قــراءة في شــرعيــة الاستثمــار في البورصة (1/7) الجزء الأول / د.خــالد الطراولي


تعتبر البورصة إحدى القلاع الهامة للاقتصاد في عصرنا، بما تمثله من تجميع وإدارة وتوجيه للثروة، وتشكل أهم مؤسسة مالية تأثيرا على اقتصاد الدول صعودا وهبوطا، فهي المرآة التي تعكس حقيقة الوضع الاقتصادي للبلاد ومؤشرا فعالا لأحوال الشركات التي تنضوي ضمن كيانها.
ولقد ازداد اهتمام الأفراد والمجموعات بالبورصة منذ العقود الأولى لتأسيسها، نظرا للدور المتزايد الذي أخذت تلعبه في تعبئة الموارد وتوجيه الاستثمار وتمويل المشاريع، الضخمة منها والصغيرة، وللربح الوافر الذي تدره للخواص كوسيلة ادخار واستثمار، رغم الهزات المتعددة والخطيرة التي ضربت تقدمها وعصفت في العديد منها بآمال وتوقعات محترفيها. لتبقى البورصة الوسيلة الأجدى ربحا على المدى البعيد أمام كل من الاستثمار العقاري أو التجاري أو الإقراض أو غيره. 
وتمثل المقاربة الإسلامية في هذا الباب تأكيدا على عظمة دور البورصة في شؤون العامة، ومحاولة للاستجابة لضغوطات الواقع الجديد والمتجدد. وبين الريبة والربا يتمثل المشوار الفكري والفقهي لهذه المقاربة، وإذا كانت الريبة تعني الريب والشك والشبهات، وهو في ظاهره معيق للتفكر ومحبط للعزائم، وإذا كان الربا الشبهة الأكبر الحاسمة لكل خلل في الإدراك والتنزيل، فإن بين هذا وذاك سعة من التفكر والتدبر، يعبر عنه مصطلح الإشكال الذي تمثله البورصة وهو مصطلح منشط ومثير ودافع للبحث والاجتهاد والإبداع. 

المبحث الأول : ماهية البورصة وأدواتها
1 ـ ماهية البورصة
يعود الأصل التاريخي للفظ "البورصة" حسب إحدى الروايات إلى "فان دي بورص" البلجيكي، الذي كان محل اختلاف التجار إليه، حيث كان أفراد عائلته يقومون بالوساطة والسمسرة في المعاملات بين الأفراد، فسمي المكان فيما بعد بالبورصة. ولقد عرفت هولندا أول سوق منظمة للأوراق المالية في مدينة أمستردام، ثم تبعتها لندن، قبل أن تكتسح بورصة نيويورك منذ نشأتها سنة 1792 مجال المعاملات المالية وتهيمن عليها لتصبح أكبر بورصة تداول في العالم مؤكدة شعارها التي رفعته :" هنا فرصة عدم البيع تساوي صفرا" !
والبورصة سوق مالية منظمة وثابتة تحكمها قوانين خاصة وتقاليد راسخة لتداول حقوق الثروة بيعا وشراء، والمتمثلة في الأسهم والسندات التي في حوزة المتعاملين، وذلك دون المساس بأصل المشروع. ويمكن تحديد أهم وظائف البورصة وأهدافها كما يلي :
· تقويم أداء الشركات، بما تمنحه من تحكيم فوري لأعمالها ونتائجها واستشراف مستقبلها، وهي تعطي صورة فوتوغرافية حية لمشاريع الشركة وقراراتها وإطار منتوجها والقطاع التابع لها. فيعبر صعود السهم أو هبوطه عن تأكيد ثقة المتعاملين أو انفلاتها وانتكاستها. ورغم أن مؤشرات أخرى يمكن أن تحدد مقدرة الشركة وكفائتها، غير أن البورصة تتفوق بفورية قرارها وسرعته في التنبيه إلى أولى العوامل المحددة في ازدهار الشركة أو انكماش نشاطها، مما يجعل القيمة السوقية لأسهمها تمثل غالبا القيمة "الصحيحة" التي تعكس حقيقة أعمال الشركة ونتائجها عند المحللين والمتعاملين على السواء.
· تقويم أداء الاقتصاد المحلي، بما تمنحه من نظرة إجمالية عامة لميولات المستثمرين واتجاهات الاستثمار في أي لحظة من لحظات مساره، وبما تعطيه من مؤشرات عامة وخاصة للاقتصاد القطاعات وتوجهاتها، مما يعكس قوة اقتصاد البلد أو ضعفه. كما تتجاوز مؤشرات بعض البورصات الإطار المحلي، لتعطي توجها ومعلومة ذات صبغة عالمية، مثلما يحدث بالنسبة لبورصة نيويورك وتأثيرها المباشر على البورصات العالمية ومن ورائها الاقتصاد العالمي.
· تمويل التنمية، عبر مؤازرة نمو الشركات وزيادة رؤوس أموالها، بما تمنحه البورصة من إمكانية التمويل المباشر بعيدا عن هيمنة الإقراض البنكي مما يخفض على الشركة هذه الضغوطات ويقوي قدراتها التفاوضية وأصولها المالية، خاصة وأنها مجبرة على احترام معدلات معينة من الاقتراض لا يجب أن تتجاوز نسبا محددة من الأصول. فالبورصة تشكل منفسا ومخرجا هاما لتنمية فعالية الشركات وتعظيم إنتاجها[[1]].

