قــراءة في شــرعيــة الاستثمــار في البورصة (5/7) الجزء الخامس / د.خــالد الطراولي


أ ـ البيوع الباتة القطعية : وهي العمليات التي يلتزم فيها البائع والمشتري بتنفيذها يوم التصفية، ولا رجعة في التنفيذ غير أنه يمكن إرجاء التصفية إلى موعد لاحق. وتكون نتيجة العملية ربحا أو خسارة لأحد الطرفين دون الآخر. وقد أجمع المعاصرون على تحريمها لغررها الحاصل ولموافقتها لحكم بيع الإنسان ما ليس عنده، وحكم بيع السلعة قبل قبضها(رغم أن الأمر خلافي)، وحكم بيع الكالئ بالكالئ(رغم توهين بعضهم للحديث[[1]]) وهو بيع الدين بالدين. ويرى محمد عبد الغفار الشريف أن "العمليات الآجلة تتم على سلع وهمية وتكون عمليتا البيع والشراء صورتين.. وهذه المعاملة لا تجوز لأنها من أنواع بيع الغرر...فإذا سلمت العملية الآجلة من بيع المعدوم...فالبيع في هذه الصورة صحيح.. وفي حالة رغبة المتعاقدين في تأجيل موعد التصفية، يجب أن يكون ذلك مجانا، فإن كان التأجيل في مقابلة زيادة من أحد الطرفين فإنه لا يجوز"[[2]]. ولا نرى مجانية في التأجيل.
ب ـ البيوع الآجلة الخيارية الشرطية (عقود الامتياز) : وتنقسم إلى ثلاثة أنواع، العمليات الشرطية البسيطة، والبيوع الشرطية المركبة، والعمليات المضاعفة.
فالبيوع الشرطية البسيطة هي "العمليات التي يلتزم فيها كل من البائع والمشتري بتصفيتها في تاريخ معين، على أنه يحق لأحد الطرفين عدم تنفيذ العملية وذلك مقابل تخليه عن مبلغ من المال متفق عليه مسبقا"[[3]]. أما العمليات المركبة فهي "العمليات التي يكون للبائع الحق فيها في أن يتحول إلى مشتر وأن يفسخ العقد، أو أن يظل بائعا حسب ما يتراءى له بعد اتضاح الأسعار، وهذا مقابل تعويض أكبر من سابقه، أي أكبر من التعويض الذي يدفعه في العمليات الشرطية البسيطة، يدفعه لصاحبه"[[4]]. أما العمليات المضاعفة فهي "التي يكون للبائع الحق في مضاعفة بيع الكمية التي باعها كما يكون للمشتري نفس الحق، وذلك بسعر يوم التعاقد مقابل تعويض يدفعه الراغب في المضاعفة عند اتضاح الأسعار و لا يرد إليه، وتختلف قيمة التعويض حسب كمية الزيادة وموضوع المخزون.."[[5]]
وتتمثل عقود الامتياز أو الاختيارات هذه، في إعطاء مشتري الامتياز (Option) الحق في شراء(أو بيع حسب طبيعة العملية) أسهما (أو سندات أو مؤشرات) بسعر معين طيلة زمن محدد مسبقا في مقابل ثمن مدفوع للبائع. ويوجد نوعان من الامتياز، عقود امتياز الشراء (les options d’ achat, Calls) وهي عقود قابلة للتداول تمنح مشتريها امتيازا بشراء عددا معين من الأسهم لفترة زمنية معينة وبسعر معين. وعقود امتياز البيع (les options de vente, Putts) وهي عقود على دفع مبلغ معين من المال مقابل حق مشتري الامتياز في أن يبيع لبائعه عددا معينا من ورقة مالية معينة في تاريخ معين بالسعر المسمى في العقد[[6]].
وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في شرعية عقود الامتياز، فممن أباحها د. أحمد يوسف سليمان في الموسوعة العلمية في تعليله لخيار الشرط عند الفقهاء، ولم يفرق فيها بين العمليات الشرطية البسيطة أو المركبة أو المضاعفة، وأجازها كلها، بقوله : " ونستخلص من كل ما تقدم أن خيار الشرط عند جميع المسلمين الذين عرضنا مذاهبهم ما عدا الظاهرية، وأن مدة الخيار يجوز أن تكون أية مدة حسب الحاجة عند مالك، أو حسب ما يحتاج إليه المتبايعان عند الحنابلة وأبي يوسف ومحمد من الأحناف والإمامية والزيدية، ولا يجوز أن تزيد على ثلاثة أيام عند أبي حنيفة وزفر وجمهور الشافعية. فهذا الشرط الذي اتفقا عليه المضاربان في البورصة، من أنه إذا اتضح أن السعر في التصفية سيكون أعلى مما اتفقا عليه أن يفسخ العقد شرط صحيح. وأن هذا المال الذي أخذه البائع من المشتري فهو حق له فلا يرد إلى دافعه، فالله تعالى يقول يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، والمسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا. ولما كان للطرف الآخر نفس الحق في الخيار، فإنه يجوز له أن يبيع حقه هذا، ولا ريب في أن مدة الخيار معلومة وهي الفترة ما بين العقد إلى وقت أقرب تصفية له كما يجوز أن يكون أحد الطرفين قد تبرع بالمال للآخر نظير عدم استعمال حقه هو الآخر في الخيار...وكما جوزنا العمليات الشرطية البسيطة، فإننا نرى جواز العمليات الشرطية المركبة لنفس الأسباب... وهذا (العمليات المضاعفة) في رأينا أيضا جائز إذا كانت الكمية المضاعفة معلومة فإن هذا الشرط لا يحل حراما ولا يحرم حلالا والمؤمنون عند شروطهم"[[7]]. وبالتالي فإن الأسهم "يجوز بيعها سواء أكان السعر باتا أم مؤجلا لسعر التصفية، أما بيعها على المكشوف فلا يجوز لعدم توافر شروط صحة البيع"[[8]].
ويذهب محمد عبد الغفار الشريف[[9]] إلى أن العمليات الآجلة الشرطية قسمان منها المحرم ومنها المباح. فإذا كانت شرطية بسيطة وكان الخيار للمشتري فهي أشبه ما تكون ببيع العربون الذي حرمه الجمهور وأحله الحنابلة، ولكنه أيضا أكل لأموال الناس بالباطل، لأن المشتري شرط للبائع شرطا بغير عوض. وأما إذا كان الخيار للبائع، فإذا لم يرغب في البيع دفع مقابلا للمشتري، فهو أشبه ما يكون باشتراط عقد هبة في عقد البيع، لأن المشتري لا حق له في مبلغ المال إلا إذا كان على وجه الهبة. واشتراط عقد في عقد لا يصح. أما إذا كان لكل من البائع والمشتري حق الاستزادة من البيع أو الشراء عند حلول الأجل على سبيل التخيير للطرف الآخر(البيع مع خيار الزيادة)، وهي عملية مركبة من بيع ووعد بالبيع عند إتمام الصفقة الأولى، فعملية البيع صحيحة، والعملية الثانية عقد بيع جديد. أما إذا كان الخيار للمتعاقدين بين أن يكون كلاهما إما بائعا وإما مشتريا (شرط الإنتقاء)، فهو نوع من المساومة وإذا تم البيع في الموعد المحدد على سعر معلوم وكمية معلومة، فالعملية مباحة. أما العمليات المركبة فكلها محرمة لأن فيها اشتراط صفقة في صفقة.
