الصحوة والسياسة : الحجاب ليس مظاهرة سياسية ولا زيا طائفيا / الجزء الثالث/ د.خالد الطراولي


الموقف الحاسم الأول في العلاقة بين الصحوة ومحيطها : دعم ومساندة بكل ألوان الطيف
*/ أن يكون الداعي إلى المساندة لهذا الطرف الوطني المظلوم هي مساندة حق الحرية وحق العبادة وحرية الرأي وحرية اختيار الملبس، فهذا مقبول ويشجع، فالحرية كل لا يتجزأ وذو أبعاد متعددة.
*/ أن يكون الدافع للمساندة سياسيا من منطلق حرية الكلمة وحرية الرأي، واختلاف الأطروحات والتصورات، فهذا لا غبار عليه فالسياسة خدمة الوطن والسعي إلى إسعاد مواطنيه دون تمييز أو إقصاء.
*/ أن يكون الدافع جنسيا من باب مساندة المرأة لأختها المرأة والسعي إلى كسب حقوقها، هذا الكائن المظلوم والمهضومة حقوقه، والذي يمثل الحجاب إحدى مظاهر الاعتداء على حق الخيار، إذا كان الدافع كذلك، فهو مقبول ومحمود، جاءت به إسلاميات أو علمانيات، فلا ضير، فالمرأة للمرأة سند في ترحالها وقرارها.
*/ أن يكون الداعي لمساندة الصحوة أخلاقيا، سواء كانت أخلاقا ذات مرجعية إسلامية أو علمانية، تدعو إلى الحشمة والحياء، وتثمّن منظومة القيم، سواء رفعها شيخ زيتوني متعمّم، أو عجوز قابعة في ركن بيتها تعدد كويرات مسبحتها، أو أستاذ يحمل قبعة ولباسا إفرنجيا ثمينا. أن يكون هذا كذلك فهو مقبول ومشجع، فالأخلاق مبادئ وثوابت تتجاوز منطق الانتماء. والحياء شعب من شعب الإيمان وطريق من طرق الكرامة.
*/ أن يكون الدافع لمساندة الصحوة التعبير عن هوية ضائعة أو مبتورة أو أصالة مغشوشة أو مشوهة غلب عليها الفولكلور والمشاهد المضحكة، فهذا مقبول ومحمود، فتونس كانت ولا تزال عربية الثقافة، عربية الهوية، عربية المصير.

الموقف الحاسم الثاني في العلاقة بين الصحوة ومحيطها : الغطاء السياسي والخطأ القاتل
لكن وفي مقابل هذه الدوافع الشرعية والواجبة لمساندة الصحوة و الوقوف إلى جانبها في هذه المحنة الجديدة، يظهر الحديث عن مظاهرة سياسية وسحب البعد الديني عن الظاهرة كتوظيف واستثمار متسرع للصحوة، حيث لا تحمل هذه الأخيرة في كيانها اللحظي والآني هذا البعد التغييري المنشود و لا تبدو أنها تسعى لتكون رأس حربة المقاومة السلمية المرجوة، ولا أن تكون في هذه المحطة الأولية رائدة الدفاع عن الهمّ العام.
إن هذه المحطة لا تزال سابقة لأوانها وينعكس مدى تطورها إلى تطور ودخول عناصر أخرى في المشهد العام. ولا يجب بأي حال خوض هذه التجربة والمجازفة بمشروع وأمل و بمواطنين ووطن.
نعم نتفهم حالة هشاشة الأمل والإحباط وحتى اليأس الذي بدأ يخيط نسيجه عند البعض وهو يرى حالة الصمت والانسحاب لدى طرف كبير من الجماهير، نعم نتفهم أن أيام الاستبداد وليايه السوداء قد طالت وأن أياديه المشبوهة قد ساحت في الأرض فسادا، نعم نتفهم أن السيل وصل الربى وأننا أصبحنا كالغرقى نتعلق بأي عود نجاة ونشد على كل بصيص أمل..، نعم نتفهم كل ذلك..، لكن لا يمكن المراهنة على ظاهرة تؤكد الأيام تموقعها داخل الإطار الديني الخالص، وهي في بداية طريق وعرة مليئة بالأشواك، لا يمكن ليّ عنق ظاهرة ورمي رداء سياسي عليها وجذبها إلى منطقة وإطار حساس غير مكتمل ينقصه البرنامج والزعيم المتفق عليه والتعاضد والتكافل. لا يمكن أن نطلب من الصحوة ان تلعب دورا لم تهيأ له ولا تكنه إطاره وخطابه ورجاله وآلية تفاعله، لا يمكن أن ندفعها أن تلعب دور المعارضة حتى نخفي فشلنا وترددنا وعدم وضوح البدائل المطروحة لدينا في حال وجودها.
ولكن التساؤل الذي يفرض نفسه كيف يمكن إذا استثمار هذه الحالة دون توظيفها والإطاحة بها؟

