قــراءة في شــرعيــة الاستثمــار في البورصة (4/7) الجزء الرابع / د.خــالد الطراولي

 

4 ـ البيوع المستحدثة
اختلف الفقهاء المعاصرون في شأن شرعية أصناف البيوع المتداولة في البورصة، سواء كانت بيوعا عاجلة أو آجلة وتفاوتت الرؤى في شأنها بين مبيح ومحرم. وقبل التعريج بتفصيل حول هذين الصنفين من البيوع وجب التوقف قليلا حول الآلية الغالبة في البيوع الحديثة عاجلة كانت أو آجلة، والتي حصل فيها بعض الخلاف بين المعاصرين، وهو بيع المزايدة. فلا خلاف في أن بيع المسلم على بيع أخيه محرم لقوله صلى الله عليه وسلم "لا يبع بعضكم على بيع بعض"متفق عليه، كذلك لا جرم في بيع المزايدة، فقد روى أنس (رض) أن النبي باع حلسا وقدحا، فقال من يشتري هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل أخذتهما بدرهم، فقال النبي (ص) من يزيد؟ فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه.الترمذي، والتداول في البورصة يقارب بيع المزايدة،بالرغم من اعتراض بعضهم، خاصة وأن التعاملات الإلكترونية الحديثة عبر شاشات الإنترنت جعلت الأفراد والمؤسسات تواكب مباشرة التغييرات والتطورات الحاصلة على السعر لحظة بلحظة، مما يمكن الجميع من المزايدة على السهم صعودا أو هبوطا.
4ـ 1 البيوع العاجلة :
هي الصفقات والعمليات التي تتم في قاعات التداول بين الباعة والمشترين عبر قانون العرض والطلب، حيث يتحدد الثمن عند سعر التوازن ويلتزم به الطرفان ولو على ورقة واحدة. ويقع تنفيذ الصفقة والتقابض حالا أو على مدى اليوم. ويسعى كل طرف من خلال العملية سواء إلى الاحتفاظ بالأوراق المالية للتمتع بالأرباح عند التوزيع، أو لاستغلالها والمضاربة على ارتفاعها لاحقا والتخلص منها في أول فرصة تسمح بذلك.
وقد اختلف الفقهاء المعاصرون حول هذه البيوع ومن ورائها تجلى القبول الجزئي للبورصة في صورتها المعروفة، أو الرفض الكلي لها. وقد استند الرافضون إلى حرمة هذه البيوع التي تشكل الجزء الأقرب إلى التفهم الشرعي، إلى حرمة بيع الغائب، والذي يتمثل في حصة الشريك في رأس مال الشركة وأرباحها الموجودة من قبل." إننا نقرر مطمئنين أن محل التعاقد في أسواق الأوراق المالية على اختلاف درجات كفاءاتها يشوبه الغرر، والبيانات المنشورة لا ترفع عنه الغرر، ولا تدرأ عنه الخطر، وليس بوسع أحد أن يزعم تطابق العلم بالصفة مع العلم بالحس في هذه البيوع"[[1]].
ورغم اعترافنا بنسبية المعطيات والمعلومات المتوفرة حول الشركة وأسهمها، غير أنها كافية للتعرف على اتجاه حالة الشركة طبق المُيَسَّر له، خاصة أن القوانين الملزمة لوضوح هذه البيانات ودوريتها الإجبارية بالنسبة لبعض الأسواق، تبدو قائمة. ورغم أننا نرى بعض التعسف والمبالغة في هذا الشأن، إلا أننا نعترف بتجاوز عديد الشركات لهذه المحاذير ووقوعها في المحظور من كذب وغش وتلفيق في بياناتها وهو الحاصل في بعض الأسواق والذي أفرزت مثالا حيا له هذه الأيام شركات عالمية في مستوى Enron, Worldcom, Vivendi. وهي حالة أخلاقية هابطة مرتبطة بفلسفة نظام حياتي كامل يتعدى إطار البورصة إلى حقيقة التصورات الكبرى وهو ما يتجاوز هذا المقال. وهذا يوجه تصورنا في اتجاهين، الأول أن تعقيدات بيانات الشركات وصعوبة تتبعها وفهمها على الأفراد وحتى على بعض المؤسسات الغير مختصة، يلزم توفر الاختصاص في هذا الجانب حتى لا يقع الفرد القاصر معرفيا في غابة البورصة التي تتحول بالنسبة إليه إلى كازينو مفتوح طوال اليوم، وفي هذا المجال يندرج مقترحنا الذي سنفصله لاحقا في وجود نوادي الاستثمار الذي تمثل ملجأ نسبيا لتجاوز القصور في هذا الباب.
