امرأتنا في الحقل السياسي / الجزء الثاني : المرأة والأهلية المفقودة / د. خالد الطراولي


لقد غلب على العلماء تحفظهم على أهلية المرأة لممارسة العمل السياسي ناخبة ومنتخبة ورأوا نقصها مقرونا بجنسها، واعتبروه تخفيفا من الشارع في عدم تكليفهن بذلك. وقد استندوا في هذا إلى مجموعة من الأدلة الشرعية والمفاهيم التي انجرت عنها، نذكر منها :
1/ القــوامـــة :
وذلك حسب الآية الكريمة " الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم" [النساء 34]. فلقد اعتبر بعضهم أن الآية حصرت القوامة في يد الرجل وأن على المرأة التفرغ لبيتها وأولادها، يقول المودودي : " فالسياسة والحكم خارجان عن دائرة أعمال المرأة "[[1]]. ورأى آخرون عدم أهليتها في الولايات العامة، حيث لا يعقل تسلطها على الرجل وقيادتها له وأن تكون رئيسة له في العمل. وذهب فريق ثالث إلى أن القوامة المذكورة هي للرجل في بيته وداخل أسرته وهي تكليف قبل أن تكون تشريفا وتضحية قبل أن تكون وجاهة[[2]].
وترى هبة رؤوف " أن التفضيل يسري على الطرفين " بما فضل بعضكم على بعض" أي أنه يُفهم في إطار التمايز بين خصائص الرجولة والأنوثة، وتبقى التقوى هي معيار التفاضل في الميزان الإيماني.. ودرجة القوامة لم تقم على أساس التطبيق العملي والكسبي، فالمراد بالتفضيل زيادة نسبة الصلاح في الرجل من جهة الرئاسة للأسرة عن صلاح المرأة لها، فهي صالحة وهو أصلح، والمصلحة تقتضي تقديم الأصلح، وهو ما لا يُعَدّ طعنا في صلاحية المرأة وذاتيتها"[[3]] بدليل أنه يُسمح لها برعاية أبنائها والاسترزاق لهم إذا غاب الزوج وضعف العون.
2/ نقصـان العقــل :
 روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يا معشر النساء تصدقن فإنني أُريتكن أكثر أهل النار، فقلن : وبم يا رسول الله؟ قال : تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن، قلن : وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال : أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن : بلى. قال فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن : بلى، قال فذلك من نقصان دينها. "(البخاري).
وقد رد بعضهم[[4]] على هذا بأن هناك خلطا في مستويات الأهلية وفي نوعية النقص وقع فيه الكثير دون دراية. فهناك أهلية عامة لكافة المسلمين ذكورا وإناثا كالبيعة والجهاد، وأهلية خاصة كالولايات وهي توجب قدرة فطرية ولها جوانب كسبية. أما النقص فمنه الفطري كالسفه والجنون وهو لا يطال النساء فقط، و هناك النوعي وهو إما أن يكون نقصا عرضيا يطرأ على الفطرة مؤقتا كالحيض والنفاس وهو لا يخل بهذه الأهلية، أو طويل المدى كالحمل والولادة وهو نقص يمكن تداركه باستثارة الوعي، خاصة ونحن في عصر المعلومات وسهولة الحصول عليها. وقد حرص الرسول الكريم في هذا المجال على تخصيص يوم للنساء لتوعيتهن، كما سمح لهن بحضور التظاهرات الكبرى كصلاة العيدين حيث تعالَج القضايا الهامة للأمة، ولم يمنعهن من ارتياد المساجد وهي منابر العبادة والعلم والتوعية.
وقد لوحظ أن العهد النبوي تلته مباشرة ردّة في علاقة المرأة بالمسجد حيث رفض البعض ارتيادهن ! ولعل التخبط الذي عاشه الحقل السياسي والفتن والانحرافات التي مسته جعل دور المرأة ينهار تماما بعدما غاب الفقه السياسي كلية عن مجال التنظير والفعل. كما أن ارتباط المسجد بالتوعية السياسية والعقائدية وكمؤسسة لتوعية الفرد والجماعة وقطع صلة المرأة به، ساهم بشكل حاسم في هذا الانحسار السياسي وفي غياب المرأة أجيالا وقرونا عن هذا النشاط. ولهذا فإن النقص الذي عناه الحديث هو النقص النوعي الذي يمكن تجاوزه، وإلا لماذا أجمع العلماء على صحة قبول رواية المرأة رغم تعثرهم في قبول شهادتها، وروايتها جزء من تكوّن الشريعة، ونقصها من شأنه إضاعتها.
