قــراءة في شــرعيــة الاستثمــار في البورصة (6/7) الجزء السادس / د.خــالد الطراولي


المبحث الثالث : الاستثمار في البورصة
تحوم تعريفات الاستثمار لغة بين الإكثار والنمو، وهو اصطلاحا تنمية المال بطرق شرعية، وتتعدد مفاهيمه المعاصرة بين توظيف خاص للنقود أو شامل للأموال، أو شراء للأوراق المالية، أو شراء عقار تجاري...الخ والبعد الاستثماري في التصور الاقتصادي الإسلامي يبدو قائما في القول والفعل المقدس حيث يقول الرسول الكريم (ص) :"من باع دارا ثم لم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارَك له فيها"السيوطي الجامع الصغير[[1]]. كما يظهر في الفقه عبر عديد العقود التي طرحها الشارع لتثمير المال وتنمية المجتمع. ويعتبر الاستثمار في البورصة إحدى هذه التوجهات التي أنتجها التنظير الحديث وإحدى المنازل المعاصرة لتوظيف النقود.
1 ـ تجارب الاستثمار في البورصة : تاريخ ليس كأسنان المشط
شهد العالم فترات عديدة لارتفاع غير طبيعي وسريع للبورصة تبعه على الأغلب انهيارات وأزمات عميقة وفي بعض الأحيان طويلة لمسار الاستثمار فيها، ولذلك قلما ذكرت أزمة في البورصة إلا وسبقتها فترة ارتفاع وانتعاش كبيرة وخاطفة. لهذا فإننا سوف نتعرض لبعض هذه الأزمات التي هزت البورصة والتي تشكل في الحقيقة تعبيرا عن حالتي الأزمة في الارتفاع والانهيار.
كان جانب المضاربة العمياء اللاهثة وراء الربح العاجل وبأي ثمن والمقامرة على ارتفاع أسعار الأسهم، كان وراء انهيارات مشهورة، ويذكر لنا التاريخ أربع حالات عالمية، أظهرت مدى هشاشة الاستثمار في البورصة إذا صاحبه البعد الربحي الخالص والعاجل والضخم، على حساب الاستثمار الدافع إلى حركية غير مغشوشة للاقتصاد.
يبدو أن المضاربة التي تتحول إلى لعب قمار لم تكن حبيسة البورصة الحديثة، ولكنها موغلة في تاريخ البشر، وهذه الممارسة تعود إلى التصور الذي يحمله الفرد أو المجموعة حول ماهية النشاط الاقتصادي وهدفه، وسواء تنزل هذا الفهم في بورصة حديثة أو أحد الأسواق القديمة. فمما يذكره التاريخ أن الإغريق عرفوا هذا الصنف من المضاربة منذ القرن السابع قبل الميلاد، حيث تذكر صحفهم أن أحد الرياضيين المشهورين في علم الحساب تالاس دوميلي راهن في أحد الأعوام على أن محصول الزيتون للسنة الموالية سيكون وافرا، فاكترى بسعر هزيل كل معاصر البلد. وعندما نضج الثمر وتم المحصول، وثبتت وفرته، كان الطلب على المعاصر كبيرا، مما جعل دوميلي يؤجرهم بثمن مرتفع مستغلا الندرة التي أحدثها باحتكاره لكل المعاصر التي اكتراها سابقا.
 وفي القرن السابع عشر شهد العالم أول انهيار ناتج عن المضاربة غير المعقولة على زهور التُوليب. فقد ظهر هذا النوع من الزهور في هولندا سنة 1559، مستوردا من اسطنبول. ونالت هذه الزهور إعجاب طبقة الأرستقراطيين، الذين أقبلوا على شرائها بشغف، مما صعّد من قوة الطلب وزاد في الأسعار وفي الأرباح. وتداين الناس حالمين بالثروة السريعة والسهلة، وتهاطلت رؤوس الأموال من كل أوروبا، ودخل السوق الصيرفيون وراهنوا على استمرار الارتفاع، مما جعل الأسعار تصل إلى مستويات خيالية، حتى أن أحدهم في قمة هذه الهستيريا، باع مغازته في مقابل ثلاث زهرات ! وفي سنة 1636 بدأ الانهيار بعد أن تنبه الناس من غيبتهم، وتبينوا غلوهم، وبدأ التساءل والشكوك حول السعر الحقيقي لزهرة التوليب، وتسارع الناس إلى التخلص من هذه الثروة الخاطفة، وأفلس الكثير ونكبت عائلات بأسرها، وانتحر أفراد، وارتج المجتمع وافتقر، وانكمش الاقتصاد الهولندي لسنوات.
