قــراءة في شــرعيــة الاستثمــار في البورصة (3/7) الجزء الثــالث / د.خــالد الطراولي


3 ـ البيوع في الفقه الإسلامي
البيع مشروع بالكتاب والسنة، لقوله تعالى "وأحل الله البيع وحرّم الربا"البقرة 275، ولحديث الرسول (ص) "أفضل الكسب بيع مبرور وعمل الرجل بيده"رواه أحمد. وقد عرفه الفقهاء المعاصرون بأنه "مبادلة مال بمال على سبيل التراضي، أو ملك بعوض على الوجه المأذون فيه"[[1]]. وأركان عقد البيع خمسة، وهي : البائع والمشتري والمبيع وصيغة العقد والتراضي، فأما البائع فيشترط رشده وملكه لما يبيع، أو مأذونا له فيه. وأما المشتري فلا بد أن يكون جائز التصرف من رشد وعدم صبا. ولا بد للمبيع أن يكون مباحا، فلا بيع لمحرم، وطاهرا، فلا بيع لنجس أو متنجس، مقدورا على تسليمه، معلوما لدى المشتري ولو بوصفه. أما صيغة العقد فالإيجاب والقبول، وأما التراضي، فلا يصح بيع بإرغام[[2]].
ونظرا لأهمية الغرر في المعاملات والدلالة على شرعية العقود أو حرمتها، وهو ما يساعدنا لاحقا في فهم عديد الصور المعاصرة للتعامل والتداول، وإلحاقها إن أمكن بالقديم المتعارف، فإننا سعينا إلى إبراز بعض هذه الأصناف من البيوع الممنوعة كما يلي[[3]] :
يرتكز الحديث عن الغرر في العقود إلى حديث جامع اعتبره النووي أصلا عظيما من أصول كتاب البيوع، وهو نهي الرسول الكريم (ص) عن بيع الغرر. رواه مسلم والغرر لغة هو الخطر، واصطلاحا هو ما لا يدري حصوله والمجهول.
* بيع النجش، حيث يوهم الشخص المشتري بالشراء وهو لا يريده ولكن استغفالا له للإيقاع به وتسهيلا للبيع، تواطأ مع البائع أم لا، لقول بن عمر (رض)"نهى رسول الله عن النجش".
* بيعتان في بيعة وهو على الأغلب تضمين بيعتين في عقد واحد، لحديث أبي هريرة أن رسول الله نهى عن بيعتين في بيعة.رواه الترمذي والنسائي، كأن يقول بعتك داري بكذا على أن تبيعني دارك بكذا.
* بيع العربون، وهو شراء أو كراء الشيء مع تقديم مبلغ من المال، على إن تمت العملية يحسب المبلغ من الثمن وإن تعطلت بقي في ذمة البائع. وقد اختلف الفقهاء في عدم جوازه، ورأي الجمهور المنع.
* الغرر في المبيع، من جهل بجنسه، وأحله المالكية والحنفية مع خيار الرؤية، ومن جهل بنوعه أو صفته كبيع ما يكمن في الأرض أو ما يختفي في قشره، وأحله الحنفية مع خيار الرؤية. ومن جهل بمقداره كبيع المزابنة وهي بيع الثمر على النخل بالتمر كيلا والكرم بالزبيب والزرع بالطعام كيلا.
* الغرر في الثمن كالجهل بصفته أو بمقداره.
* البيع بالأجل، كبيع حبل الحبلة، ومنها البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة.
* عدم القدرة على التسليم، مثل بيع الدين بالدين، وبيع ما ليس عنده، لقول الرسول (ص) "لا تبع ما ليس عندك"الترمذي. وبيع السلعة قبل قبضها، لقوله صلى الله عليه وسلم"إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه"رواه أحمد والطبراني. وخالف المالكية والحنابلة الجمهور، فأجازها الأولون على العين المنقولة والثابتة كالأرض، ومنعوها عن الطعام. وأجازها الحنابلة على غير المكيل والموزون.
* بيع المعدوم، وهو الشيء المباع والغير موجود وقت العقد، وكان وجوده مجهول المستقبل، كبيع ما تلده الناقة أو الثمر قبل أن يُخلق. والمعدوم ممنوع ليس لكونه معدوما ولكن لكونه غررا، وهذا ما وصل إليه بن تيمية وتلميذه بن القيم في هذا الباب في تجويزهم لبيع المعدوم "فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، و لا عن أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز، لا لفظ عام ولا معنى عام، إنما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي موجودة، وليست العلة بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيه النهي في المنع لا الوجود ولا العدم...وهكذا المعدوم الذي هو الغرر، نهى عن بيعه لكونه غررا لا لكونه معدوما"[[4]]. وقد أخذ بهذا الرأي من المعاصرين محمد يوسف موسى مادام لا غرر في العقد ولا جهالة تؤديان إلى النزاع أو المخاطرة والقمار[[5]]. واعتبر عبد الكريم الخطيب التحريم بأنه ليس نهيا على سبيل الإلزام وإنما على سبيل النصح والإرشاد، كما أن السوق في حياة الرسول (ص) صغيرة والبورصة الحالية هي سوق كبيرة مستمرة، والبائع على ثقة تامة بحصوله على السلعة[[6]]. ولهذا أفتى الدكتور الضرير "أن كل معدوم مجهول الوجود في المستقبل لا يجوز بيعه، وأن كل معدوم محقّق الوجود في المستقبل بحسب العادة يجوز بيعه"[[7]]. ولقد خلصت الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية في هذا الباب إلى القول "بأن بيع الإنسان ما لا يملك لا يجوز، إما لأنه معدوم أثناء العقد عند من يرفضون بيع المعدوم، وإما لأنه غرر عند من يمنع بيع ما فيه غرر وهم جميع الفقهاء"[[8]]
* عدم الرؤية، فقد اختلف الفقهاء في العين الغائبة، وجوّزها الجمهور على الصفة المتعارف عليها، وعلى الرؤية المتقدمة ولكن بالخيار للمشتري إن وجدها تغيرت. 
وقد ضبط الدكتور "الضرير" الغرر المؤثر في صحة العقد، الذي يُفقد شرعية المعاملة بأربعة شروط[[9]] : أن يكون كثيرا، وفي عقد من عقود المعاوضات المالية، وأن يكون في المعقود عليه أصالة، وألاّ تدعو للعقد حاجة.
فأما عن الكثرة، فاليسير من الغرر مغتفر، كبيع الدار وإن لم ير أسسها. ومن الكثير المحرم، بيع الحمل دون أمه، بيع الثمر قبل ظهوره، وتأجيل الثمن إلى أجل مجهول. غير أن هناك مجالا حسب الدكتور الضرير، مما يسمى بالغرر المتوسط والذي يكثر تعامله، وهذا الصنف غاب وضع ضابط محدد له. فحتى وضع الضابط للحد الأعلى والحد الأدنى لا يكف لإعطاء تحديد واضح للمستوى الوسط الذي يبقى غامضا. لذا يطرح الضرير تحديد الحد الأعلى للغرر المؤثر فقط وكل ما عداه لا تأثير له، وهو حد مرن يتأثر بالمكان والزمان[[10]].
أما عن الحاجة، فيصبح الغرر مؤثرا إذا لم يكن للناس حاجة، وإلا انتفى الغرر. والحاجة في العقد هي دون الضرورة وهي"تكون في حالة ما إذا لم يباشر المرء ذلك العقد، كان في مشقة وحرج لفوات مصلحة من المصالح المعتبرة شرعا"، وهي إما حاجة خاصة أو عامة وتقدر بقدرها وتكون متعينة، أي لا سبيل إلى طريق شرعي غير العقد الذي يحمل الغرر[[11]]. 
ـ يتبـــع ـ