كما تظهر هذه الأهلية السياسية في قبول الرسول الكريم إجارة المرأة وأمانها وهي قضية سياسية خطيرة تهم أمن الدولة وسلامتها وتتطلب الحذر والتثبت والاستثاق، وقبول الإسلام بذلك هو عربون وفاء للمرأة واعتراف بكفاءتها. فقد أجارت أم هانئ بنت أبي طالب عام الفتح أسيرين من أقربائها، فيجير الرسول جوارها ويقول : قد أجرنا من أجرت وأمنّا من أمّنت. كما أجاز عليه السلام جوار ابنته زينب لزوجها وأمّنه.
3/ القيـــادة :
عن أبي بكرة أنه لما بلغ رسول الله أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال :" لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ". وقد اختلفت الآراء حوله، فمن المعاصرين من رفضه مثل فاطمة المرنيسي التي طعنت في أبي بكرة مستشهدة بتاريخه المشتبه فيه[[5]]، و في المقابل جعل المودودي الحديث شاملا لكل النساء، أما عبد الحليم شقة ف " إنما يعني الولاية العامة على الأمة كلها أي رئاسة الدولة كما تدل عليه كلمة (أمرهم) فإنها تعني أمر قيادتهم ورياستهم العامة "[[6]]، وهو رأي الشيخ راشد الغنوشي "أما بعض الأمر فلا مانع أن تكون للمرأة ولاية فيه، مثل الفتوى أو الاجتهاد أو التعليم أو الرواية.."[[7]] وهو موقف ابن حزم الذي يرى الحديث مقصورا على الخلافة العظمى.
وقد يبدو أن الحديث يمثل وصفا للأوضاع القائمة وإخبارا بأحوالها وهو بالتالي خاص بفارس ولا يتعداها. وهو ما ذهب إليه محمد الغزالي رحمه الله حيث يتساءل كيف يلتقي هذا مع ما كان رسول الله يقرأه في مكة من سورة النمل وفيها قصة ملكة سبأ التي قادت قومها إلى الإيمان والفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة بحكمتها وذكائها[[8]].
4/ المصلحة وسد الذرائع  :
لقد رأى كثيرون في دخول المرأة عالم السياسة تأثيرا سلبيا على واقع الأسرة وتماسكها مما يجعل المصلحة في قرارها في بيتها[[9]]، رغم أن دخولها هذا يأتي في باب التكليف حسب الوسع و القدرة وليس على حساب سلامة العائلة واستقرارها. كما تعللوا أيضا بسد الذرائع حيث تستلزم السياسة الاختلاط والبروز مما ينجر عنه الوقوع في الفتنة والإثم. ولعله الباب الذي على عتبته ذُبحت المرأة سياسيا وحتى اجتماعيا، وهو الشعار الذي غلب على فقهاء الفترات المتأخرة من تاريخنا[[10]] والذي يبدو أن بعض الحركات المعاصرة قد جعلته مبدأ ثابتا غير قابل للاجتهاد والتحوير.
وسد الذرائع من مصادر التشريع الإسلامي الذي اصطحب الأمة في تاريخها ولا استغناء لها عنه في حاضرها ومستقبلها كبقية المصادر الأخرى من استصحاب ومصالح مرسلة وغيرها. أما مؤداه فهو ما يفضي إلى حرام فهو حرام وهذا يجعل وجود معصية قائمة وأخرى مضافة، وهذه العلاقة تتشكل حسب فهم الواقع مما يجعل سد الذرائع مصدرا متعديا يعيش الواقع ويفهم تجدده وتغيره، فذريعة الماضي يمكن أن تنسحب إذا تداعت أسبابها وشروطها وتغيرت أوضاع الناس وحالة المجتمع، وبالتالي يبطل حكمها. ولعل العمل السياسي قد اتخذ له هذا المنحى لرفضه للاختلاط الموجب للفتنة ولارتكاب المعاصي[[11]].
و نحن نعجب لهذا الغلوّ خاصة وأن السيرة النبوية شهدت أحداثا مؤسفة، منها حادثة المرأة المسلمة التي كشف أحد اليهود عن ملابسها والتي صاحت وامحمّداه !، فإن كتب الحديث لم ترو لنا عزوف الرسول عن ترك النساء يخرجن من دورهن، ولم تصدر الدولة الإسلامية منشورا بمنعهن من ارتياد الأسواق وقضاء حوائجهن. ومع هذا فإن غياب المرأة في الشؤون السياسية المباشرة في العهد الرسالي يعود أساسا إلى الوضعية الاجتماعية المسيطرة حينذاك، والتي مازالت العقلية الجاهلية تطبعها، من تفضيل للرجل واستبعاد واستعباد للمرأة، رغم التدرج الذكي الذي سعى الإسلام من خلاله إلى تنزيل فرائضه وأوامره من خمر وزنا وربا، وكذلك فعل للمرأة من موءودة سُئلت إلى حية تُسأل وتُستشار وتشير. يقول عمر رضي الله عنه : " كنا لا نعد النساء شيئا فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك حقا..."
ـ يتبــع ـ