وتمثل أزمة 1929 الانهيار الأول للبورصة في مستوى العالم بأسره، فلقد شهدت سنوات ما قبل الأزمة ازدهارا وارتفاعا في الاستهلاك والإنتاج، مصاحبا لمرحلة من الاختراعات مثلتها السيارة ودخولها إلى البيت الأمريكي. وساعد على هذه النشوة نسب الاقتراض الهابطة التي وصلت حدود 3% سنة 1927، مما عظم من استهلاك الأفراد وإنتاج المؤسسات. واستسهل الناس هذه الثروة التي تطرق باب البورصة، حيث تعالت أسهم الشركات نتيجة بوادر مشجعة للاقتصاد، وحلم الكثير بالربح السريع، وبلغ بالبعض حد الاقتراض لشراء الأسهم مراهنين على ارتفاعها، مما عجل بتكوين بالونة مالية وارتفاعات مغشوشة للأسعار لا تمت بصلة إلى الواقع الاقتصادي. ومن أجل كبح هذه الإفرازات الخطيرة عمدت الخزينة العامة إلى رفع سعر الفائدة مما ضرب الاقتصاد في نموه، ولم يزد البورصة إلا سقوطا، فالطبقة المتوسطة بعد إفلاسها انهارت طاقتها الشرائية، فتبعتها البنوك لعدم وجود حرفاء، فانهارت الشركات لقلة التمويل أو غلائه، وتكونت طوابير البطالين و زاد انهيار البورصة ودخل الاقتصاد في حلة مفرغة، وخسر الآلاف مدخراتهم وانتحر الكثير وأفلس عديد التجار والصناعيين، ولم تستطع البورصة العودة إلى مؤشر ما قبل الأزمة إلا بعد مرور أكثر من عشرين سنة. وضرب انهيار بورصة نيويورك وانكماش الاقتصاد الأمريكي كل بورصات العالم واقتصاداته، فظهرت البطالة القاسية والجماعية في كل المجتمعات تقريبا، وضرب البؤس والفقر كل البقاع. 
وتبدو أزمة 1987 المحطة الثانية في سلسلة الانهيارات الشهيرة للبورصة، فبعد عشرية السبعينات التي شهدت أزمتي نفط متتاليتين سنة 1973 و1979، ظهرت بوادر انتعاش على الاقتصاد الأمريكي في بداية الثمانينات، وأثُر ذلك على البورصة التي ارتفع مؤشر دو جونز من 1100 نقطة سنة 1984 إلى 2600 نقطة سنة 1987. لكن هذا الارتفاع صاحبه ارتفاع للاستهلاك كان إيجابيا على النشاط الاقتصادي ولكن رافقه نمو الاستيراد، الذي كانت تأثيراته سلبية على أساسيات اقتصاد البلاد، وتدخلت الخزينة العامة ورفعت من أسعار الفائدة، مما دعم المخاوف على تمويل الشركات وعلى القيمة الحقيقية لأسهمها، فأحدث حالة فزع عامة، ودفع العديد من المستثمرين إلى التخلص من أسهمهم. وانهارت البورصة في نيويورك، وساعدت الأوامر الإلكترونية على زيادة زعزعتها، وفقد الدو جونز في يوم الاثنين الأسود 19 أكتوبر قرابة الربع من قيمته (22,6%).
وفي سنة 1998 ارتج العالم على سماع الانهيارات المتوالية والكبيرة لبورصات جنوب شرقي آسيا ولعملاتها المحلية. وتبعها إفلاس عديد الأفراد والمؤسسات البنكية والصناعية في منطقة كان ينظر إليها على أنها البديل المستقبلي لقاطرة النمو والتكنولوجيا في العالم. ومن الأسباب الرئيسية التي كانت وراء هذه الأزمة العميقة، ارتفاع الاستثمار السلبي في البناءات الضخمة وغيرها، والتوسع الهائل للقطاع البنكي في منح تسهيلات ائتمانية خصوصا للقطاع العقاري، وإعطاء قروض سهلة للحرفاء من أجل المضاربة في البورصة، التي أصبحت كازينو كل الفئات. مما جعل أصحاب رؤوس الأموال يحبذون الحصول على مرابيح ضخمة وسريعة، بديلا عن الاستثمار الصناعي والتنموي الطويل المدى. فتولد اقتصاد بورصوي ورمزي مستقل عن الاقتصاد الواقعي، وتواصل نشاطه في الوقت الذي كانت فيه الدورة الاقتصادية ساكنة أو في طريقها إلى الشلل. وأصبح التداين والعيش على المكشوف (à découvert) حالة يعيشها الفرد في إطاره البسيط، والمؤسسة والدول.
