قــراءة في شــرعيــة الاستثمــار في البورصة (7/7) الجزء السابع / د.خــالد الطراولي


2 ـ حول شرعية التعامل بالأسهم
لن نتوقف كثيرا حول الموقف الشرعي من السندات وحصص التأسيس لوضوح ربوية هذه الأدوات وشبه إجماع الفقهاء المعاصرين على حرمتها. فبالنسبة للسندات فإن وجود الفائدة الثابتة التي تمثل زيادة في قيمة القرض مقابل الأجل، تجعلها قرينة لربا النسيئة المحرم شرعا، بالرغم من وجود فتاوى قليلة تبيحها باعتبارها نوعا من أنواع المضاربة الشرعية وحاملها مضارب في أموال الشركة وهو رأي كل من محمد عبده وعبد الوهاب خلاف[[1]]. وممن رأى حرمتها الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية التي فندت دعوى المضاربة، لأن الربح فيها يمثل نسبة معينة من الربح، أما في السند فهو مقدار محدد. كما أن الخسارة في المضاربة الشرعية تكون على صاحب المال، أما في السند فيتحملها العامل أي الشركة. كما وافقها في ذلك بيت التمويل الكويتي بقوله : "فإذا كانت السندات تعبر عن قرض له فائدة مسماة مضمونة فإصدارها والتعامل بها محرم قطعا لأنها ربا صريح"[[2]]. كما أفتى بذلك المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السابعة في النقطة الرابعة "أن العقود العاجلة والآجلة على سندات القروض بفائدة بمختلف أنواعها غير جائزة شرعا لأنها معاملات تجري بالربا المحرم"[[3]].
أما حصص التأسيس فشرعيتها مهزوزة عند المعاصرين فهي لا تلتقي مع أي من العقود الصحيحة والمعروفة، حتى وإن أجاز بعضهم إصدارها دون تداولها قبل قبض المبلغ المخصص لها من الربح لتنزيلها منزل الهبة. والرأي الغالب أنها تختلف عن الهبة لأن هناك مقابل، وتتميز عن الهبة بعوض لأن الهبة بالعوض من عقود البيع ولها ماله، والعلم بمقدار الثمن مفقود.
أما بالنسبة للأسهم فقد انبرى بعض الفقهاء والاقتصاديين إلى التعرض لشرعية التعامل في البورصة من خلال تبيان شرعية كل صنف من الأسهم المتداوَلة أو المعروفة. نذكر منهم سمير عبد الحميد رضوان وعبد الغفار الشريف اللذان عالجا بالتفصيل موقف الشرع منها[[4]].
فالأسهم الاسمية، وهي التي تحمل اسم صاحبها، ويقيد اسم حاملها في سجلات الشركة، وتثبت ملكيته لها، ولا ضرر عند الفقهاء في ذلك، ولا خلاف في جوازها ولعله الأصل في الشركات والذي تصان به الحقوق.
والأسهم لحاملها، وهي الأسهم المملوكة لمن يحملها وقد اعترض بعضهم على شرعيتها لجهالة المشتري التي تنتج عنها جهالة أهليته حين تصبح ملكا لمغتصب أو لملتقط أو لسارق، فيصبح حاملها شريكا في الشركة بغير حق. غير أن هذه الإمكانية يمكن تجاوزها بسن قوانين تحفظ الملكية الأولى.
والأسهم النقدية، وهو الأصل في أن تكون حصة الشريك نقدية ذهبا أو فضة أو نقودا. ولا خلاف عند الفقهاء في شرعيتها.
والأسهم العينية، وهي المساهمة بالعروض، واختلف الفقهاء في جوازها. فرفضها الحنفية والحنابلة، والشافعية في غير المثل، وقبلها المالكية.
والأسهم العادية، وهي التي تتساوى في قيمتها، وهو الصنف الغالب في واقعنا، والذي يطبع المعاملات المالية في البورصة. وهو يمثل استواء حامليه في الحقوق والواجبات تجاه الشركة المصدرة. وهي جائزة بالإجماع فهي تمثل حصة الشريك في الشركة التي تخول له الحق في الحصول على الربح.
