امرأتنا في الحقل السياسي / الجزء الأول : المرأة الإنســان / د. خالد الطراولي


ماذا يمكن أن يضيف مقالنا هذا إلى موضوع المرأة، وقد أخذت بأطرافه عديد الأقلام، وتناولته جهات ومجموعات، وأدلى بدلوه فيه العالم والفقيه، وصاحب الغاية والنزيه؟ ألا نخشى الابتذال والتكرار، فتمله الأنفس وتمجه الأذواق؟ نعم قد لا نجد قضية عالجتها الأمة مثل حديثها عن المرأة خطابا وواقعا، غير أن الحسم لم يشمل إطارها، وهذا ملجأنا وخلاصنا، فلقد وعينا هذا المنزلق، وسعينا إلى بلورة رؤانا وطرح أفكارنا حتى مع وقوع الاجترار في بعض الأحيان !
كنا نظن أن الحديث عن المرأة في السياسة من السابق لأوانه في بعض مجتمعاتنا، فإذا الحديث عن الرجل مازال من باب "دعها حتى تقع". لقد أصاب العالم الإسلامي منذ قرون زيغ حضاري ساهم فيه الانحراف السياسي بنصيب الأسد، ففقد المجتمع أحد منشطاته وانهارت مؤسساته، وتزعزعت ثوابته وقلّ وعيه، وأصبحت له قابلية عجيبة للتخلف والانهزام والتقوقع. وقد ساهم بعض الفقهاء والمفسرين في تحليك حالة المرأة لدى الجماهير نتيجة هذا الانحطاط العام الذي ضرب السياسة والاجتماع والاقتصاد لدى المسلمين. فهذا الرازي في تفسيره الكبير وعند تعرضه لآية "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"[الروم21]، يقول : " .. دليل على أن النساء خُلقن كخلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع.. فنقول خَلق النساء من النعم علينا وخلقهن لنا" !![[1]].
 وتواصل هذا الانهيار في ظل الغيبة المطوّلة للسياسي حتى عصورنا الحديثة، " فساد نظام واستبداد حكام وفوضى أحكام وخمود عام"[[2]]. حتى صحّت فينا قولة "ما أفلح قوم ولوا رجلا منّا" !!، وأثّر هذا على المرأة عموما فأضحت كائنا هائما لا حول له ولا قوة، يقول قاسم أمين : " فانظر إلى البلاد الشرقية تجد أن المرأة في رق الرجل والرجل في رق الحاكم، فهو ظالم في بيته مظلوم إذا خرج منه"[[3]]  في هذا الإطار الداكن والمزعج يتنزل حديثنا عن المرأة المسلمة في حقل السياسة.
 

من هنا نبدأ
تنطلق الرؤية الإسلامية للمرأة في المجال السياسي من مفاهيم الاستخلاف والعدل والمساواة، حيث يبرز الخطاب المقدس غير أحادي الجنس، فالمرأة الإنسان ( وليست الإنسانة) والرجل الإنسان مشمولان دون تمييز بالخلافة في الأرض، وما يتبعها من حقوق المستخلَف وواجباته " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون"[النحل97].

