الصحوة والسياسة : الحجاب ليس مظاهرة سياسية ولا زيا طائفيا / الجزء الأول/ د.خالد الطراولي


حذار من الوقوع في فخ السلطة مجددا :
عندما انطلقت الصحوة الأولى في الثمانينات كان الطرح السياسي متزامنا لها وعنصرا تداخل زمنيا مع تواجد الحركة الإسلامية. فكان وجود الحركة ذاته عند البعض ثمرة مباركة من ثمار الصحوة وإحدى نتائجها عندما ولجت تجليا من تجليات التضاهرة الإنسانية في بعدها السياسي، فالصحوة من هذا المنطلق وفي أبسط تعريفاتها هي العودة إلى التدين في أبعاده المتنوعة والذي يمثل الشعائري والطقوسي والاقتصادي والسياسي أطرافها المتعددة.
كانت الحركة الإسلامية (1) إذا ثمرة من ناحية ولكنها كانت أيضا دافعا للصحوة وحامية لها ومشجعة لتناميها. فكانت العلاقة معقدة نسبيا بين الحركة والصحوة الأولى، حيث التقى الطرفان وترعرع المنتمون لهما في نفس الإطار، فكان الاختلاط عفويا في الخطاب و بين حامليه، فرضه واقع متعطش لأي داعية للتدين من جهة، والرشد النسبي للحركة وفقهها القاصر للمرحلة، وعدم اكتشافها أنها تمشي على رمال متحركة وثنايا ملغمة ! فكان خطيب المسجد وهو يدعو لدينه ويستميل الناس إلى عبادة ربهم، يسعى بوعي أو بغير وعي إلى الدعوة لمشروعه السياسي، فكان داعيا ربانيا وسياسيا وطنيا !
ولعل في تداخل السياسي بالديني في المفهوم الإسلامي للدين ساهم في عدم تميز خطاب الصحوة الأولى عن الحركة الإسلامية و في عدم وجود رجال مستقلين يحملون خطابها إلا ما ندر. كانت طبيعة هذه المهمة تجعلها أقرب إلى حملها من طرف علماء البلاد وخاصة من قبل أئمة المساجد والدعاة وخريجي جامع الزيتونة، لكن العلاقة بين الحركة الإسلامية وهذه الأطراف قد شابها بعض مناطق الظل من تهميش عند البعض أو لا مبالاة أو استخفاف أو توجس... ورغم وجود جماعة الدعوة والتبليغ والصوفية بنسب أقل في تحمّل هذا الدور الحاضن، فإن رجال الصحوة الغالبين في البروز كانوا أعضاء منتمين. وهكذا كان هذا الخلط القاتل وعدم التميز الخطير بين الظاهرتين دافعا ومبررا للفتك بالاثنين...
خسرت الحركة وخسرت الصحوة، ومن استئصال حركة سياسية تواجه سلطة قائمة بمشروع سياسي مدني، انتقلت العدوى إلى حركة استئصال لمنابع التدين في البلاد، ونزل على البلاد ستار من حديد، جمّد كل صوت سياسي يدعو إلى حرية الكلمة من منطلق ديني، أو صوت ملائكي يدعو إلى حرية التدين من منطلق روحي عبادي طقوسي خالص.

حتى لا تتكرر المأساة...
استغلت السلطة "بكفاءة عالية" هذا التداخل بين الصحوة الأولى والحركة السياسية فخمّدت الاثنتين، ولقد مرّت على تونس أيام كلها سواد كانت تحية "السلام عليكم" مجلبة لعديد المتاعب والتوجس ! أُغلقت أبواب الأرض وانحبس المد الإسلامي وغابت كل مظاهره وكاد ينعدم الحجاب، وتقلصت اللحي إلا من شيخ عجوز عجز عن دفع ثمن الحلاق أو رفضت أصابعه المرتعشة مواجهة تنامي الشعيرات ! أو من امرأة مسنة يعبث الريح بسفساري تصر على ارتدائه رغم العواصف والصواعق !
كانت أياما سوداء أغلقت الأرض أبوابها واجتمع على أطراف البلاد أناس غلاظ شداد يحرسونها، 130 ألفا شرطي " ورجل أمن"... وظنت السلطة أن المواجهة قد انتهت وأن الذئب قد خلى بالقطيع... لكن الأيام لم تقل كلمتها الأخيرة وكان المستقبل بالمرصاد... " أطلق التونسي والتونسية أبصارهم إلى السماء وهم يبحثون عن إرواء عطش روحي مفقود، وتعطش لهوية ضائعة... وجاء المدد من وراء السحاب فكانت الفضائيات وكانت صحوة "الأطباق" وكانت الصحوة الثانية...
كانت عودة كبيرة ومتعاظمة مع الأيام، ملأت الشوارع والأسواق ودخلت المؤسسات التعليمية والإدارات والمصانع واستوطنت البيوت والغرف ! وغابت الحركة الإسلامية اضطرارا عن منازل الفعل المباشر وزُجّ بأبنائها في السجون والمعتقلات ودفع بالآلاف خارج حدود الوطن، فشردت أسر بأكملها وشهدت تونس أكبر مظلمة في تاريخها المعاصر طالت جانبا مهما من مواطنيها، مظلمة تجعل الحليم حيران... قصص وروايات تلامس الأساطير وعايشت الأدغال والأوحال والظلام والقضبان، وستُكتب يوما لا نخاله إلا قريبا بماء من ذهب لتترك للأجيال القادمة عربون وفاء وتضحية من رجال صادقين ونساء صابرات تجاه هذا الوطن الجريح، وكشهادة للتاريخ حول جريمة سوداء قاتمة لا نور فيها ولا قبس تجاه نفس الوطن !
غابت الحركة الإسلامية لكن آثارها البعيدة لم تندثر، وتحت غطاء صولة الجلاد وأنين المسجونين وتأوهات المعذبين وعذابات المظلومين وحنين المشرديين ودموع الحيارى والمكلومين، وفي جنائز بدون رفيق ومواكب دفن بحضور البوليس، تركت الحركة الإسلامية وهي تطوي نهاية مرحلة بصمات لا نخالها إلا باقية.
كانت الصحوة الثانية روحية خالصة، عبادية خالصة تنشد التدين في مظاهره البسيطة من صلاة وارتياد المسجد وصوم إثنين وخميس وحج بيت ولبس حجاب أو قميص وإطلاق لحي. غابت السياسة عن موقع الحدث وكان الحدث دينيا خالصا يحمل خطاب تدين وشعائر وطقوس(2)...
ـ يتبــــع ـ

(1) رغم أني لا أحب هذا المصطلح وأفضل عليه مصطلح "الحركة السياسية ذات المرجعية الإسلامية"، فإني أستعمله لرواجه وسهولة فهمه عند القارئ.
(2) أنظر بأكثر تفاصيل كتابنا "إشراقات تونسية، الديمقراطية ورحلة الشتاء والصيف" الطبعة الأولى. مركز الحضارة العربية. القاهرة 2006 ص : 187 وما بعدها.

2007-06-21