عودة السفساري وإرهاصات نهاية مشروع وبداية آخر/ الجزء الثاني : الحرية أساس كرامة المرأة ونهوضها./ د.خالد الطراولي


كانت السلطة تدرك أن السفساري وما يتبعه من لباس تقليدي من "ملية" وغيرها لا يستطيع الثبات أمام متطلبات التحرك والتعامل الميداني للمرأة، كانت صعوبته إحدى مؤشرات تواريه عن الساحة فيما قبل، لذلك راهن أصحاب القرار على أنهم يضربون عصفورين بحجر واحد، يتخلصون من الحجاب ومن السفساري، وفي نفس الوقت يظهرون بمظهر المدافع عن الأصالة والهوية والحرية وقيم الحشمة والحياء، والكل تحت غطاء من الورع والتدين الذي يحميه شهر رمضان.
 
لم يتفطن أصحاب القرار، أو لم يكن مندرجا في رهانهم، أن الفتاة التونسية لا تساوم في عفتها وحياءها وهويتها، وأنها لا تساوم أيضا في مرضاة ربها حيث أن بعضها اقتنع أن السبيل إلى رضاءه يمر أيضا عبر لبس الحجاب التزاما وتدينا، فكان دخول بعض الفتيات المركب الجامعي والمدارس والظهور في الطريق وهن يرتدين لباس الجدات رغم صعوبة عمليته.
 
سوف يسجل التاريخ هذه "الردة" الذي ارتكبها العهد الجديد تجاه المشروع البورقيبي في التخلي عن أحد أساسياته تجاه المرأة وهو القبول بعودة السفساري إلى المشهد العام الذي غادره منذ سنين، وليست هذه الردة في الحقيقة خيارا، ولكن مكره أخاك لا بطل، فالعودة القوية للحجاب جعلت المشروع البورقيبي أمام تحدي وجود وحياة، فهو بين نارين، إما ترك الحبل على الغارب والقبول بالحجاب في نسخته الجديدة وما يتبعه من انتشار الوعي الإسلامي، أو العودة إلى السفساري ومن مراهنة على عدم عمليته وبالتالي نهايته، وهي مراهنة اللعب بالنار تجاه المشروع البورقيبي ذاته في "تحرير المرأة".
 
هذه المقايضة بين المشروع البورقيبي لتحرير المرأة ممثلا في انهاء السفساري عبر القبول بإعادته إلى الساحة في مقابل مكسب سياسي ضيق وخاطئ ومستعجل، يمثل في الحقيقة الفارق الضخم بين بورقيبة صاحب المشروع والاستراتيجة وما حل بعده من غياب الرؤية المتكاملة والشاملة والبعيدة للمجتمع التونسي في حاضره ومستقبله حيث غلب الترقيع والتلفيق على البناء والتواصل المبدئي.
 
لكن هذه المقايضة تمثل أيضا اعترافا بسلبيات هذا المشروع نفسه بما حمل في أطرافه من مناهضة الهوية وعدم مراعاة الكثير من منازل التراث الإيجابية، وكذلك بما سعى إليه من وصاية فكرية وعملية استندت إلى أحادية ظالمة وجائرة تعتبر المشروع هو الرؤيا الصائبة الوحيدة لنهوض المرأة وأن كل تصور مخالف لا يصب إلا في إطار رجعي ظلامي يفتك بالمرأة ويعيدها إلى الكهوف.
 
ولقد مثلت هذه الوصاية تكبيلا للمرأة وهيمنة الفكر الأوحد تجاه نهوض المرأة (la Pensée unique) وحملت معها استنقاصا لحريتها واستضعافا لحالها وتهميشا لإدراكها حيث ظلت غير راشدة في خياراتها، خاصة إذا كانت هذه الخيارات مناقضة للمشروع نفسه، وليست مسألة الحجاب إلا نموذجا حيا لهذا التناقض الذي حمله المشروع التحريري للمرأة.
 
 من التحرير إلى الحرية، قصة البديل  
كانت المرأة التونسية ولا شك تعيش عهد الكهوف والظلم البواح، وليست الوحيدة في ذلك فالعالم الإسلامي لم يشهد مظلمة ضربت أطرافه مثلما فعل بالمرأة حيث أدخلها السراديب ومنع عنها الهواء، وأراد الوقوف على رجل واحدة بعدما دفن رجله الأخرى فكان السقوط وكان البوار...وكان المشروع البورقيبي محاولة لنهوضها، حملت الكثير من السلبيات، مع وجود إيجابيات لا يمكن إنكارها ككل اجتهاد بشري، غير أن أكبر هذه السلبيات ولاشك تبرز في هذه الوصاية المسترسلة من أب حنون على جنس ضعيف واعتبار المرأة كائنا ملازما لعدم الرشد يتطلب دائما هذا الغطاء وهذه الرعاية المغشوشة التي تجعلها دائما عنصرا قاصرا لا يستطيع الطيران منفردا بجناحيه، لذلك لما أرادت الخروج عن بيت الطاعة، عبر إعلان خيار مغاير للمسموح، بتغيير ماهية لباسها، وقعت في المحظور، ورفض المشروع قبول هذا التمرد. وكما قلت في مقال سابق [1] فإن شرعية النظام نفسه من شرعية هذا السكون والقبول وكأن ميثاقا غليظا وقع نسجه بين بقاء السلطة وبين بقاء المرأة داخل بيت الطاعة، فخروجها هو خروج الشرعية وبقاء السلطة في الهواء الطلق دون غطاء.
 