ومنذ سنة 2000 دخلت البورصات العالمية في مسار هابط وانهيار لا يبوح باسمه نظرا لتمدده في الزمن، وكانت طفرة الاقتصاد الجديد وما صاحبته من أحلام الثورة التكنولوجية الثالثة، وراء الارتفاع الخيالي لمؤشر البورصة ولبعض الشركات التقنية التي شاهدت أسهمها تزايد أسعارها أضعافا مضاعفة (شركة مثل كرِيانات في فرنسا تضاعف سعر سهمها من 5 أورو تقريبا إلى 90 أورو). وقد ساعد توافد المدخرين الصغار الذين حلموا بالثروة السريعة وبهذه الفرصة الاستثنائية على زيادة هذه الارتفاعات. غير أنه كما يقول المثل في البورصة : إن الشجر لا يصعد دائما إلى السماء، تكونت بالونة مالية منتفخة لا تعبر عن حقيقة واقع هذه الشركات، و لاعن توقعاتها المستقبلية، وتؤكد على هشاشة مشاريعها وغلاء تكاليف تمويلها، وانهارت البورصة تدريجيا وعلى مراحل، مخلفة خسائر لعديد الأفراد وإفلاس كثير من الشركات الكبيرة والصغيرة على حد السواء، وخاصة من كان لها ارتباط وثيق بالاقتصاد الجديد، ومازالت سلسلة الانهيارات متواصلة.
استنتاجــات
إن كل هذه الفترات التي عاشتها البورصة طيلة عقود خالية تؤكد على الملاحظات التالية :
ـ أن شراء الأسهم في البورصة ليس استثمارا قصير الأمد، ولكنه استثمار تنموي طويل. وقد أكدت عديد الإحصائيات أنه يفوق كل الاستثمارات الأخرى العقارية وغيرها أرباحا وجدوى. غير أنه إذا تحول إلى منشط قصير المدى وأن الربح الخاطف والعاجل هو هدفه، فإنه يؤدي لا محالة، إذا تكاثر لاعبوها، وأصبح هو الدافع الرئيسي للاستثمار، إلى نكبة بورصوية رهيبة.
ـ أن البورصة إطار اقتصادي ومالي للقاء المستثمرين والباعثين، فهو يشكل ممحصا لتوجيه الاستثمار نحو مجالات نافعة ومفيدة للفرد والمجموعة عبر تموين أصناف من الشركة واستبعاد أخرى، مما يجعل الفرد يعيش مواطنته الاقتصادية في أحسن مظاهرها.
ـ لا تخرج البورصة عن إطارها كمجال معبر بصدق عن حالة الاقتصاد عموما، وعن نسيجه الصناعي والفلاحي والخدماتي. غير أنه إذا وقعت القطيعة بينها وبين الاقتصاد الواقعي، فإن البورصة تصبح ميدانا للقمار والمراهنات، ويخسر الفرد والمجموعة ويغيب الرشاد والمعقول وتستتب المخاطرة العشوائية والفوضى والعبثية.
ـ أن الاستثمار في البورصة يتطلب متابعة كبيرة لاستجلاء الحقائق والتوقعات وفهم المستجدات والروابط، قبل حدوث الكوارث والمطبات، وهذا يفوق دور الفرد ولا يمكن أن يحمله لتعظيم الربح وتقليص الخسارة، غير المجموعة ممثلة في نادي استثمار أو غيرها.
 ـ أن النموذج الحالي للبورصة وفلسفته وأدواته ليسوا مثاليين، وهو يعبر عن نقائص وسلبيات، عبرت عنها أخلاقية التعاملات والأهداف الآنية والمستعجلة، والأزمات المتلاحقة التي ضربت البورصة، غير أن قرارات الشفافية والقوننة لعديد المعاملات التي أفرزتها الأزمات الأخيرة من شأنها أن تزيد من الشفافية ومن إمكانية التعامل في البورصة بأقل مخاطرة ممكنة، رغم اعتبارنا بأن الأزمات في البورصة مع خصائصها الظرفية، هي تعبير عن أزمة هيكلية في التصورات وفي ماهية الاقتصاد وأهدافه. ولعل في بروز الأوراق المالية الأخلاقية منذ مدة ونجاحها في كسب ثقة المستثمرين، دليل على إمكانية التجاوز وبناء تصور آخر للمعاملات في البورصة، وهو ما تسعى إليه بعض البنوك الإسلامية من خلال ابتكار وتصميم أدوات مالية جديدة لها مواصفات معينة تحترم القيم الأخلاقية والضوابط الشرعية[[2]].
ـ يتبـــع ـ





[1]  انظر بأكثر تفاصيل د. أمير عبد اللطيف مشهور "الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي" مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1991،
 ص : 41 ـ 49.


[2]  د.أحمد محي الدين أحمد "الأدوات الاستثمارية الإسلامية ودورها في تنشيط البورصات العربية" مجلة المصارف العربية عدد 165 مجلد 14، سبتمبر 1994.


2007-06-21