· منح حركية أكثر لرأس المال، بما تضمنه له البورصة من إمكانية التجديد والزيادة، حيث تتيح سيولتها التخلص أو التمكن من الأسهم والسندات المطروحة دون المساس بأصل الثروة. ففي صورة حالة الميراث مثلا، قد تتعرض حياة الشركة للهلاك في صورة عدم تمكن الوريث من دفع حقوق الإرث. غير أن التخلص إلى حدود 49% من أسهمها لدفع هذه الضريبة يُبقي الشركة ملكا للوريث الجديد، دون أن يُجبر على التخلص منها كلية ويزعزع استقرارها.
· إيجاد سيولة مستمرة لرأس المال، بما تمنحه للبائع من إمكانية تسييل ثروته في كل لحظة وفي أحسن الظروف (باعتبار وفرة العرض والطلب)، كما تلبي للمستثمر مجالا واسعا للاستثمار واختيار أحسن الأوقات وأفضل الشركات على مدار اليوم، خاصة في ظل العولمة الحالية التي جعلت البورصة لا تغلق في مكان إلا وتفتح أخرى في مكان آخر. 
2 ـ أدوات البورصة
رغم تشعب أدوات البورصة التي أدت إلى تعدد مؤشراتها وعقودها، وخاصة بعد تطور المشتقات (dérivés) والمستقبليات (futures)، فإن الأدوات الأصلية للبورصة تبقى محصورة في الأسهم والسندات وحصص التأسيس.
2ـ1 السهم : يقع تعريفه على أنه صك يمثل حصة في رأس مال الشركة، قابل للتداول، ومتساوي القيمة، وغير قابل للتجزئة، يخول لصاحبه حق التصويت والرقابة والأولوية في الاكتتاب، وله نصيب من الأرباح، ولا يتحمل الخسارة إلا بمقدار أسهمه في الشركة.
وتتنوع الأسهم بحسب أشكالها أو قيمتها أو حقوق أصحابها أو علاقتها برأس المال، فقد تكون اسمية أو لحاملها، نقدية أو عينية، عادية أو ممتازة، أسهم تمتع أو رأس مال. وتتمتع الأسهم بأربع قيم، القيمة الاسمية وهي ثمن السعر عند امتلاكه ابتداء، وقيمة إصدارية وهي ثمنه عند إصداره وقد تختلف مع قيمته الاسمية، وقيمة سوقية تعبر عن رأي السوق وقانون العرض والطلب داخله، وقيمة حقيقية والتي تعبر عن صافي أموال الشركة من كل ما تملكه. ولنا عودة لاحقا لهذه الأنواع وتفصيلاتها نظرا لارتباطها المباشر مع موضوع بحثنا. 
2ـ2 السند : يعرفه الاقتصاديون غالبا بأنه جزء من قرض جماعي طويل المدى تصدره الشركات العامة أو الخاصة أو المؤسسات أو الدولة. يتمتع صاحبه بالحقوق الطبيعية للدائن من استرداد للقرض واستيفاء لفوائده.
ومن خصائصه أنه قابل للتداول، ومتساوي القيمة، يعطي صاحبه فائدة ثابتة، وله الأولوية على السهم عند التصفية، وهو يمثل دينا على الشركة لا يرتبط بربحها أو خسارتها، ويكون السند اسميا أو لحامله، وهو طويل الأجل يمكن أن يصل إلى 30 سنة.
وقد تعرضت عديد المعاجم الاقتصادية إلى ذكر أنواع السندات حسب جهة الإصدار أو شروط الدفع أو طبيعة الضمان والحقوق الخ... وتنقسم السندات عادة إلى سندات حكومية تصدرها الخزينة العامة وتضمنها الدولة، وسندات الشركات. ويمكن ذكر هذه الأنواع دون أن نبحر في التفصيلات[[2]] : السند المستحق الوفاء بعلاوة إصدار، السند القابل إلى التحويل (إلى سهم أو سند)، السند الثابت النسبة، السند المتغير النسبة، السند الذي تراجع نسبته، السند المضمون،...
2ـ3 حصص التأسيس : هو التزام من أصحاب الشركة تجاه بعض الأفراد بإعطائهم حقوقا في أرباح الشركة مكافئة لهم نظير أعمال أدوها للشركة، وهذه الحقوق لا تمثل نصيبا في رأس المال، وهي بالتالي تختلف عن السند، وهي ليست لها قيمة اسمية ولكن تتحدد حسب نصيب من الأرباح، وعلى عكس الأسهم لا تخول لصاحبها حقوق التدخل في الشركة.
ـ يتبـــع ـ





[1]  أضحى الالتجاء إلى البورصة لتمويل نشاط الشركات حالة متعاظمة خاصة مع طفرة الاقتصاد الجديد، ففي فرنسا كان التمويل البنكي يمثل 85% من تمويل الشركات سنة 1981 ليتقلص إلى 56% فقط سنة 1991
.Corynne Jaffeux «  Bourse et Financement des entreprises  »  Dalloz Paris 1994 P :3.


[2]  انظر مثال ذلك  Edition Le journal des Finances 1997, P : 47-48."L’école pratique de la bourse"


2007-06-21