إليك سيدتي تعظيم سلام./ د.خالد الطراولي


قيل عنك زورا وافتراء "شاورها وخالف عليها"، قيل عنك في أروقة الماضي المظلم أنك لا روح لك ولا ضمير... مكانك الدهاليز الملتوية والغرف المظلمة والبقاع الضيقة، لا صوت لك، فصوتك عورة، ولا رأي لك فأنت جسد وبضاعة... ظلمك التاريخ فاستبعدك، وجار عليك الحاضر فهمشك واعتدى على قرارك، لم تخرجي عند البعض من متعة نظر وملمس، ومن قطعة تضاف لتحسين المشهد...لم تبلغي الرشد عند البعض فنازعوك حقك في الخيار.. نسوا وهم يرتّبون أحوالهم وحساباتهم الضيقة والموسّعة أن "النساء شقائق الرجال" وأن " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها " نسوا أن المجتمع الأعرج مجتمع مهزوم لا يتقدم، مجتمع راسب لا يتحرك، وإن تحرك يوما فهو يترنح يمينا وشِمالا حتى يسقط، همه الاستواء أكثر منه التقدم...
سيدتي بكل حياء العذراء أحدثك... أزعجوك في تونس فاعتدوا على حقك في الملبس، حقك في عبادة ربك، حقك في احترام هويتك، حقك في حريتك، فرفضت الاستكانة ومغادرة الركح، أرغموك ظلما وعدوانا على الالتزام سلبا على أوراق لا تحمل أي بذرة من حياء، ضد الهوية والشعيرة والحرية، أرادو منك أن تغربي عن الوجوه، أن تغادري المشهد، أن تلتحقي ببيتك وتغلقي باب حجرتك وتتدثري بالظلمة من جديد، أرادوا إعادتك إلى مستنقع عهد الجواري والعبيد، بعيدا عن ديار العلم والعمل والفعل والتفاعل...جعلوا صوتك عورة، كصوت الرجال المقموع، فلا تتكلمي... وقنّنوا رأيك عورة، كرأي الرجال المنبوذ، فلا تبديه... ودوّنوا خيارك عورة، كخيار الرجال المرفوض، فلا تعلنيه... وجعلوا حريتك عورة، كحرية الرجال المفقودة، فلا تأملي وتحلمي...
رفضتِ الانسحاب، رفضتِ القبول بالإذلال وبالهزيمة، فلبستِ السفساري رغم صعوبته ومشاقه في تعاملك اليومي وفي دراستك، وأعلنتِ الوقوف في موقف قلّ فيه الواقفون... قلتِ للظلم : نحن هنا ولن نغادر الصورة، فالصورة نحن بنيناها بأيد وإنا باقون، جعلناها صورة حالمة آملة متنوعة ذات ألوان، تظهر للجميع أننا بنات تونس الوفيات، بنات تونس الصابرات والثابتات...
وغير بعيد...، من أرض بلاد العماليق، من بيت المقدس وأكناف بيت المقدس تطلع علينا نساء عاليات الهمة، ربّين أجيالا على حب الوطن وتحمّلن الجوع والتجويع من أجل أن تستمرّ القضية ولا يشوبها الملل...نساء محجبات يغادرن منازلهن تحت الرصاص ويهرولن تحت الرصاص نحو مسجد محاصر من جيوش مدججة بالسلاح، اعتصم داخله رجال صامدون... لم يخشين إلا لله، والرصاص يلف من حولهن، والموت يترصد بهن ولا يسأل عن جنس الضحية، لم يتقاعسن عن نداء الضمير ونداء الوطن، وأنقذن فلذات الأكباد وأرباب البيوت في انتظار إنقاذ الوطن... استشهدت اثنتان وجرحت وفزعت البقية، ولكن الابن عاد والأخ عاد والزوج عاد ولم تذهب القضية... لقاء عجيب يتجدد من تونس إلى فلسطين بين محراب وحرية وحجاب...
دروس المرأة المسلمة في ديارنا ليست وليدة ردات الفعل والعواطف ولا من اكتشافات الحاضر بل هي رسائل دائمة ومسترسلة تنبع من تاريخ بعيد غير أنه وقع تهميشها، رسائل تحمل قصة أوطان جريحة، أوطان مختطفة، عربد عليها عدو ظالم أو ابن وطن جائر... رسائل تحمل عنوانا كبيرا وقع طمسه : "نحن المرأة الإنسان" رسائل تحمل حروفا كُتبت من ذهب... " نحن هنا في تونس، في فلسطين، في بلاد العرب، في بلاد الله الواسعة... لن نبخل عن الأمة بذواتنا، سنستمر نبراسا ونموذجا لشعوب مقهورة وأوطان مسلوبة... سنستمر حرائر، سنستمر بشر.."
وراء كل شعب محرر لا شك ودون مواربة أن هناك امرأة، أُمّا كانت أو بنتا أو زوجة..، وراء كل شعب مناضل ابحثوا يا سادتي عن المرأة... وعن كل نجاح وانتصار، عفوا لا تسألوا عن المرأة، لأنها بكل تواضع وكل حياء هي النجاح وهي الانتصار. 

2007-06-21