عودة السفساري وإرهاصات نهاية مشروع وبداية آخر/ الجزء الأول : من السفساري إلى الحجاب قصة فشل./د.خالد الطراولي


لو سلّمنا بعودة السفساري إلى المشهد العام في تونس كما توحيه بعض الروايات ولمسه بعض المراقبين، ولو خلصنا إلى هذا الحل الذي لجأت إليه بنات تونس كبديل مفروض عليهن ـ رغم أن بعض الشواهد أصبحت تميل إلى أن القضية لم تعد مع الحجاب ولكن مع ألبسة العفة والحشمة والحياء ـ لطُرِحَ تساؤل عجيب وغريب... كيف يكون حال الرئيس التونسي الأسبق لو مازال حيا ورأى السفساري وهو يغزو المركبات الجامعية.. ! لست أدري كيف يكون رده أو تعقيبه لو رأى حفيداته وبناته يلبسن السفساري ويتناثرن في الكليات والمدارس..؟ لست أدري كيف سيقبل بورقيبة وهو صاحب "تحرير المرأة التونسية" و"تمدنها" وهو يرى هذه القطعة، البيضاء في غالبها، تعود من جديد، وهي التي حبست المرأة وساهمت في عزلتها عن مجتمعها حسب رأيه، والتي غابت عن المدن والضواحي ولم تعد تراها إلا نادرا وهي تعانق جسد عجوز أو أطراف فتاة ريفية محرومة من عبق المدينة وتقدمها حيث لم تأت التنمية الريفية إلى عتبة بابها.. ! لست أدري كيف تكون المرارة وكيف سيستسيغ بورقيبة هذه الحالة وهو يرى الإطار الذي من بابه سعى إلى تحريرها من السفساري وهو المدرسة والجامعة، يلتحف من جديد السفساري ويموج بأمواج بيضاء لطيفة؟؟؟
 
 لا يخفى عن الجميع أن بورقيبة كان يحمل مشروعا على خلاف العديد من الرؤساء وأشباه الرؤساء وأنصافهم، ومهما تعارضنا واختلفنا مع الرجل فقد كان ملتزما برؤيا واضحة ذات مرجعية واضحة تجاه مجتمعه كان عمودها الفقري المرأة وما طالب به وشرعه من قوانين من أجل تنزيل تصور خاص لها، كان من بين أطرافه المعبرة والظاهرة نزع السفساري وكل مايحيط بها ويعرقل تقدمها حسب فهمه.
 
كان السفساري رمز الهوية التونسية ولا يزال، ولذلك لم بعاديه بورقيبة أيام الاستقلال معبرا عن تمسكه بحجاب المرأة في مواجهة مشروع الإستعمار في تغريب شعب وسلب هويته. كان الموقف سياسيا ولا شك ولا ينبع من مساندة لمبدئية الحجاب التي تتجاوز ظرفية الزمان أو المكان، فكان موقف بورقيبة ظرفيا ولم تكن مبدئية الحجاب وشرعيته قائمة في فكره ولكنها سياسة، رغم رشدها، يكتبها الواقع بعيدا عن الدين والتدين... فسقط الاستعمار وسقطت معه قضية الهوية وسقط معها السفساري !
 
وكانت التربية والتعليم الوسيلة والإطار اللذين خلص إليهما المشروع البورقيبي قي تحرير المرأة من براثن الشدّ إلى التقاليد والعادات، فكانت المدرسة والجامعة تمثلان الساحة المختارة التي تفاعل فيها المشروع من خلال برامج وخطط، وعبر بناء ثقافة جديدة تناقض ثقافة الأجداد، وتشكيل عقلية أخرى تفكر غربا وتأكل غربا وتمشي غربا وتلبس غربا. فكان تحرير المرأة التونسية في بعض ثناياه وخاصة لباسها يتحرك بالتوازي مع ترك الموروث ويلامس ضرب المنقول.
 
لم يكن السفساري لباسا ليليا أو مطبخيا أو يتوارى في قاعة الجلوس أو في بيت الحمام ! ولم يكن قطعة قماش مرمية في "سقيفة الدار" أو في دهاليز البيت حيث ينعدم النور والهواء ! لم يكن السفساري تقليدا أجوف ينادى به في يوم وليلة ثم يختفي طيلة العام ! ولم يكن بدلة العروس ليلة زفافها، ينتهي بانتهاء الحفل ومغادرة المدعوين فيغادر الإطار ويتلقفه ألبوم الذكريات... !
 
