الصيغ لا تحمل في الحقيقة المعيار الأول والصفة الخاصة التي ميزت المصرفية الإسلامية عن غيرها. فالمرابحة لا تحمل تقاسما للمخاطرة، ولكن تطرحها على المستثمر وتجنب صاحب المال تبعاتها، وهذا لا يفترق عن القرض الربوي، فالتمويل بالمرابحة يجعل هذه العلاقة تنقلب إلى دائن بمدين، لتستوي مع المصرفية التقليدية. كما أن بعدها التنموي يبقى مهزوزا، نظرا لغلبة التجارة الدولية في معاملاتها وقصر آجال صفقاتها[[7]]. ونحن لا ندعي أن عامل المخاطرة هو المحدد لشرعية المعاملة، رغم أن هذه الفكرة مازالت لم تحسم بعد[[8]]، غير أن هذه الصيغ تمثل في الحقيقة توجها آخر للنظرية، سعت هذه الأخيرة إلى تحجيمه في بداية أطروحاتها؛ واعتبرته مجرد إثراء لها.
من هذا المنطلق فإنه يتبين لنا ما يلي :
 1. أن النظرية المصرفية الإسلامية حملت بين أظهرها توجهين منفصلين، ولّد كلاهما خطّي استثمار متباينة؛ يحمل الأول جانب المخاطرة وتمثله صيغ المضاربة والمشاركة والمزارعة، ويمكن إدماج الإستصناع والجعالة وبيع السَّلم. أما الثاني فإنه لا يتميز عن الإقراض التقليدي في هشاشة المخاطرة أو غيابها تماما وهو ما نجده في عقود الإيجار والمرابحة.
 2. لقد ضخمت النظرية الصنف الأول المركّز على المخاطرة، واعتبرته البديل الرائد للمعاملات الربوية، وهي محقة في ذلك بلا شك، غير أنها عملت بوعي أو بغير وعي، على دمج الصنف الثاني وعدم تمييزه عن الصنف الأول. وسعت جاهدة إلى إبراز وجود بعض المخاطرة في أصناف كالمرابحة؛ مثل أن السلعة المباعة من طرف البنك للآمر بالشراء مرابحة، تبقى في ضمانه بعض الوقت، وهذا يشكل تحملا ولو كان طفيفا لجانب المخاطرة في العملية، لكن الواقع العملي يثبت عكس ذلك.
 3. لقد انتهزت التجربة وجود هذه الصيغ من النوع الثاني، واعتناء النظرية بإلقاء رداء المخاطرة عليها، لتتبناها وتبالغ في التعامل بها، مرددة صعوبة الواقع المحيط تارة، أو الربحية المرجوة لتمكين التجربة وبقاءها، تارة أخرى.
 4. سعت النظرية والتجربة لاحقا إلى التذكير بأن هذا التوجه ليس إلا مرحلة في هذه الرحلة الطويلة، وأن عامل التمكين ووجود المجتمع المسلم، سيمكنان من تجاوز هذا "الإنحراف". غير أن التجارب الإيرانية والباكستانية والسودانية تؤكد عكس هذا.
نخلص من هذا إلى أن النظرية كانت سليمة، لأنها دعت حقيقة إلى إنشاء فكر مصرفي رائد، يتركز حول تقاسم المخاطرة بين أطراف المعاملة المالية؛ مع وجود صيغ تعاملية أخرى لا يُطعَن في شرعيتها، غير أنها لا تحمل هذا العنصر الجديد. كذلك فقد كانت التجربة ناجحة لأنها اعتمدت إحدى هذه الإفرازات " الجانبية " للنظرية والتي نرى أنها تشكل صنفا خاصا قائما بذاته، والذي لا يحمل المرحلية ولا عدم الشرعية.
غير أن التجربة فشلت في التعبير عن الجانب الرائد والفريد في النظرية، لخطإ في تحميل المشروع.  فالقطاع الخاص المُنفّذ للتجربة والساهر عليها، سعى جاهدا إلى الربحية، وهو حقّه المشروع كما عنيناه سالفا، فليس من الفعالية والجدوى، ولا من الشرعية الدينية، تحميل القطاع الخاص تنزيل الجانب الفريد والجديد للنظرية، والذي يحمل همّ المخاطرة والمصابرة، والذي يمثله نظام المضاربة والمشاركة. لذا نرى أنه يجب إيجاد المؤسسة الكفيلة والقادرة على تنزيل هذا النظام، والتي تحمل الميزات والخصائص التالية :
 · سلطة أخلاقية وواقعية.
 · إمكانية تمويل ضخمة.
 · قدرة كبيرة على التصرف والمراقبة.
 · معرفة جيدة بحرفائها على كل المستويات.