ومن أجلّ هذه الواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أثبت النص القرآني من خلاله ولاية المؤمنين والمؤمنات في الجانب السياسي، دون إغفال كل أبعاد الظاهرة الإنسانية الأخرى من اقتصادي واجتماعي وأخلاقي " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم"[التوبة71]. كما برز مفهوم العدل كركيزة ثانية لهذه الرؤية في الرفض المبدئي أولا لأي تفرقة بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانية المشتركة " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها"[الأعراف189]. وكذلك في ارتباط السياسة بالعدل وبالشريعة.
وقد أشار ابن القيم إلى هذه العلاقة العضوية بقوله : " فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل هي موافقة لما جاء به بل هي جزء من أجزاءه ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحكم وإنما هي عدل الله ورسوله  وهي ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي"[[4]]. وينجر عنه جعل السياسة مفهوما ذا إطار توحيدي أخلاقي استخلافي ومصلحي، حيث يصبح الفرد المسلم ذكرا وأنثى، حاكما ومحكوما مكلفا بالاهتمام بأمور المسلمين ورعاية شؤونهم حُكما ونصحا. فيصبح العمل السياسي واجبا شرعيا ومسؤولية فردية وجماعية، وهذا يختلف عن نظرة الحق السياسي التي غالبا ما تؤدي إلى السلبية السياسية لإمكانية استعمال هذا الحق أو التخلي عنه.
أما عن المساواة فتمثلت في تلك الوحدة الروحية التي أسسها الإسلام بين الزوج والزوجة " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" [البقرة187] وتجلت كذلك في سقوف أعمال الخير من هجر ونفي وقتل وإذاية ونتائجها السامية " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار"[آل عمران195] وبرزت المساواة كذلك في إبداء الرأي والاصداع بالرأي المخالف " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها"[المجادلة1]. ولن تعوزنا السنة بحثا ويكفينا حديث الرسول الكريم " النساء شقائق الرجال". ولعل في البيعة مثال حي لهذه الأبعاد مجتمعة والتي حفظت للمرأة كيانها المستقل وفعلها السياسي المنتظر.
 

حول البيعة
عرّفها ابن خلدون بأنها العهد على الطاعة وهي أساس العمل السياسي في الإسلام، وهي ميثاق الولاء للنظام السياسي في المنشط والمكره بين خليفة مبايَع، وأمة مبايِعة وشريعة مبايَع عليها. فهي رباط ثنائي يمثل التزاما سياسيا متبادلا بين الأمة وقائدها، وقد شهد المجتمع الرسالي الأول صنفان من البيعة، بيعة عينية واجبة شملت المسلمين ذكورهم وإناثهم وهي بيعة عقدية واجتماعية وسياسية واقتصادية وفق مبادئ محددة " ألاّ نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نقتل أولادنا ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف"[[5]]. وبيعة كفائية واجبة كالجهاد والتي ضمنتها بيعة الرضوان وقد ساهمت فيها المرأة مثل نسيبة بنت كعب المكناة بأم عمارة والتي بايعت الرسول (ص) في العقبة الثانية وقاتلت في غزوة أحد وثبتت عندما هرب غيرها، وقال فيها الرسول الكريم : " لمقام نسيبة اليوم خير من مقام فلان وفلان " ثم بايعت بيعة الرضوان وقاتلت في حروب الرد وقطعت يدها في معركة اليمامة[[6]].وقد اعتبر البعض المصافحة تمييزا بين بيعة الرجال والنساء حيث تتم هذه الأخيرة بالكلام وهو اختلاف طفيف لا ينزع عن المرأة أهليتها للبيعة على الولايات الخاصة والعامة.  فلماذا اختلف الفقهاء والمفكرون إذا حول أهليتها السياسية وخاصة في الولايات العامة، وتشعب الحديث وتعددت الآراء حول دورها فيها؟. 


ـ يتبــع ـ





[1] فخر الدين الرازي التفسير الكبير ط3 بيروت 1985 مجلد 13 ص:111.


[2] أحمد أمين "زعماء الإصلاح في العصر الحديث" مكتبة النهضة المصرية 1945 ص : 4.


[3] قاسم أمين "المرأة الجديدة" في بن رمضان فرج "قضية المرأة في فكر النهضة" دار الحامي تونس 1988 ص :25.


[4] ابن القيم الجوزية " الطرق الحكمية في السياسة الشرعية " دار الكتب العلمية بدون تاريخ ص : 14.


[5] عُرفت هذه البيعة ببيعة النساء لما جاء في سورة الممتحنة 12 غير أنه ثبت أن الرجال بايعوا الرسول عليها. فعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من الصحابة : تعالوا بايعوني على ألاّ تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف.. قال : فبايعته على ذلك. رواه البخاري


[6] محمد الغزالي " الحق المر " دار الشروق ط 4. 1998 ص : 134_135. 


2007-06-21