قــراءة في شــرعيــة الاستثمــار في البورصة (2/7) الجزء الثـاني / د.خــالد الطراولي


المبحث الثاني : الموقف الإسلامي من البورصة
1 ـ الشركات في الفقه الإسلامي

 الشركة لغة تعني خلط أحد المالين بالآخر بحيث لا يمتازان عن بعضهما، أما اصطلاحا فتنقسم الشركات في الفقه الإسلامي إلى ثلاثة أنواع، شركة إباحة وشركة ملك وشركة عقود. وحتى لا نبحر كثيرا في هذا الباب، فإن شركة الإباحة تخص ما يقع في دائرة الملكية العامة، وشركة الملك تهم امتلاك شخصين أو أكثر لعين أو لشيء له قيمة مالية بدون عقد الشركة. أما شركة العقود وهي التي تهمنا في بحثنا فقد قسمها الفقهاء إلى أربعة أصناف، شركة العنان، شركة الأبدان، شركة الوجوه، وشركة المفاوضة[[1]].
 فشركة العنان هي "أن يشترك شخصان فأكثر ممن يجوز تصرفهم في جمع قدر من المال موزَّعا عليهم أقساطا معلومة، أو أسهما معينة محددة، يعملون فيه معا لتنميته ويكون الربح بينهم بحسب أسهمهم في رأس المال. كما تكون الوضيعة بحسب الأسهم كذلك. ولكل واحد منهم الحق في التصرف في الشركة بالأصالة عن نفسه وبالوكالة عن شركائه"[[2]]. وقد أجازها كل من المالكية والحنابلة والشافعية والحنفية. أما شركة الأبدان أو شركة الأعمال فهي تخص أصحاب الحرف والصناع وتجمع شخصين أو أكثر على تقبل عمل حرفي ما، والاشتراك في إنجازه، ويكون الكسب حسبما وقع عليه الاتفاق، وهي جائزة عند مالك وأبي حنيفة. وتؤسس الوجاهة للعلاقة بين طرفين فأكثر في شركة الوجوه، حيث يُعتمد عليها لثقة التجار في غياب المال على أن يقع الشراء بثمن مؤجل ويكون الربح بينهما، وقد أجازها أبو حنيفة وأحمد. أما شركة المفاوضة وهي من المساواة، فتتمثل في "اشتراك اثنين فأكثر في الاتجار بمالين على أن يكون لكل منهما نصيب في الربح بقدر رأس ماله بدون تفاوت وأن يطلق كل من الشركاء حرية التصرف للآخر في البيع والشراء والكراء والاكتراء"[[3]]. وقد جوزها كل من مالك وأبي حنيفة.
أما في الواقع المعاصر فإن الشركة وحدة قانونية وشخصية أخلاقية وهي "عقد بمقتضاه يتفق شخصان أو أكثر على وضع شيء مع بعضهم من أجل تقاسم أرباحه أو التمتع من الاقتصاد الذي يمكن إحداثه"[[4]]. وتنقسم الشركات في القانون الوضعي غالبا إلى شركات مدنية وشركات تجارية، وتنقسم هذه الأخيرة إلى شركة أشخاص وشركة أموال.
فأما شركات الأشخاص فهي إما شركات تضامن بين شخصين أو أكثر وتكون مسؤولياتهم تجاه الشركة غير محدودة ولو على حسابهم الخاص. وإما شركات توصية، وهي تجمع النوع الأول من الشركاء مع شركاء تكون مسؤوليتهم حسب حصصهم وليس لهم حق إدارة الشركة. وإما شركات مستترة حيث تكون المسؤولية فردية وكل شريك يعمل لحسابه الخاص.
 أما شركات الأموال فهي إما شركة التوصية بالأسهم كشركة الأشخاص السابقة غير أن أسهمها يقع تداولها. وإما الشركة ذات المسؤولية المحدودة فهي التي تجمع شخصين فأكثر على أن يتحمل كل فرد الخسارة حسب نصيبه من رأس المال الذي يتكون من حصص متساوية لا يقع تداولها[[5]]. وإما شركة المساهمة وهي التي تهمنا في مشوارنا هذا، لوجودها الغالب في أروقة البورصة والتعامل بيعا وشراء لأسهمها، فلنا معها وقفة قصيرة في تحديد ماهيتها وموقف الفقهاء المعاصرين منها.

