الحل الاسـلامي الاستعجالي/ د.خــالد الطراولي/ الجزيرة نت


ليس هذا نصا فكريا خالصا ولا أدبيا، ولكنه مساهمة ونداء، تستدعي العقل والقلب على السواء... مساهمة من أجل الخروج من المأزق، ونداء إلى أصحاب الاختصاص ورؤساء البنوك المركزية العالمية وإلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي في أوروبا وأمريكا خاصة...
إن الأزمة المالية الحالية تتجاوز منطق المعالجة الظرفية والنسبية، تتجاوز منطق التباطىء والانتظار والمراهنة على عامل الوقت، تتجاوز منطق الترقيع والترميم، ولكنها أعمق وأشد، ولم يخطئ بعضهم في تشبيهها بأزمة 1929 أو أشد كما رءاها رئيس الخزينة الأمريكية،  رغم بعض الاختلاف الجوهري، وهي تلامس ولا شك منزلة الأزمة الحضارية لما لها من عمق ثقافي وتشكل عقلية وبناء ثقافة وسلوك، تواصل لأكثر من قرنين من الزمن، حيث بنيت هذه الحضارة على منطق بسيط في أسلوبه معقد في تنزيلاته وهي حضارة المال المطلق واليد الخفية المسيرة لقوانين السوق كما أعلنها بداية آدم سميث، وتواصلت بعده بتقنيات ووسائل يقارب بعضها ألعاب الكازينو ومراهنات سباقات الخيل...وهذا يستدعي ولا شك إجابة حضارية لإشكال حضاري، وهو ليس شأن هذه الورقة البسيطة ولعلنا نعود إليها في ورقات أخرى.
إن الأمر اليوم جلل، ولا نبالغ ولا ندخل الذعر في القلوب والهلع في السلوك، لأننا نؤمن أن الأمر لا يزال تحت المراقبة ولم ينفلت ولكنه يتطلب الإسراع والحزم والجرأة...إن مصير العالم أضحى على كف عفريت، وأن تدهور الأزمة نحو منازل أشد وقعا وألما، لتضرب الصغار والكبار على السواء، لا يزال قائما وبشدة... وهي أزمة مؤهلة لتركيع بلدان كثيرة نامية وتدحرجها نحو المجهول، ولعل في شبه إعلان بلد أوروبي ولو كان صغيرا مثل أيسلندا لإمكانية إفلاسه، تعبير لعمق الأزمة وتمكنها ككرة الثلج المتدحرجة والمتضخمة لحظة بعد لحظة.
وليست البلدان الفقيرة أو في طريق النمو بمنأى عن هذه الأزمة، بل نرى أن عامل الوقت لن يستبعدها إلا لحين، والأمر سوف يكون أكثر ألما، لما تعيشه هذه البلدان من تبعية ضاغطة وترهل اقتصادي، ولعل وقع الأزمة سوف يكون عليها أشد ، لتلازم الأزمة المالية والغذائية مع أزمة الطاقة. فلم تمر أشهر على أزمة غذائية خانقة أخرجت الجماهير إلى الشارع وزعزعت استقرار هذه الدول، ومع بروز أزمة الطاقة وارتفاع سعر البترول واختلال ميزانياتها، دخلت على الخط هذه الأزمة المالية الحادة وأربكت الإطار وفتحت آفاق هذه البلدان على المجهول...
هذه الصورة السوداء "للقرية الكونية" وهي تستفيق على طبول الانهيارت والإفلاس، تحمل في طياتها عنوانا استعجاليا قائما : ما العمل؟ وإننا من منطلق أن الأزمة اليوم وعمقها وتسارعها المذهل، يتطلب صدمة قوية وخضة شديدة تتجاوز حتى المعقول و غير المقبول عند البعض، ولا تقف عند الحلول المعروفة والمطروحة من مثل خطة بولسن في إنقاذ البنوك وشراء الديون الفاسدة المتخلدة بذمتها، والتي تثبت الأيام نسبيتها وعدم تفاعل النظام المالي العالمي، والأمريكي خاصة تفاعلا إيجابيا، بل ازداد الذعر وتمكن الهلع والرعب من العقول والسلوكيات...