وذهب أحمد محي الدين[[10]] إلى عدم شرعية كل العقود الشرطية الآجلة، نظرا لتعارض شروطها أولا مع بعض المبادئ العامة في أحكام المعاملات مثل تعارضها مع قاعدة العدل في العقود، حيث يعطى طرف فرصة واسعة للربح على حساب الآخر. وثانيا لأن هذه الشروط فاسدة عند كل المذاهب، فكل شرط يؤدي إلى إنشاء عقد جديد يبطل البيع وهو بيعتان في بيعة. وثالثا لاشتراك هذه البيوع في العلة مع بعض العقود غير الشرعية، فشرط الانتقاء مثلا الذي يجعل المتعاقد لا يدري عند العقد أهو بائع أم مشتر، فيه غرر فاحش يفسد العقد. وفي البيع بشرط الزيادة جهل بمقدار المبيع.
ويساند سمير عبد الحميد رضوان ما ذهب إليه أحمد محي الدين ويعتبر عقود الامتياز غير شرعية كلها، لانطوائها على بيع الإنسان ما ليس عنده، ولصورية أغلبها حيث لا تمليك ولا تملك، وحصول الإيجاب والقبول على محض المراهنة، ولاقترانها ببعض الشروط الفاسدة كمدة الخيار التي يمكن أن تتجاوز ثلاثة أيام، واشتراط منفعة لأحد الطرفين مقابل حق الاختيار[[11]].
 إن عدم شرعية العمليات الآجلة الخيارية الشرطية تبدو أكثر وضوحا لانطوائها لعديد الأعمال المشبوهة أو الفاسدة، فالغرر الكثير النابع من جهل بالمقدار أو بالمحل، وتركيباتها المعقدة والتي ينطوي أغلبها على مراهنة أو قمار، أو صورية تعاملاتها ووهميتها، حيث يكتفي المتعاقدان عند التصفية بالحصول سلبا أو إيجابا على فروق الأسعار بين يوم العقد ويوم التصفية. كما أن مخالفتها لكل العقود الصحيحة تبدو بديهية في كونها تؤدي إلى ربح طرف على حساب آخر فيكون مكسب مشتري العقد هو ذاته خسارة بائعه، وهو عين الجور حيث يترتب عن منفعة طرف مضرة الآخر.
والعمليات الآجلة بصنفيها القطعي البات و الخياري الشرطي لا تخرج عن قاعدة (لا تبع ما ليس عندك) وهذا الحديث حماية للسوق من البيوع الصورية ودفعا له عن العمليات الوهمية، والكسب الطفيلي، والغنى السريع والجائر، والمضاربات الشرسة والهدامة، والتي كانت سببا في إفلاس مؤسسات وأفراد ودول وحتى هددت اقتصادات العالم كله بالانكماش والتردي، والأزمات الأخيرة التي ضربت جنوب شرقي آسيا سنة 1998 دليل على سلبية هذه العقود وجورها.
و لا يخفى المخاطر التي يحملها صاحب الخيار في انتظار صحة تنبؤاته أو خطأها، هذه التوقعات التي تقارب القمار رغم المزاعم باعتمادها على المناهج الحسابية والدراسات العلمية والإحاطة بكل مستجدات السوق والعوامل التي تؤثر في مساره. والتاريخ الحديث يروي عديد النكسات التي شهدتها جهات معروفة وشركات مرموقة مع طوابيرها من الخبراء والتقنيين والاقتصاديين، في مجال العمليات الخيارية. ففي سنة 1994 أفلست مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا وخسرت 1.69 مليار دولار في استثماراتها في الأوراق المشتقة، وفي نفس السنة خسرت شركة جلاسكو البريطانية للأدوية 182 مليون دولار في عقود الامتياز. وفي سنة 1995 بلغت خسائر شوات شال اليابانية في العمليات الآجلة 1.7 مليار دولار... والقائمة طويلة ! فالحظ والمستقبل والغيب تبقى عوامل محددة في هذه البيوع (موت زعيم، أو هزة أرضية، أو حرب أو ثورة) غير أنها تبقى منفلتة عن الإطار العقلي والرشيد الذي يمتلك الإنسان أدواته. كما أن التلاعب والغش والمناورة الذين يواكبون عامل المستقبل المجهول تجعل من هذه البيوع في بعض الأحيان مُسيَّرة حسب ميولات وتقديرات جهة دون أخرى مما يفقدها عدالتها وإنصافها.
وقد أصدر مجمع الفقهي الإسلامي في دورته السابعة توصية في هذا المجال النقطة الخامسة والسادسة " إن العقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف أي على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع، بالكيفية التي تجري في السوق المالية غير جائزة شرعا لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك اعتمادا على أنه سيشتريه فيما بعد ويسلمه في الموعد، وهذا منهي عنه شرعا لما صح عن رسول الله (ص) لا تبع ما ليس عندك وكذلك ما رواه أحمد وأبو داوود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي (ص) نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. 6ـ ليست العقود الآجلة في السوق المالية من قبيل بيع السلم الجائز في الشريعة الإسلامية وذلك للفرق بينهما من وجهين :أـ في السوق المالية لا يدفع الثمن في العقود الآجلة في مجلس العقد وإنما يؤجل دفع الثمن إلى موعد التصفية، بينما الثمن في بيع السلم يجب أن يدفع في مجلس العقد. ب ـ في السوق المالية تباع السلعة المتعاقد عليها وهي في ذمة البائع الأول وقبل أن يحوزها المشتري الأول عدة بيوعات وليس الغرض من ذلك إلا قبض أو دفع فروق الأسعار بين البائعين والمشترين غير الفعليين مخاطرة منهم على الكسب والربح كالمقامرة سواء بسواء، بينما لا يجوز بيع المبيع في عقد السلم قبل قبضه"[[12]].
ـ يتبـــع ـ





