المعذبات في الأرض وعقلية الاستبداد/ د.خالد الطراولي


لازلت أعتقد أن من الأسباب العميقة لسقوطنا وتخلفنا كحضارة ومجتمع وسلوك ومواقف، حيث علا الناس وتقدموا الصفوف والمواكب، هو اعتقادنا بأننا قوم نستطيع أن نبحر على ظهر سفينة الحياة ونقود مجتمعاتها نحو السؤدد والرفاه ونحن على رجل واحدة وبيد واحدة ونصف عقل...
كنا نظن أن النهوض والفعل والمبادرة شأن الخاصة الخاصة وحبيس نصف المجتمع يحملهم جنس واحد بعضلاته الفتية وصوته الجوهري وجسده الخشن... أجمعت بعض قراءات النصوص وتأويلات التراث واجتهادات صنف من الفقهاء والعباد وكثير من القاصرين وأصحاب الرؤى المحدودة والأفق الضيق وكثير من الجهلاء أن المرأة لا تحمل عناصر خير وبركة تفيض على مجتمعاتها وأنها لا تشكل عضوا كامل الحقوق والواجبات داخل ديارها الموسعة، وان صوتها عورة وخروجها ثورة وبقاءها داخل الجدران السميكة أسلم وحبسها في الدهاليز المظلمة أنفع، وانسحابها وصمتها خير لها ولأهلها وفضل دائم ومسترسل !!
وكلما قرأت عن المرأة في بعض ورقات تراثنا من فتاوى واجتهادات أحس أن هذا المسار الإقصائي لا يزال يثمر عند العديد من العقول والأقلام فتلبست بلبوس المصلحة والخوف من الفتنة المتواصلة وتكلست بقواعد فقهية في غير محلها من سد الذرائع وغيرها...
لقد كانت هذه الثقافة حبيسة عصور التخلف والاندحار فكانت سببا ونتيجة لإسراع سقوطنا وتسريع غرقنا، وحشر الدين لتبرير عادات وتقاليد ونرجسية وفحولية وغلبة الأنا الرجالي، ووقع تداخل غريب وخطير بين الدين في سموه وصفائه وبين تقاليد وعادات عايشت الخيمة وبساطة عيشها وترحال القوافل وقلة مشاهدها، بين فقه مجدد يتغير إذا تغير الزمان والمكان فكان فقه الشافعي القديم وهو في العراق وفقهه الجديد وهو في مصر، وبين فقه بدوي متزمت وثابت ينزوي إلى السواد والإقصاء...
وفاض علينا هذا الخير الجامح على ضفاف حياتنا ولم يلتزم ببقائه داخل بعض مسارات ودكاكين هذا التاريخ الأسود الذي صاحب سقوطنا واهتزازنا حتى سمعنا في أيامنا من يتحسر على هذا السواد ليبني على سواد فيقول رحم الله عهدا كانت المرأة تخرج فيه مرتين في حياتها، مرة عند زواجها فتخرج من بيت الولادة إلى بيت الحضانة، ثم مرة أخرى محمولة على الأعناق جثة هامدة من بيت الحياة إلى بيت البقاء !
لا تزال هذه الثقافة المهزوزة ترتع اليوم في سلوك البعض وأقلام البعض وتجد لها أنصارا ومؤيدين، ولا تزال تستوطن مشاعر البعض فيبدي نغصه، ولا تغادر لا شعور البعض فيضمر عدم ارتياحه...

نساء شظــايا
لعلكم قرأتم هذه الأيام كما قرأت ما وقع لإحدى الأسر في السعودبة من مطلب تقدم به إخوة الزوجة لتطليقها من زوجها بدعوى عدم كفاءة النسب، وقد وافقت المحكمة الأولى والثانية على هذا التفريق بدعوى أن هذا السبب كاف فقهيا على فسخ عقد الزواج، واستندت المحكمتان على رأي فقهي قديم وقع قنصه من ورقات صفراء من عهد غابر... المخيف أن هذه الحالة لم تكن استثناء بل تعددت فيما بعد الحالات الشبيهة ويبدو أن المصرح به يقارب 300 حالة.
الحالة الأولى أحدثت جلبة وتناظر بين موافق ورافض واعتلى كل طرف جواد الاستناد إلى رأي فقه أو رواية وإن كان التذمر من هذه الحالات هو الغالب. حديثي لن يكون محددا بهذه الحالة المأساة حيث فضلت الزوجة المسكينة البقاء في السجن مع ابنها الرضيع على أن يفرق بينها وبين زوجها، وأن لا ترجع إلى بيت أبيها وإخوتها ! لكني أود جذب الحديث نحو مواقع الرأي الذي تختزنه ذواتنا من احتقار واستخفاف بالمرأة إجمالا وعدم اعتبار إلى روح الإسلام ومقاصده العليا وهو يطرح مبدأ ثابتا ومقصدا أصيلا إسمه كرامة الإنسان أيا كان جنسه وأصله ودينه ووضعه ولونه.
إني ألمس في بعض الثنايا أن الإسلام قد وقع خطفه من بعض بنيه وهم يتطرفون في بعض الاجتهادات حيث يقع ليّ عنق الروايات وتأويل بعض المواقف والشرود نحو الفروع ونسيان الأصل أو جهله أو استبعاده، خدمة لهوى أو لمقاربة يظهر فيها جانب الأحادية والأنانية والمصلحة الشخصية أو القومية أو الجماعاتية على حساب الآخر، وإن كان هذا الآخر يمثل نصف المجتمع أو يزيد.
كيف لنا أن نقتنع بكفاءة النسب في تحديد جواز الزواج أو سقوطه ونحن نقرأ "المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.." و "إنما المؤمنون إخوة" و" لعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم"؟ا
 كيف لنا أن نقبل هذا التبرير وإن كان رأيا فقهيا له رجاله ونحن نقرأ " إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فانكحوه" و "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" و "سلمان منا آل البيت" ؟؟
 كيف لنا اتباع هذه المواقف وقد خلت من قبل مواقف تحدثنا أن بلال الحبشي تزوج من القرشية أخت عبد الرحمان بن عوف وهو من أغنياء الصحابة الكرام؟.