ونظرا لتواصل عدم الثقة المستشري عند المواطنين مستهلكين كانوا أو منتجين، وخوفهم المتزايد من الغد المجهول، وعدم استئناسهم لكل ما يطرح من خطط للترقيع والترميم ولإعادة الثقة لديهم في نظامهم المصرفي. فقد انتقلت الأزمة المصرفية في المخيال الشعبي من أزمة بورصة وأرقام رمزية، إلى أزمة حقيقية تلاحقها صور الأزمات السابقة وخاصة أزمة 1929، وهذا المنحى إذا استفحل واستقر، فإنه يزيد التمكن للإنتقال الفعلي المبكر لهذه الأزمة، التي لا تزال تعيش في جدران البورصة، إلى منازل الاقتصاد الحقيقي الذي يضرب الإنتاج والاستهلاك ويدعم طوابير البطالة والفقر.
ونظرا لقلة السيولة الذي بدأ يتعاظم حيث أضحت البنوك المركزية تلامس أقصى مستويات تدخلها والذي من شأنه تدهور سريع وخطير للأزمة، حيث بقيت البنوك إلى حد اللحظة خندق المواجهة لهذه الأخيرة بتوفير خيوط من السيولة النقدية التي تحتاجها الأسواق المالية في حالة الذعر المستشري وتهافت البنوك المفلسة. وإذ كان دور البنوك المركزية، مركزيا وأساسيا، لكنه يحمل حدوده ولا يستطيع الوقوف أبديا إذا تواصلت ندرة السيولة، وهو ما عبر عنه أخيرا رئيس البنك المركزي الأوروبي باعترافه بهذه الإمكانية الخطيرة، خاصة وأن الخوف من المستقبل غلب فطريا عبر تمسك المودعين بودائعهم وتعاظم نسب الادخار على حساب استهلاك والاستثمار، وسعي البعض ولو باحتشام إلى سحب ودائعهم، إلى جانب التحوط الغالب على المستثمرين الخارجين وانتكاسهم نحو مجالاتهم الخاصة وحتى القطرية.
إن ما قام به بنك أستراليا المركزي أخيرا من خفض هائل لسعر الفائدة وما تبعه من توافق جماعي بين البنوك المركزية لعدة بلدان في هذا المجال، هو اعتراف ضمني للبوابة الصحيحة لمعالجة فورية وسليمة، وإن كانت مقتضبة كما ذكرناه سابقا من أن الأزمة تتجاوز الحل المصرفي أو المالي، ولكن هذا المسلك لن يكون كافيا إلا إذا أصبح سعر الفائدة صفرا ولا يتوقف عند ملامسته، لأنه يقلب المعطى تماما ويطرح منهجا مغايرا في التعامل المصرفي والمالي، ويبني لسياسة مالية ونقدية مناقضة، ووسائل استثمار جديدة، ويؤسس لمعادلة مختلفة بين عنصري المال والعمل.
لهذا ننادي بهذا الحل الاستعجالي والسريع، والجرأة وعدم التردد، بالنزول الفوري لسعر الفائدة إلى مستوى الصفر، والدخول في علاقة مشاركة مع المنشئات القائمة في إطار الصيغ الإسلامية المعروفة، وحسب المنزلة والجدوى الاقتصادية والاجتماعية، من اصطصناع وجعالة وسلم ومضاربة ومشاركة... وبناء نظام مصرفي عالمي جديد.
وعلى الأمة الإسلامية ممثلة في حكامها وبنوكها المركزية أن تكون سباقة في هذا الباب حتى يحسب لها أنه كانت المنقذة للنظام العالمي من الانهيار التام بتفعيل مرجعيتها المقدسة من أجل تثبيت نظام مصرفي جديد، أساسه المشاركة في الربح والخسارة ونبذ ثقافة الكازينو والربح العاجل على حساب كروب الآخرين ومآسيهم. وعليها القيام بدعوة دولية لاجتماع عالمي في مستوى رؤساء الدول وتقديم ورقة أولية بمشروع نظام مصرفي عالمي جديد يستند إلى مرجعيتها ويوفر تقنيات ووسائل جديدة للإيداع والاستثمار، وعلى منظمة المؤتمر الإسلامي تبني هذا المقترح والسعي إلى تنزيله.