لا تدعي هذه الورقة المتواضعة الإتيان على نواقص المشروع البورقيبي للنهوض بالمرأة ولا التعرض لإيجابياته، فهو من مشمولات بحوث أكثر عمقا ودراسة، غير أننا أردنا التلويح فقط بأن المشروع قد حمل في ذاته مكونا أساسيا لاهتزازه وهو غياب عنصر الحرية، حيث لم يسمح ببديل سواه، ولا يعطي المرأة كل الحرية في اختياراتها. لعل البعض سوف يهتز لهذه المقولة وهو يرى ما وصلت إليه المرأة التونسية من نهوض وتعلم وتطور ومن حقوق، وهي حقيقة لا يجب إنكارها غير أننا أردنا التركيز على أن جانب الحرية الذي هو أحد الحقوق الأساسية للإنسان دون تمييز لجنسه، بقي ضعيفا أو مشلولا أو مسموحا به فقط داخل بوتقة المشروع وتوجهاته وتصوراته. فالحرية إن وجدت تبقى حبيسة المشروع ولا يمكن أن تكون خارج إطاره. مما يجعل أي بناء مستقبلي وأي تصور جديد لنهوض المرأة يبقى قاصرا إذا لم ينطلق أساسا من قيمة الحرية التي تمثل حقيقة أساس كرامتها، هذه القيمة المهمشة أو الضيقة في المشروع البورقيبي، وذلك لتوسعتها وإعطائها بعدا أكثر التصاقا بحقيقة المرأة ككائن كامل لا يحمل نقصان عقل ولا طفولة فكر، له كل أوصاف الرشاد، له خياراته التي تنبع من كونه إنسانا مسئولا وليس أنثى قاصرة.
 
إن البديل الذي يرنو إليه تصورنا للمرأة ونهوضها، ينطلق أساسا من قيمة الحرية التي استُضعِفت،  فارتجّت كرامة المرأة لما تقلص خيارها، وارتج معه كيان المجتمع لفقدانها، ولكنه لا يخل من اعتبار أن المشروع البورقيبي للنهوض بالمرأة لا يحمل سلبيات فقط ولكن يحمل ككل المشاريع البشرية نصيبا من السلامة التي يجب الشد عليها بالنواجذ، والاستفادة منها إيجابيا، وأخرى أقل إيجابا يجب تقويمها وتطويرها وتحديثها نحو أطر أكثر فقها للواقع وتناسبا للمرأة الإنسان وملائمة للمجتمع. و البديل الذي نؤمن به والذي نجتهد لطرحه يسعى لحمل هذه الأبعاد التي تحوم أساسا حول محور أصيل من تكريم للمرأة وإعلاء إنسانيتها واستواء مواطنتها... ولا تخلو المرجعية الإسلامية من هذه القراءة الإنسانية للمرأة ومن خطاب وسطي ومعتدل، يدعو إلى تحريرها ونهوضها وضمان كرامتها، حيث تبرز المرأة الإنسان، المرأة المواطنة، وتختفي المرأة الأنثى... وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً / الإسراء 70.
إن هذه القيمة المقدسة التي تمثل أساس بناء هذه العلاقة بين المرأة ومجتمعها والتي تثبت مواطنتها كاملة دون غش ولا افتراء، لم يكن تغييبها في المشروع البورقيبي لنهوضها فكرا وممارسة إلا نتيجة لفلسفة حكم وعلاقة حاكم بشعبه، حيث غابت الحرية في مشروع الحكم، فكان الحزب الواحد والزعيم الواحد والفكر الواحد والرأي الواحد، ولا يزال، ولم يتميز رجل عن امرأة في فقدانه للحرية كأحد عناصر المواطنة السليمة، ولذلك فإن أي بناء لمشروع نهوض وتحرير للمرأة إذا لم يوجد الإطار السليم لنشوئه وتفعيله، من حرية وكرامة للجميع، لا يمكن إلا أن بفرز تناقضات جوهرية ولا يعود إلا سلبا على مواطنتها ولو بعد حين. فالحرية عنوان الكرامة، وشعار إنسانية الفرد وأساس المواطنة الحقة سواء رفعته يد خشنة أو ناعمة.
ـ انتهى ـ

(1) خالد الطراولي :  إمرأتنا والسلطة وفقدان الشرعية/ رسالة اللقاء رقم 12 . مواقع تونس نيوز والحوار نت و اللقاء

2007-06-21