لم يكن السفساري إذا ظرفيا ولا استثناء في الزمان والمكان ولا شبحا يختفي بظهور الأنوار، كان السفساري لباسا خارج المنزل يملأ الشارع ويتناثر في السوق والمطعم والشاطئ، ويؤكد على استحياء أنه تحت الأضواء الكاشفة ويعرض للملأ نمط حياة خارج المنزل ولعله داخله، يعطي في أصله انطباع الحشمة والحياء والهوية التونسية الأصيلة... لذلك كانت تنحيته وإبعاده عن الأنظار، وإخراجه من منطقة الأضواء الكاشفة هدفا استراتيجيا للمشروع، لأنه يوحي بهذا الارتباط نحو عقلية وثقافة لم يعد لها مكان تحت الشمس... ولقد ساعد ولا شك عدم تناسب السفساري مع الحراك الجديد للمرأة في التخلي عن لباسه وإدخاله مخازن الذكريات المجيدة ومناشط الفولكلور.
 
خروج السفساري من الشارع ومغادرته الركح وابتعاده عن السطح وعن الأنظار مثل أول انتصار ملموس ومشاهد للمشروع البورقيبي في مسار تحريره للمرأة، ولعل الصور التي تحفل بها بعض المواقع الكترونية وهي تبث صورة الرئيس السابق وهو يسعى إلى تنحية السفساري عن رؤوس بعض السيدات، شهادة حية على المنزلة الهامة التي أوكلها المشروع لهذا التغييب عن الساحة، وجعل من المدرسة والجامعة الإطار الأساسي لسرمديته.
 
لقد كان السفساري مؤشرا هاما ومباشرا في تتبع خطوات نجاح المشروع البورقيبي لتحرير المرأة فكلما قلّ وجوده وانحصرت صاحباته في العجائز وبنات البوادي، كلما ازدادت نسبة النجاح في التحرر... والعكس يكون كذلك ! ولعل المتابع للمشهد العام في تونس يلاحظ ولا شك انحسار لباس السفساري الذي بقي رمز أيام سالفة وعهود غابرة. غير أن هذا الانسحاب لم يكن مولدا للنقيض على مرّ الأيام، فإذا كانت الأيام الأولى في مسيرة ضمور السفساري أعطت السفور وسقوط اللباس التقليدي والتخلي التام عن التحجب خارج المنزل، فإن سرعان ما عوض الحجاب السفساري بالنسبة للبعض بعد دخول الصحوة الأولى والثانية على الخط نظرا لصعوبته العملية. 
 
أخرج بورقيبة السفساري من الباب فأعادوه من الشباك !
لقد عاد الحجاب إلى المشهد الاجتماعي التونسي في ثلاث محطات أساسية، في الثمانينات وفي التسعينات وفي بداية الألفية الجديدة، وكان رد السلطة في كل هذه المحطات الزمنية يلتقي في الهدف في استبعاده ومواجهته، ويفترق في الوسيلة والآلية لتنفيذ هذا المنع.
 
كانت المواجهة مع الحجاب في الثمانينات "قانونية" بإصدار المنشور الفضيحة 108، فوقعت مقاومة الظاهرة بكل قوة معتمدة إلى قوننة وتشريع، حتى يظهر العمل وكأنه يستند إلى شرعية يجعل كل من يرفضه خارج إطار القانون ومواجها للدولة وضاربا لاستقرار المجتمع وأمن البلاد...
 
وكانت المواجهة في التسعينات عربدة وعنف وترويع، خارج الإطار الإنساني فطالت الأخضر واليابس ولم تقف عند المواجهة السياسية وسعت إلى ضرب الإسلام كدين وشعائر، وكان الحجاب ظاهرة ورمزا وجب محقه من الساحة، فدخل في برنامج واسع لتجفيف منابع التدين وظواهره...
 
أما مواجهة هذه الأيام، فقد دخلت على أطرافها أبعاد جديدة جعلتها تنحو منحى مختلف في مقاومتها... واقع اقتصادي مهتز وفضائح بالجملة ضربت مخيال الناس، نهاية عهد وخلافة سياسية على الأبواب وحسابات كبيرة وصغيرة وتحالفات مشبوهة، مشهد سياسي محتقن وتحركات جريئة للمعارضة، عالم خارجي مضطرب وليس مستعد أن يمضي على بياض...ظاهرة حجاب غير مسيسة وشابة تكتسح كل فصائل المجتمع وجل أطرافه وتصبح عنصرا ملازما للمشهد العام ولا يمكن تفاديه في الصورة.. كل هذه الأبعاد جعلت السلطة تحاول مقاومته عبر إعلان طائفيته وسياسيته وعلاقته بالخارج، وحملة موسعة لمناهضته. وحتى لا تواجه من باب معاداتها لمنظومة القيم والأخلاق التي يحملها الحجاب من حياء وحشمة، وحتى لا توجه إليها تهمة معاداة الدين من شرعية التستر، ولا تلقى نفسها في خانة مواجهة الهوية الوطنية مما يرمز إليه الحجاب من قيم.. كان المنفذ الوحيد لمواجهة "عصرية" "وطنية" "أخلاقية" و "دينية" أن تكون الحملة في رمضان، شهر العبادة والتدين بامتياز، وأن تلوح السلطة بإمكانية العودة إلى اللباس التقليدي وخاصة السفساري...
ـ يتبع ـ

2007-06-21