[1] أبو الأعلى المودودي " تدوين الدستور الإسلامي" مؤسسة الرسالة ط5. 1981 ص : 69_76.


[2] محمد الغزالي " قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة " دار الشروق ط 6. 1996 ص :37.


[3] هبة رؤوف عزت " المرأة والعمل السياسي رؤية إسلامية " المعهد العالمي للفكر الإسلامي ط1. 1995 ص :198_199.


[4] هبة رؤوف عزت مرجع سابق ص:101-102.


[5] فاطمة المرنيسي " الحريم السياسي "LE HAREM POLITIQUE PARIS A/MICHEL 1987


[6] عبد الحليم أبو شقة " تحرير المرأة في عصر الرسالة " الجزء الثاني دار القلم الكويت ط 1. 1990 ص : 449.


[7]  راشد الغنوشي "المرأة بين القرآن وواقع المسلمين" المركز المغاربي للبحوث والترجمة، الطبعة الثالثة، 2000، ص : 119.


[8] محمد الغزالي " السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث " دار الشروق ط 1. 1989 ص : 49.


[9] المودودي مرجع سابق ص : 72_74.


[10] انظر ما أورده أبو شقة في هذا الباب من أمثلة سد الذريعة للفقهاء المتأخرين كمنع النساء من حضور الجماعة وصلاة العيد، ومنعها أن تؤم النساء منع الخاطب أن يرى مخطوبته، بل وصل الأمر عند بعضهم إلى منع الرجل من الوضوء بفضل وضوء المرأة ..(عبد الحليم أبو شقة تحرير المرأة في عصر الرسالة الجزء الثالث دار القلم الكويت ط1. 1995 ص :198)


[11] انظر التمهيد المتميز لطارق البشري لتقديم كتاب المرأة والعمل السياسي مرجع سابق ص : 27_29. وانظر كذلك أبوشقة ج 3 مرجع سابق ص : 131_ 222.


2007-06-21