والأسهم الممتازة، وهي التي تعطي لصاحبها امتيازا على غيره من مثل حق الأولوية في الأرباح أو من موجودات الشركة حين تصفيتها، أو تعدد الأصوات في الجمعية العامة، أو عدم سقوط الأرباح عند السنين العجاف وتأخيرها لسنوات أخرى. وقد رفضها الفقهاء لوجود فائدة ثابتة على رأس المال، وبنائها على الغبن والتمييز في الأصوات والأولوية.
وأسهم التمتع، وهي نوع خاص تتمثل في إعطاء الشركة للمساهم الذي استهلكت أسهمه في رأس المال أثناء حياة الشركة، حقا في هذه الأسهم. وقد اختلف موقف الفقهاء المعاصرين في شأنها، فمن رفضها منهم لإخلالها بمبدأ المساواة بين الشركاء، ومن قبلها علل ذلك بأن كل ما يأخذه الشركاء من الربح فهو حقهم، سواء أخذوه ربحا أو ثمنا للأجزاء المستهلكة من الأسهم، ومن أباحها بشرط أن يتم استهلاك الأسهم لجميع الشركاء دفعة واحدة، أو على دفعات متتالية بنسبة معينة من مجموع ما يمتلكه كل مساهم.
 وإذا كان الإجماع حاصلا في حرمة شراء أو بيع أو تملك أسهم الشركات العاملة لأغراض حرام كبيع الخمر والخنزير أو الربا. فإنه انفلت واختلفت الآراء بالنسبة لأسهم الشركات المستثمرة في أغراض مباحة غير أنها تحتاج في مشوارها الإنتاجي والتسويقي إلى اللجوء إلى التعامل بالربا أخذا أو عطاء. وتعارضت مواقف الفقهاء المعاصرين وتباينت ردودهم بحسب تحديدهم لماهية السهم و مفهوم الشركة المساهمة، فمنهم من حرم بإطلاق ومنهم من أباح مطلقا، ومنهم من أحلها بشروط، وقد تعرضنا سلفا إلى هذا التقسيم. وتمثل هذه الحالة وهذا الصنف من الشركات النوع الغالب إن لم يكن الوحيد المتواجد داخل البورصة، وبالتالي يمثل الإشكال الحاصل حول حلية أسهمه أو حرمتها أحد الأبواب الأساسية (مع إشكالية العقود والبيوع) لتحليل أو تحريم التعامل في البورصة.
ومن المحرمين في هذا الباب، بيت التمويل الكويتي عن طريق مستشاره الشرعي بدر المتولي عبد الباسط، الذي رأى في فتواه، إجابة على استفسار حول حكم شراء أسهم شركات أجنبية مثل جنرال موتورز التي إذا احتاجت اقترضت بفائدة، وإذا ما فاض عندها بعض المال السائل لفترة قصيرة أقرضت هذه الأموال بفائدة "أن مبدأ المشاركة في أسهم شركات صناعية تجارية أو زراعية مبدأ مسلم به شرعا لأنه خاضع للربح والخسارة وهو من قبيل المضاربة المشتركة التي أيدها الشارع على شرط أن تكون الشركات بعيدة عن المعاملة الربوية أخذا وعطاء، ويفهم من استفتاء سيادتكم أنه ملحوظ عند الإسهام أن هذه الشركات تتعامل بالربا أخذا وعطاء وهذا فإن المساهمة فيها تعتبر مساهمة في عمل ربوي وهو ما نهى عنه الشارع"[[5]]. وأيدت الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية هذا الموقف الفقهي[[6]].
وتعتبر اجتهادات الشيخ عبد الله بن منيع في تجويز التعامل بأسهم هذا الصنف من الشركات إحدى نماذج المجيزين في هذا الباب[[7]]. فقد استند في بحثه إلى خمسة قواعد فقهية لتأكيد ما وصل إليه :
· يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا : حيث يتسامح الشارع في التبعية ولا يتسامح في الاستقلال كبيع العبد وماله بثمن نقدي دون شروط الصرف ولا يجوز بيع ماله منفردا إلا بهذه الشروط "و يمكن اعتبار بيع السهم في شركة قد تلجأها الحاجة إلى أخذ الربا من البنوك الربوية أو إعطائه إلا أن ذلك يعتبر يسيرا ومغموسا في حجم الشركات ذات الأغراض المباحة، يمكن اعتبار ذلك من جزئيات هذه القاعدة، إذ الغالب على هذه الشركة الاستثمار بطرق مباحة وما طرأ عليها من اقتضاء ملح في الأخذ من البنوك بفائدة أو إعطائها بفائدة يعتبر يسيرا وهو في حجم السهم المباع تبع ويغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال"
· الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة : فتحريم التعامل بالأسهم من شأنه إحراج الأفراد والمجموعات والدول والتضييق عليهم، في عدم استثمار أموالهم ولعله السقوط في الحرام البين. فالتحليل هو رفع الحرج "كإباحة العرايا للحاجة العامة بالرغم من أن العرايا بيع مال ربوي بجنسه غير متحقق تماثلهما"
· اختلاط جزء محرم بالكثير المباح : فيجوز التصرف في المال المختلط تملكا وبيعا وشراء إذا كان حرامه قليل، والسهم يحوي على نصيب قليل من الربا الحرام الناتج عن تعامل الشركة أخذا أو عطاء فيمكن التغاضي عنه.
· للأكثر حكم الكل : أي أن الحكم يعود للأغلب، والسهم حرامه قليل بالنسبة إلى حلاله، مما يجعل إباحة التعامل به تعود إلى أغلبه.
· ما لا يمكن التحرز منه فهو عفو : كيسير طين الطريق، ويسير سلس البول، مما لا يمكن الاحتراز منه فهو معفو عنه. والشركات حاجة ملحة للأفراد والدول، والاحتياج إلى الاقتراض أو الإقراض يسير في حجم السهم ويمكن اغتفاره لعدم إمكانية الاحتراز منه.
وقد أضاف القرداغي في تحليله لهذا الصنف من الشركات باعتباره للعرف، ما دام لم يتعارض مع نصوص الشريعة، وهو العرف السائد بالنسبة لهذه الشركات في تعاملاتها المعاصرة، كما لوّح بصعوبة تمكن الصورة المثالية لما نريده في أي باب، إذا قصرنا التعامل على العزائم دون الرخص، وعلى المجمع عليه دون المختلف، وعلى الحلال الخالص دون الشبهات[[8]].
ختـــاما
لقد سعت هذه الورقة عبر فصولها السبعة إلى استجلاء الوضع حول الاستثمار في البورصة من ناحية شرعية، واستعرضت منازله، وقامت بقراءة بعض الاجتهادات في الموضوع، وعرجت على محطاته التي تمحورت حول شرعية أدوات البورصة وعقودها وحلية شركة المساهمة، وخاصة الشركات التي تستثمر في أغراض مباحة غير أنها تتعامل بالربا أخذا وعطاء. وقد لاحظت الدراسة تنوع الاجتهادات واختلافاتها في عديد المسائل حتى التي تبدو شرعيتها أو عدمها بديهية، مع وجود شبه الإجماع في بعضها.
ـانتهــــى ـ





[1]  الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، الجزء الخامس، مرجع سابق، ص : 435.


[2]  "الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية" بنك التمويل الكويتي، مرجع سابق، ص : 105.


[3]  توصيات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي (مكة) الدورة السابعة، مرجع سابق.


[4]  سمير عبد الحميد رضوان "أسواق الأوراق المالية" مرجع سابق، ص : 279 ـ 289.


[5]  "الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية" مرجع سابق ص : 99.


[6]  "الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية" مرجع سابق ص : 265 ـ 267.


[7]  عبد الله بن سليمان بن منيع "حكم تداول أسهم الشركات المساهمة بيعا وشراء وتملكا وتمليكا" مجلة "البحوث الفقهية المعاصرة" عدد 7، السنة الثانية، ديسمبر 1990.


[8]  د. علي محي الدين القرداغي "الأسواق المالية في ميزان الفقه الإسلامي" الدورة السابعة لمجمع الفقه الإسلامي جدة 12 ـ 17 ذي القاعدة 1412 هج. ص : 18.


2007-06-21