الصحوة والسياسة : الحجاب ليس مظاهرة سياسية ولا زيا طائفيا / الجزء الثاني/ د.خالد الطراولي


السلطة والعودة إلى سنوات الجمر
لم تغب الحملة على الحجاب ومظاهر التدين عن المشهد العام ولكنها كانت تصول وتجول في أطراف البلاد بأحداث قليلة ولكنها موجودة، يدعمها سوط "قانوني" مسلط على الرقاب منذ ثلاثة عقود، فكان منشور 108 الأداة المثلى لتذكير القاصي والداني أننا في دولة قانون، نبطش باسمه ونجلد تحت غطائه ونميت الحرية في ظل سنامه ! لم تكن الحملة الجديدة إلا تضخما في الكم والكيف ولكن المبدأ والمنهج لم يغبا عن الصورة !
 دخلت السلطة المشهد بعنف وأرادت ضرب الصحوة من جديد، والأسباب وراء هذا التصعيد عديدة، فحسب البعض فإن معركة الخلافة قد بدأت وبدأ معها مسلسل تحديد المواقع والأحلاف، بين صديق وعدو، وما يتبعه من ضحايا ومهمشين، ومن تقديم صكوك براءة وتفاني وحزم تجاه الظاهرة الإسلامية لأصحاب القرار وراء الحدود، وحسب البعض الآخر فإن تضخم الظاهرة الإسلامية لن يكون بمعزل عن تفاقم الحس الإسلامي لدى المواطنين وما يتبعه من تقارب وتداخل مع الإسلام السياسي الذي سوف يكون الجاني لثمرة أينعت خارج بستانه والرابح الوحيد من تنامي الظاهرة، حيث يجد لديها مخزنا لا ينبض للمنتمين إلى مشروعه.
 إن جلب المواجهة إلى الحلبة السياسية وإلصاق الطابع السياسي بالظاهرة هي إعادة لسيناريو قديم نجحت فيه السلطة كما بيّنا سابقا، غير أن هذه المرة، وما كل مرة تسلم الجرة، اختلف الوضع، فالحركة الإسلامية مغيبة، والظاهرة استفحلت وضربت جذورها في بيوت من قصدير وقصور من إسمنت، لم تحملها جهة ولم تقتصر على مدينة أو قرية، وكان البعد الديني الخالص واضحا لدى أصحابها فكان التدين هو الغالب على أمرها ظاهرا وباطنا، حتى أن أغلب المتحجبات المراهقات وُلِدن بعد الصحوة الأولى، وأغلبهن لا يعرفن حتى قيادات ورواد الحركة الإسلامية !
فالحديث عن اللباس الطائفي، والتركيز على البعد السياسي مجددا هي المنهجية التي تعيدها السلطة مع بهارات جديدة، كالتركيز على البضاعة المستوردة للحجاب وعدم تأصلها ولعل أيضا عدم وطنيتها وكأن ما نحمله من لباس كان من حياكة الأجداد، ولو طبقنا هذا المنطق لنزعنا عن جلّ التونسيين ألبستهم ودفعناهم عراة في الطريق العام ! أو محاولة التلويح بمستلزمات الإرهاب واستغلال الوضع العالمي الضاغط في هذه الناحية، حتى يدخل التوجس والخوف والريبة كل بيت وأسرة ويعم السواد...