[1]  انظر"الفتاوي الشرعية في المسائل الاقتصادية" بيت التمويل الكويتي الطبعة الأولى 1981 ص:64.


[2]  د. محمد عبد الغفار "مشروعية السوق المالية" موقع إسلام أون لاين.


[3]  أ.د. محمد عبد الغفار الشريف "مشروعية السوق المالية" مرجع سابق موقع إسلام أون لاين.


[4]  الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية الجزء الخامس، مرجع سابق، ص : 425.


[5]  الموسوعة مرجع سابق، ص : 425.


[6]  فرانسيس هيرست في سمير عبد الحميد رضوان "أسواق الأوراق المالية" مرجع سابق، ص :352.


[7]  د. أحمد يوسف سليمان "رأي التشريع الإسلامي في مسألة البورصة" الموسوعة العلمية المجلد الخامس مرجع سابق ص : 424 ـ 425.


[8]  مرجع سابق ص : 434.


[9]  د. محمد عبد الغفار الشريف "مشروعية السوق المالية" مرجع سابق.


[10]  أحمد محي الدين "عمل شركات الاستثمار الإسلامية في السوق العالمية" رسالة ماجستير، نقلا عن "أسواق الأوراق المالية" لسمير عبد الحميد، مرجع سابق ص : 361 وما بعدها.


[11]  سمير عبد الحميد رضوان مرجع سابق ص :363 ـ 372.


[12]  فتوى مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (مكة) القرار الأول الدورة السابعة موقع "إسلام أو لاين"


2007-06-21