الموقف الحاسم الثالث في العلاقة بين الصحوة ومحيطها : التغيير بين الاستفزاز والمراكمة.
إن الخطأ الذي وقع فيه البعض هو الخلط عن وعي أو بغير وعي بين تشخيص الظاهرة وفهم إطارها وآليتها، وبين إمكانية استثمار هذا البعد وهذا الإطار نحو منازل وأطر أخرى غير التي انطلقت منها الظاهرة.
لم تكن الصحوة مظاهرة سياسية ولكن حالة تدين شعائري وهذا تشخيصها، ولكنها يمكن أن تكون نواة مستقبلية لعمل جماهيري تغييري واسع ـ وهذا استثمارها ـ إذا روعيت عديد الشروط :
(1) عدم توظيفها واستدراجها نحو منازل ومحطات لم تتهيأ لها ولم تستعد لخوضها
(2) مواكبة تطورها وترشيدها بالكلمة الطيبة والقدوة الحسنة والمنطق السليم والمنهج السويّ.
(3) عدم حرق المراحل وخلط الخطاب الحركي بخطاب الصحوة، وأصحابها برجال الصحوة.
(4) الدفع بوجود وبروز رواد لهذه الصحوة يتكلمون باسمها ويدافعون عنها، وهي مهمة نرى أنها يجب أن تترك للأئمة المساجد وعلماء البلاد.
من هذا المنطلق فإن خطي تغيير متباينان يمكن أن يبرزا للسطح ويمثلان إمكانية قوية لتغيير المجتمع :

الخط الأول :
قافلة الصحوة تسير مستقلة من مواقع الشعائر والتدين الفردي إلى البحث مستقبلا عن مواقع عبادية أخرى تراها واجبة في سلوكها الاجتماعي... فهي بعدما عبدت ربها شعيرة وطقوسا وظهر ذلك في حجابها وارتيادها للمساجد، فإن الصحوة ستبحث في محطة لاحقة عن عبادة ربها اجتماعا في أحوالها الشخصية، ثم اقتصادا في البحث عن حلية أعمالها، ثم سياسة فيمن يحكمها ويسوسها. وهي محطات متعاقبة ويمكن أن تطول أو تقصر حسب معطيات الواقع واستجاباته، وقوة الصحوة كما وكيفا ومدى درجة وعيها. وفي هذه المرحلة سوف تبحث الصحوة عمن يمثلها ويسعى إلى الاستجابة لمطالبها، وهي المحطة الوحيدة التي يمكن أن يحدث فيها لقاء بين الصحوة والحركات السياسة، حيث تفقد الصحوة استقلالها وتترك إطارها وتصبح حركة جماهيرية.
فالتدين يمثل مسارا جماعيا واجتماعيا صاعدا، يؤثر فيه الفرد ويتأثر، ينتقل من الجزئي إلى الكلي، ومن البسيط إلى المعقّد، يجمع أوساطا وطبقات، ليس فيه تميّز لفرد على آخر، ولا غلبة مجموعة على أخرى. وهو يشكل منهجا تغييريا هادئا للمجتمع، ينطلق من الأسفل نحو الأعلى، ومن الفرد نحو الجماعة، ومن الجماعة إلى المجموعة، وهو بالتالي حركة مجتمع وليس قفزات فرقة أو طائفة، لا يمكن محاصرتها ويصعب استئصالها !
عندها يتحول التدين الشعائري إلى تدين تعاملي يمس الظاهرة الإنسانية في كل مستوياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لينتقل التدين من خلاص للفرد إلى مشروع حضاري يمثل التزام الفرد نحو مجتمعه التزاما كاملا يتعدى الزمان والمكان، لا يحصره مسجد ولا يقتصر على ميقات وموعد، ليتنزل في نشر دعوة طيبة أو دعم مؤسسة خيرية أو إتقان عمل أو تربية أطفال، أو تبليغ معلومة صائبة أو انتصاب شعبي ضد الفساد واستفاقة جماهيرية ضد الاستبداد.