الاستبداد أولا، الاستبداد دائما
إن هذه العقلية المتوترة تجاه المرأة وهذه الثقافة المحقّرة والمستخفة لحال المرأة والتي لا تزال تنخر واقعنا وتستبطن بعض المشاعر عند البعض وتستوطن عقول وأقلام البعض، هي تعبير على هيمنة عقلية وثقافة الاستبداد في مجتمعنا، حيث لم يقتصر الجور والحيف والاستفراد والهيمنة على أسوار قصر الحاكم ولكنه نزل إلى واقع الناس وعقولهم فأصبح الاستبداد والاستفراد بالرأي معقلا عاما ومنزلا اجتماعيا داخل الحكم وخارجه، تجده في السوق والبيت والشارع، ويستعمله الفقيه المستبد وهو ينتقي الرأي الذي يخدم مصلحته أو مصلحة عشيرته أو جنسه أو مصلحة فرد، على حساب مصلحة مجموعة و جماعة وأمة، وهو يستعمله المواطن العادي المستبد وهو يعبث بتراثه الأصيل ويتثبت برأي شاذ على حساب زوجته وأخته وأمه وابنته. يقول قاسم أمين : " فانظر إلى البلاد الشرقية تجد أن المرأة في رق الرجل والرجل في رق الحاكم، فهو ظالم في بيته مظلوم إذا خرج منه"[[1]]
  إن عقلية وثقافة الاستبداد التي صبغت العديد من فترات عهد الانحطاط والتي لا زلنا نرى لها أبواقا وممثلين، تناقض عقلية المسؤولية التي ركز عليها المقدس الذي نحمله بقوله "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" حاكم ومحكوم، زوجة وزوج، مواطن ومواطنة، وعامل وعاملة... والمسؤولية حالة وفعل تستند إلى العلم والرشد والوعي، وعلى سلوك الفهم والتفهم والمراعاة والتواضع والتشاور والتضامن والتعاون. وهي أصول أخلاقية تنتمي إلى منظومة من القيم تناقض منظومة الاستبداد وقيمه البديلة، فأخلاق الاستبداد ليست أخلاق المسؤولية، ولعل أول تأثيرات الاستبداد وأفعاله تكون في تثبيت أخلاقه وتنزيلها إلى الواقع المعاش حتى تصبح الصورة قاتمة تلتحف بالسواد أينما أدرتها ويصبح الإفساد الأخلاقي مشروع حكم والفساد الأخلاقي مشروع مجتمع.
إن تحررنا من ربقة التخلف لن يكون صادقا وسليما ونهائيا إذا لم تحمل كل نواتات المجتمع ومكوناته معول هدم الاستبداد الذي نخر عقولنا وسلوكنا ومواقفنا، بداية من استبداد الحاكم ومرورا بالفقيه والرعية، حتى تبقى الكلمة الخالدة " الكرامة " التي منها نبدأ وعليها نعيش، كلمة صامدة مرتفعة أصلها ثابت وفرعها في السماء، و تظلّ منهجية تعامل بين الأفراد والجماعات وبين الرجل والمرأة خاصة، لا ترتعش و لا تتمايل لمرور سحابة صيف أو رياح خريف، حتى تبقى المرأة إنسانا كريما ومواطنا فاعلا، لها ما للجميع من حقوق وعليها ما على كل مواطن من واجبات في ظل احترام هذا المقدس الجميل روحا ومقاصد وأحكاما.



[1] قاسم أمين "المرأة الجديدة" في بن رمضان فرج "قضية المرأة في فكر النهضة" دار الحامي تونس 1988 ص :25.


2007-06-21