أما الاتجاه الثاني في تصورنا فهو التساءل حول حقيقة هذا الغرر، هل هو من الغرر الكثير والمؤثر في العقد والذي يوجب التحريم أم أنه من الغرر المتوسط الغير مؤثر والذي تدعوه الحاجة كما بينه الدكتور الضرير سالفا؟ وقد أدلى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي برأيه في هذا المجال في النقطة الثالثة للفتوى "إن العقود العاجلة على أسهم الشركات والمؤسسات حين تكون تلك الأسهم في ملك البائع جائزة شرعا ما لم تكن تلك الشركات أو المؤسسات موضوع تعاملها محرم شرعا كشركات البنوك الربوية وشركات الخمور، فحينئذ يحرم التعقد في أسهمها بيعا وشراء"[[2]].
ومن البيوع العاجلة البيع على المكشوف، وهو"بيع لأوراق مالية مقترضة على أمل أن ينخفض السعر، فإذا انخفض السعر قام المتاجرون بالأوراق المالية بشراء الأوراق التي باعوها وإعادتها إلى مالكها ويجري تسهيل تنفيذ هذه العملية من خلال سمسار أوراق مالية والذي يرتب لعملية الشراء وحينما يقوم شخص ما بالبيع على المكشوف يقال له أخذ مركزا قصيرا، بينما يفترض في حالة شراء الأوراق المالية للاستثمار الإبقاء عليها أمدا طويلا"[[3]]. ورغم أن هذه البيوع تكون أكثر في البيوع الآجلة ولا تختلف في آلياتها، غير أنها في البيوع العاجلة لا يتأخر فيها الثمن ولا التخلي عن المبيع، إذ يجب على البائع التسليم في خلال يوم على الأغلب، وبما أنه لا يملك هذه الأوراق، فإنه يقترضها من سمساره الذي يأخذها بدوره من عميل آخر عنده، أو يقترضها بدوره من زميل له في الصنعة. فإذا هبط السعر، يقوم البائع بشراء حقيقي للأوراق وتسليمها إلى صاحبها متمتعا بالفارق بين الصفقتين.
وقد اعتبر الفقهاء المعاصرون هذه الصيغة من البيوع مخالفة لقواعد الشرع واعتبروا السمسار في هذه الحالة بمثابة الفضولي الذي يتصرف في أموال غيره بدون إذنه واعتمدوا في ذلك على إجماع كل المذاهب في التحريم القطعي لهذا التصرف، كما يمكن إدراج هذا الفعل في باب حرمة بيع ما لا يملك.
4ـ 2 البيوع الآجلة
 وهي العمليات التي يتفق فيها البائع والمشتري على إرجاء التسليم والتسلم إلى موعد لاحق معين يسمى يوم التصفية ويشمل التأخير الثمن والمبيع، لذا فهو يختلف عن البيع المؤجل الذي يتأجل فيه دفع الثمن ويقع التسليم للمبيع. وتكون التصفية إما بالتسليم الفعلي للأوراق، وهذا قليل الحدوث لأن العملية تقع على المكشوف حيث لا يملك البائع الأوراق. وإما بقبول الربح أو الخسارة فيقبض الفارق أو يدفعه. وإما أن تتأخر التصفية إلى الموعد التالي فيؤجل البائع مركزه نظير مقابل يدعى بدل التأجيل. وتنقسم البيوع الآجلة إلى بيوع باتة قطعية وبيوع آجلة بشرط التعويض.

ـ يتبـــع ـ





[1]  سمير عبد الحميد رضوان مرجع سابق ص:321.


[2]  فتوى مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (مكة) القرار الأول الدورة السابعة.


[3]  فريدريك آملنغ في سمير عبد الحميد رضوان مرجع سابق ص:322.


2007-06-21