2 ـ شركة المساهمة
وهي الشركة التي يقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية القيمة، تكون قابلة للتداول، ولا تتعدى مسؤولية كل مساهم في خسائر الشركة القيمة الاسمية لمقدار أسهمه[[6]]. وقد اختلف الفقهاء في الموقف الشرعي من هذه الشركة بين محرم أو محلل على الإطلاق، أو مبيح بشروط[[7]] :
*/ فممن أباح مطلقا عبد الوهاب خلاف الذي رأى أن الشرط الذي أقامه الفقهاء لصحة عقد الشركة ألاّ يكون لأحد الشركاء نصيب معين، هو شرط يفتقد إلى دليله من الكتاب والسنة، وقد سمح محمد عبده للرجل أن يعطي لآخر مالا يستعمله ويجعل من كسبه نصيبا محددا، ولم يجعل هذا العمل ربويا.
*/ ومن قيد الإباحة بخلو الشركة المساهمة من الربا إلا لضرورة، الشيخ شلتوت الذي جعل ضرورة المقترض وحاجته مما يرفع عنه إثم التعامل. والشيخ عبدالله بن سليمان المنيع الذي ميز بين صنفين من شركات المساهمة، صنف لا يجوز للمسلم الدخول فيه بيعا وشراء وتوسطا وتملكا وتمليكا وهو الشركات المساهمة مما محل الاستثمار فيها محرم كالبنوك الربوية، وصنف يجوز للمسلم الاستثمار فيه مما محل الاستثمار في هذه الشركات مباح، وإن استدعى أمر الشركة إلى التعامل بالربا أخذا وعطاء[[8]].
*/ وفريق قيد الإباحة بخلو الشركة من الربا وعدم تعاملها في محرم، وأدمجوا الشركة المساهمة في النماذج الشرعية القديمة لفقه الشركات حتى يسهل الحكم. فالشيخ علي خفيف جعلها من قبيل شركة المضاربة، والدكتور عبد العزيز الخياط جعلها أقرب إلى شركة العنان، أما الدكتور صالح المرزوقي فرآها صنفان، إما شركة عنان أو شركة عنان وقراض.
*/ ومن حرم الشركات المساهمة جملة وتفصيلا الشيخ تقي الدين النبهاني وعيسى عبده. فالأول اعتبر عدم جواز كل الشركات الحديثة، في حين يرى الثاني أن شركة المساهمة هي لا شركة، وليس لها ذكر في الفقه الإسلامي، وقد مهدت في التاريخ لظهور التنظيمات الاحتكارية[[9]]. 


ـ يتبـــع ـ






[1]  انظر بأكثر تفاصيل علي الخفيف "الشركات في الفقه الإسلامي" معهد الدراسات العربية العالمية. القاهرة 1962.


[2]  أبوبكر الجزائري "منهاج المسلم" دار الجيل لبنان، 1407 هج. ص:358.


[3]  عبد الرحمن الجزيري "الفقه على المذاهب الأربعة" الجزء الثالث دار الكتب العلمية بيروت 1990. ص:68.


[4]  Barthélémy Mercadal et Philippe Janin « Sociétés Commerciales » Editions Francis Lefebre 1992, P :7.


[5] Barthélémy op cit, P : 245.


[6]  د. حسن عبد الله الأمين "زكاة الأسهم في الشركات : مناقشة بعض الآراء الحديثة" البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، بحث رقم 21، الطبعة الأولى، جدة، 1993، ص : 15.


[7]  انظر تفاصيل ذلك في الكتاب المميز لسمير عبد الحميد رضوان "أسواق الأوراق المالية" المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1996 ، القاهرة، ص : 245 ـ 261.


[8]  علي محمد العيسى "مفاهمة حول أسهم الشركات المساهمة" مجلة البحوث الفقهية المعاصرة عدد 11، السنة الثالثة، ديسمبر 1991.


[9]  د.عيسى عبده "بحث في بعض العقود الشرعية الحاكمة للمعاملات المالية المعاصرة وفضلها على نظائرها الوضعية" في "أثر تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي في المجتمع" مؤتمر الفقه الإسلامي المنعقد بالرياض سنة 1976. جامعة محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1981، ص : 27.


2007-06-21