[1]  السيد سابق "فقه السنة" الجزء الثالث، دار الكتاب العربي، بيروت، بدون تاريخ، ص:125.


[2]  انظر منهاج المسلم، مرجع سابق، ص:341.


[3]  اعتمدنا في هذا الباب على الكتاب المتميز للدكتور الصديق محمد الأمين الضرير "الغرر في العقود وآثاره في التطبيقات المعاصرة" البنك الإسلامي للتنمية والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، سلسلة محاضرات العلماء البارزين رقم 4. الطبعة الأولى، جدة، 1993.


[4]  انظر الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، الجزء الخامس، الجزء الشرعي "الأصول الشرعية والأعمال المصرفية في الإسلام" الطبعة الأولى 1982، ص:404.


[5]  مرجع سابق ص:406.


[6]  عبد الكريم الخطيب "السياسة المالية في الإسلام وصلتها بالمعاملات المعاصرة" دار الفكر العربي. في الموسوعة العلمية، مرجع سابق، ص:408.


[7]  الصديق محمد الضرير ص : 29.


[8]  الموسوعة العلمية مرجع سابق ص:409.


[9]  الصديق محمد الضريرمرجع سابق ص : 39ـ40.


[10]  مرجع سابق ص : 41.


[11]  مرجع سابق ص : 45ـ46.


2007-06-21