وحسب قراءتنا فإن المؤسسة الوحيدة القادرة على الإجابة على كل هذه الشروط، هي الدولة. فهل يجب الحديث إذا عن عملية تأميم للقطاع البنكي حتى يحصل نجاح التجربة؟ الإجابة قطعا سلبية، فإن التأميم المذكور هو تأميم تقنيات استثمارية معينة، في ظل تواجد أخرى مخوصصة. فا "الدولة البنك" أو "البنك الدولة" ليس إلا جانبا أساسيا من النظام المصرفي الإسلامي يتعايش مع البنوك التجارية الخاصة؛ والذي يحمل على عاتقه تنزيل نظام المشاركة والمضاربة، والمساهمة الفعالة في إنجاح مسار التنمية الذي يتطلب غالبا الآجال الطويلة والمخاطرة الكبيرة والربحية الحينية المهمَّشة.
ويمكن تخصيص بعض العمليات المالية "للبنك الدولة" ليستجيب لأداء دوره الإجتماعي والتنموي المنشود مثل :
 1. حصر جمع الزكاة على البنك الدولة وسحبه عن بقية القطاع الخاص، أو السماح به مع ربطه بنسب استثمارية مصاغة حسب نظام المشاركة.
 2. توجيه إيرادات قطاع الأوقاف وعملية تسييره إلى البنك الجديد.
 3. منع تقبل أموال الوصايا والهبات والتبرعات على البنوك الخاصة وتحويلها إلى البنك الدولة.
ختاما
تبقى المصرفية الإسلامية حبيسة عوامل محددة ومتكاملة لنجاحها، فهي رهينة مرحلة التمكين، لكي تتبنى الدولة بصفة جدية و أكثر حرصا نظام المشاركة والمضاربة في استثماراتها. وهي ترحب بالمجتمع المسلم القابل أخلاقيا للتجاوب معها، وهي تؤكد، كما هو حالها الآن، على تبلورها وتطورها واستحداثها لصيغ وعقود جديدة لتواكب حاجات الناس وضغوط الواقع، دون المساس بشرعيتها الدينية ولا بمصادمة أسس نظريتها، في انتظار الغد القريب، دون السقوط في مثالية لا تُقنع، وتجربة لا تنفع، وإرجاء لا يفيد.



[1]  انظر مثلا فياض عبد المنعم حسنين "بيع المرابحة في المصارف الإسلامية" المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى القاهرة 1996. 


[2] بنك التضامن الإسلامي السوداني " التاجر الصدوق وبدائل الإستثمار الربوي " 1983 ص:23.


[3] صالح عبد الله الكامل " العمل المصرفي الإسلامي والمشتقات المصرفية الحديثة " مجلة " اتحاد المصارف العربية " عدد 184 مجلد 6 أفريل 1996 ص:53.


[4] موسى عبد العزيز " فلسفة العمل المصرفي الإسلامي " مجلة " اتحاد المصارف العربية " كانون الثاني 1991 ص:39.


[5] عبد المجيد عطية " البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم، التقليد والإجتهاد، النظرية والتطبيق " صفر 1407هج قطر ص : 83 و 95.


[6] مصارف السودان _ التحديث والعصرنة "اتحاد المصارف العربية عدد 114 مجلة 18 أكتوبر 1998 ص 67 _ 68 .


[7] ا نظر في هذا المجال بحثنا المعد لمنتدى إقتصاد المستقبل باريس أوت 1999 " تأملات حول الفعل التنموي للبنوك الإسلامية المنشور بمجلة " رؤى" عدد 8/9 أكتوبر 2000 .


[8] انظر مثلا "Développement d’un système d’instruments financiers islamiques "
 Acte de séminaire n° 25 Institut islamique de recherche et de formation Djedda Arabie Saoudite 1996.


2007-06-21