الخط الثاني :
لا ُتترَك الصحوة وحالها، ويحيط بها الاستفزاز والإثارة، فتهاجم وتجد نفسها في موقع وخلخلة لمسارها وتصفية لوجودها، فتسعى إلى التشبث بالبقاء عبر الصمود والاستبسال والصبر والمصابرة والثبات. ويمكن لهذه الحالة أن تحدث نقلة جديدة وأن يحدث تغيير نوعي لدى الصحوة واستباق لمحطاتها وتحول إلى حركة جماهيرية وانتفاضة شعبية، إذا روعيت شروط لا نراها متوفرة اليوم، وهو الذي دعانا إلى عدم المراهنة على هذا الخط في هذه الأحوال المحيطة إلا إذا توفرت شروطه كاملة وسليمة :
(1) وجود صحوة متناغمة لها خطاب متناسق ورواد يمثلونها ويعتبرون مرشدين لها داخل البلاد، تستفتيهم حين تضل وتعود إليهم حين تنكسر.
(2) وجود مساندة جماهيرية قوية خارج أطر الصحوة، تعاضدها في محنتها ولها باع وصولة ولو ضعيف في الشارع.
(3) وجود معارضة متحدة تحمل برنامج حكم واضح المعالم والأهداف، بعيدا عن الاستفراد والعمل المنعزل.
(4) وجود الزعيم الكارزماتي الذي يحمل هموم الصحوة وهموم الشعب، والذي تلتقي عليه الجماهير والمعارضة والصحوة.
فتكون الصحوة في هذا الخط مساندا أساسيا لحالة توقد جماهيري وبداية استفاقة شعبية تمثلها درجة وعي متقدم من قبل المعارضة وزعمائها ورموزها، وتململ جماهيري تمثله حالة المساندة الشعبية لمحنة الصحوة.
وإذا لم تتوفر هذه الشروط فإن أي مراهنة على هذا الخط هو مراهنة على فراغ والمساهمة بوعي أو بغير وعي في ضرب الصحوة مجددا وفقدان عنصر هام لتغيير المجتمع ولو بعد حين من الدهر يمكن أن يكون طويلا.
وهي الشروط نفسها أو ما يقاربها التي افتقدتها الصحوة الأولى في التسعينات والتي أدت إلى استئصالها وضرب كل نفس تديني في البلاد، فقد غابت الجماهير عن الحدث اضطرارا أو اختيارا، وغابت المعارضة مكرهة أو شماتة ومساندة لقوى الظلام، ولم تجد الصحوة رجالها الذي يدافعون عنها ولا رموزا لها، ولم تعرف البلاد الرمز المعارض الكارزمي الذي يمكن أن يحمل هموم الصحوة وهموم الشعب في هذه الحالة الجائرة المفروضة على الصحوة.
إن بناء الصحوة الفاعلة خارج إطارها الطقوسي، هو بناء للمعارضة قبل كل شيء وبناء وعي جماهيري، فلا يجب خلط المحطات وقلب الأولويات، و إلاّ فإن المسار سيكون غير ممنهج ويرتبط أساسا بردود فعل وحدوث أوضاع أخرى، تغير كل المفاهيم والأدوار، وتخرج عن عاتق الصحوة والمعارضة وحتى الجماهير، وتدخل بنا في غيابات المجهول الذي يتحدد بعيدا عنا، لأننا لا نمسك بأي خيط من لعبة يمكن أن تتجاوزنا.

الخاتمـــــة
ليست الصحوة ملكا لأحد ولكنها ملك وطن وشعب، منهما انطلقت وفي أحضانهما ترعرعت وإليهما تعود وتستقر... ولعل الصحوة التي  تشهدها المجتمعات الإسلامية عامة وتونس خاصة تعتبر تجديدا لأولويات التغيير، وتحديثا للفقه الحركي، حيث أعيد الاعتبار للذات الإنسانية وللتغيير النفسي والثقافي، بعد اهتزاز التغيير السلطاني وما شابه من غلو عند البعض ومن فشل نسبي عند البعض الآخر.. وهو إعادة لدور الأمة في الإمساك بدور التغيير وتأكيد دورها في عملية النهوض، حتى يبقى " التدين الحق تميّزا في الأداء، وهمّة في التحصيل، وعفّة في اللسان، ومحبّة للخلق، ونفعا للناس".(1) وكذلك تغييرا إيجابيا للمجتمع في أطر أكبر وأوسع، من اقتصاد واجتماع وسياسة.
ـ انتهـــــى ـ

(1) فهمي هويدي "التدين المغشوش" دار الشروق طبعة أولى 1994. ص : 41.

2007-06-21