إن هذه الصدمة الاستعجالية بتنزيل سعر الفائدة إلى مستوى الصفر ستكون ترقيعا أوليا ولا شك، ولكنها تفتح الباب لمراجعة شاملة وجامعة للنظام العالمي المبني أساسا على كثير من صيغ الربح العاجل والآني والكبير، الحامل لكثير من الجور. وعلى الإسلام والمسلمين المساهمة في بناء نظام عالمي جديد من منطلق إنساني بحت تمليه مرجعيتهم المقدسة الداعية إلى العدالة والأمن من أجل نظام عالمي عادل. فهذه الخضة من شأنها إعادة طمأنة الستثمرين وأصحاب الشركات بتوفر المال وعدم انحساره عند الطلب، بعد سلسلة الإفلاسات وتلكأ البنوك الباقية في التعاون فيما بينها وتوجس بعضها من البعض، أو مع المقترضين المستثمرين، فلا تنتقل الأزمة وتستقر في الاقتصاد الحقيقي بعد ضربها للاقتصاد الرمزي، وما يتبعها من مآسي وأحزان داخل المجتمع.
إن هذه الصدمة الأولية لا تمثل إلا محطة فورية عاجلة في مسار تغييري أولي في مستوى الإطار المالي، يتبعه تدخل مباشر للدولة في القطاع البنكي أولا، عبر تأميم فوري لبعضه أو كله حسب نسبية سلامته، وتأسيس مباشر لبنوك تابعة للدولة، وفتح الباب مجددا للخوصصة النسبية بعد مرور العاصفة وتركيز قوانين وضوابط صارمة للمتابعة والتمحيص والمراقبة، ثم لتدخل غير محتشم للدولة في أبعد من القطاع المصرفي، حيث تبين مدى تهور القول باستبعاد الدولة وترك السوق يرتع دون ضوابط حازمة وبين أيدي غير مسئولة وهي نهاية واقعية وليست نظرية فحسب لما اصطلح على تسميته بالليبرالية المتوحشة.
ولقد دعونا منذ سنوات ونحن نراجع التجربة المصرفية الإسلامية إلى عدم تركها تماما للقطاع الخاص، و ووجوب تدخل الدولة في القطاع المصرفي الإسلامي لتبني المنحى الاستثماري والتنموي الذي يعتمد خاصة على صيغ المضاربة والمشاركة والتي تقلص استعمالها لدى القطاع الخاص لصالح صيغ المرابحة.
إن المناداة اليوم بالإعلان الفوري عن نسبة فائدة في مستوى الصفر، تؤكده جدوى التعامل المصرفي الخالي من الفائدة وقد أثبتت التقارير الأخيرة تعاظم المد الإسلامي المصرفي عددا وربحا، والخلاص النسبي للمصارف الإسلامية في الأزمة الحالية كما أن الاستثمارات المرتكزة على قواعد إسلامية حققت أرباحا أعظم وبقيت أصولها غير مضطربة رغم حالة الغليان، وهو طريق بدأت أطراف معتبرة داخل المدرسة الرأسمالية تتنبه إليه تنظيرا وممارسة، والدعوة إلى تجربته كحل معتبر في حل الأزمة. فتنظيرا، نادى منذ أكثر من عقد الإقتصادي الفرنسي موريس آليه المتحصل على جائزة نوبل سنة 1988 بإصلاح شامل للمؤسسات النقدية والمالية والمبني أساسا على سحب منشأة النقود من مهامها وحصرها في الدولة، وتخفيض سعر الفائدة إلى حدود الصفر. كما فاجأتنا الصحيفة الاقتصادية الفرنسية ج د ف [ 25/09/2008 JDF] بمقال لمديرها ينادي فيه بتطبيق مبادئ الشريعة للخروج من الأزمة، حيث عرض لمبدأي عدم بيع ما لا تملك، وعدم المراهنة على مآسي الشركات ولكن مشاركتها نموها عبر الصيغ الإسلامية للإستثمار. وهي نفس الحقيقة التي وصلت إليها الصحيفة الاقتصادية المعتبرة شالنج [CHALLENGES 11/09/2008] في افتتاحيتها أن لو كان أصحاب المصارف الساعون للربح قد احترموا الشريعة الإسلامية لم نصل إلى ما وصلنا إليه...حيث لا تنتج النقود النقود.. أما في باب الممارسة فلم يعد يخلو بنك غربي كبير من نافذة تتعامل حسب مقتضيات الشريعة الإسلامية.