 المعارضة والوقوع في الفخ والإضرار بالصحوة
لعلنا نفهم هذا السيناريو الجديد القديم للسلطة في إلحاق "تهمة" البعد السياسي للصحوة، حتى تتمكن من ضربها تحت مرمى ومسمع من سكان البيت وأبناء الجيران، لكننا لم نفهم دعوة بعض أطراف المعارضة إلى اعتبار ما يجري من أحداث حول التضييق للصحوة هو مظاهرة سياسية، لأننا نرى أن هذا ما تريده السلطة وهو الفخ الذي وضعته والذي لا نريد الوقوع فيه مجددا.
 ليست الصحوة مظاهرة سياسية ونقولها بكل قوة الأمين وصراحة الأخ والصديق ونرفع من أجلها عقيرتنا عاليا وندعو كل أطراف المعارضة على تأكيد ذلك وعدم المساهمة بوعي أو بغير وعي في إلحاق الضرر بأخواتنا واخواننا، طالبين كل المعارضة إلى الوقوف بجانبها ومساندتها بالكلمة المتزنة والموقف المسؤول والممارسة السلمية الحضارية، وحتى لا تقرأ أفعال البعض وتدخلاتهم وأطروحاتهم على أنها توظيف للصحوة من أجل مواقف سياسية وتسجيل أهداف والنار تشتعل على الأطراف. ولقد سبق لي منذ أكثر من خمس سنوات وفي ظل تقييم ومراجعة لهذا العلاقة بين الصحوة والحركة(1)، إلى تنبيه الحركة الإسلامية إلى هذه الأخطاء التي وقعت في تداخل الظاهرة مع الحركة وما جرته من استئصال للطرفين، واليوم كالبارحة، وإذا يبدو أن الحركة الإسلامية بتعدديتها الجديدة ممثلة في حركة النهضة واللقاء الإصلاحي الديمقراطي، قد استوعبت الدرس وبرّأت نفسها من كل تأثير مباشر للظاهرة حيث أنها كانت ولا تزال مغيبة على الساحة، فإن المعارضة "العلمانية" (2) في بعض ممثليها تبدو مصرة على إعادة هذا التداخل إلى المشهد باعتبار الصحوة مظاهرة سياسية ليس لها ارتباط بالدين وإنما هي مواجهة ومقاومة للإستبداد.

في هذه المحطة الحساسة من التحليل وهذه المرحلة الخطيرة التي تعصف بجزء كبير من المواطنين والمواطنات يجب التأكيد على النقاط التالية والتمييز بين ثلاثة مواقف حاسمة وضرورية في التعامل بين الصحوة ومحيطها :
1/ المساندة الضرورية للصحوة وأسبابها ودوافعها، من حقوق وحريات وتدين وهوية وأخلاق وقيم.
2/ استغلال حالة يقظة روحية عبادية وهي تواجه سياسة ترويع ومواجهة، والرمي بها بين مخالب الاستبداد والاستئصال، فتخسر الصحوة و لا تربح أي حركة تغيير مهما كان لونها.
 
3/ استثمار حالة الوعي بشروط ومنهجية ومحطات، لا تحرق المراحل ولا تبني على ردات الفعل وبكل هدوء حتى تتم نقلة حضارية بين صحوة دينية في أساسها، نحو توجهين :
إما أن تقتصر الصحوة على ذاتها وتتنزل في ممارسة واعية وراشدة لا ينحبس مدرارها فقط في جانب شعائري، ليصبح منهجا اجتماعيا هادئا وصاعدا للتغيير تقع مصاحبته وترشيده.
وإما أن تتفاعل الصحوة مع كل الظاهرة الإنسانية وخاصة في بعدها السياسي، ومصاحبتها إلى يقظة جماهيرية، وبلورتها إلى عصيان مدني وانتفاضة شعبية. ونحن نرى أن أوانها ومقومات نجاحها وشروط صحتها لم يحنوا بعد.
ـ يتبــــع ـ

(1) انظر في ذلك مثلا مقالنا "قراءة في العلاقة بين الاسلام السياسي وظاهرة التدين الاجتماعي" صحيفة القدس العربي 17 ديسمبر 2002. ومجلة مرايــا خريف 2002.
(2) لا يحمل هذا المصطلح أي بعد سلبي وما عنيناه بالمعارضة العلمانية هي الأحزاب وأصحاب الأطروحات التي تحصر الدين في الدائرة الخاصة أو أقل ولا تعتبره مرجعية في العمل السياسي المدني. ومن هذا تعريف الدكتور منصف المرزوقي أخيرا " نحن العلمانيون..." ليبراسيون الخميس 19 أكتوبر 2006

2007-06-21