هذه التعبيرات من باب شهد شاهد من أهلها، تؤكد على أن ما ندعو إليه ليس قفزا على وواقع ولا مثالية مزيفة ولكنه بديل معتبر، يمكن للعالم إذا خلص إليه فورا وبسرعة التماثل إلى الشفاء. لكن لعل البعض يرى تبسيطا للأزمة التي تزداد يوما بعد يوم تعقيدا وسوءا، ولعل البعض يبقى باحثا عن سبب رئيسي جامع للأزمة تمثله دولة بعينها، الولايات المتحدة بتزعمها لنظام مصرفي كازينو، أو الصين بعملتها الرخيصة وعدم توازن عمليات الصرف. ونحن لا نشك لحظة بأن هذه المقاربة وهذا النداء تعتمد الإجابة عليه على تداخل عناصر عدة تتموج بين السياسي والاقتصادي، بين ثقافات وشعوب، بين لوبيات ومصالح، كل ذلك وارد ولا نخفيه، غير أن اللحظة بمأزقها المتسارع وأزماتها الزاحفة، لا تستوعب كل هذه المبررات لاستبعاد هذا الحل المنشود، وعامل الوقت لا يخدم الترهل أو الانتظار أو تغليب عامل المصلحة الذاتية أو المجموعاتية، فالمركب يحمل الجميع وإذا طاله ثقب في أحد أطرافه فإن الجميع مهددون بالغرق.
لن نغفل عما قدمته الرأسمالية للعالم من تقدم تكنولوجي واقتصادي، ولكنه لا يجب أن ننسى ما اصطحبه من ويلات تمثلت في استعمار واستحواذ، ومن ترهل منظومة القيم وتهميش للبعد الأخلاقي في عديد السلوكيات الاجتماعية والاقتصادية، لن نبخس الناس أشياءهم ولكننا نعتبر أن الخلاص الرأسمالي حمل منذ انطلاقته عنصر نهايته، وهو هذه الهيمنة لعنصر المادة المتمثل في إطلاقية المال على حساب عوامل أخرى، فليس بالمال وحده يعيش الإنسان وليس ب "دعه يعمل دعه يربح" ولو على حساب الآخرين يمكن أن نبني القرية العالمية المنشودة.
إن نهاية التاريخ كما زعمها فوكوياما قد غيرت موعدها، ولم يكن نهاية المعسكر الاشتراكي إعلانا عن توطيد وهيمنة النموذج الرأسمالي، ولكنه مثل في الحقيقة إرهاصا لنهاية كل النماذج التي تحجّم دور الإنسان أو لا تجعل رفاهيته الروحية والمادية هدفا أصيلا وثابتا لها. فالأزمة الحالية في بعدها الشامل هي أزمة حضارية بالأساس، ولعله كما ذكره رئيس البنك المركزي الأوروبي "لا يجب أن يوجد أي طابو لمعالجة الأزمة". ومن هذا الباب ولجنا ومن هذا الباب ترى المرجعية الإسلامية طرح بديلها الفوري بإعلان الفائدة في مستوى الصفر، ثم النهائي والحضاري، الجامع لتوليفة الإنسان في بعده المادي والروحي، لإنقاذ العالم.
ينشر بالتزامن بين الجزيرة نت وموقع اللقاء www.liqaa.net

2008-10-23